المشاركة  في دافوس ( نيو يورك ) .. ويا نعم المبادرة

30  يناير    5    فبراير   2002  م

المنتدى الاقتصادي العالمي ( دافوس ) هو بتقديري وباختصار : سوق ( عكاظ ) عالمي مطور .. ولو أنصف العالم لسمي ( منتدى عكاظ العالمي ) ، إنصافاً وتقديراً للإبداع العربي المبكر في تأصيل ثقافة عالمية المعرفة ، وترّسيم منطلقات منهجية  عولمة تبادل  النفع البشري العام .. ولكن لماذا نلوم العالم ..؟ ونحن في غالب أوضاع أمتنا العربية والإسلامية ، أكثر الناس ظلماً لأنفسنا ، وأشدهم بخساً لثقافتنا وقيمنا ، وتنكراً لتراثنا الحضاري المبتلى في غالب أحوالنا بعجزنا وتخلفنا .. ولو أنصفنا أنفسنا لكنا وبجدارة على مستوى ما كرمنا  به  ربنا  جلّ  شأنه  ،  وقد  بوأنا  مواقع  الوسطية  بين الأمم ، وشرفنا بمهمة الشهود الحضاري على الناس .. ولحافظنا من ثمّ على أرفع وأقدس مراتب التزكية الربانية ( كنتم خير أمة أخرجت للناس  ) ، وعلى أي حال نحن لا نبخس الناس أشياءهم  وإبداعاتهم .. بل نقدّرها ونجلّها ما دامت في خدمة حركة عمارة الأرض وإقامة العدل ، ويوم تكون عاملاً إيجابياً  في تنمية مقومات الحياة  الحرة الكريمة للإنسان ، وتؤكد على  صون  أمن  المجتمعات البشرية وسلامة البيئة ،  ونعود  إلى دافوس ( نيو يورك ) حيث وصلنا إلى نيو يورك مسكونين بهاجس الكراهية  والرفض المتوقع تجاهنا من الأمريكيين حكومة وشعباً، أو هكذا عبئنا  نفسياً  من  خلال  وسائل الإعلام  العالمي ، إلا أن واقع الأمر غير ذلك إلى  حد كبير ،  طبعاً الجو لم يخلو من بعض النظرات المعبرة عن عدم الارتياح لوجودنا بهويتنا العربية الواضحة ، التي تدل عليها صورنا بالزي السعودي المميز،التي  تظهر على البطاقات  الأمنية  التي لا تفارق صدورنا، وتظهر على شاشات التدقيق الأمني المرتبطة بكل معابر التفتيش الإلكتروني عند كل مدخل ( لفندق  وولدورف  أستوريا ) حيث عقد المنتدى ، و كذلك عند كل مدخل لقاعات المناقشة وما أكثرها ،وفي صباح أحد أيام المنتدى التقيت في المصعد شخصاً أمريكياً وزوجته ، وبعد تبادل التحية وابتسامات المجاملة المعهودة ، وبانفتاح المصعد باتجاه الردهة الرئيسة للفندق انتهت رحلة الابتسامات والمجاملات بمفاجأة غير سارة ، عندما رفض رفيق دربنا لدقائق تسلّم نسخة من مطوية قدمتها إليه تعّرف برسالة مشاركتنا في المنتدى ، مما كشف حقيقة الابتسامات السابقة التي تبادلناها تعبيراً عن روح التوصل الحضاري  ، وأوقع زوجته بحرج عبرت عنه بابتسامة خجولة مع هز رأسها بطريقة أشعرتني برفضها لما بدا من زوجها ، وقلت بنفسي وأنا أعزيها من صدمة الموقف ، لعلي على الأقل كسبت تعاطف المرأة إن خسرت تعاطف الرجل ، ولعلي قد نجحت كذلك في فتح باب للحوار بينهما حول صحت هذا الموقف أو خطئه ، وهذه من إحدى غايات المشاركة في المنتدى ، وهي تحويل المسلمات بشأن رفضنا إلى جدلية ونقاش بين الرافضين ، وتصورت أن المرأة ستقول لزوجها على طريقة نسائنا ببراءتهن وأصالتهنّ (  ما لك حق يا بن الناس.. وش عملك الراجل حتى ترده بهالطريقه الما هي زينه .. لا والله ما لك حق .. بصراحه شّي يكسف ) ، فكان هذا التخيل المحتمل لحوار المرأة مع زوجها عزاء لي من صدمة الموقف ، مما جعلني أتجاهل الصدمة وامضي بارتياح إلى إحدى قاعات الحوار مع القيادات الدينية ، حيث قدمت كلمتي التي تحدثت بها عن قدم وعراقة منهجية الحوار في المملكة العربية السعودية ، التي بدأت منذ عام 1926 م يوم دعا الملك عبد العزيز آل سعود –  يرحمه الله تعالى - إلى عقد مؤتمر عالمي لقادة وعلماء  ومفكري  العالم  الإسلامي  في  مكة المكرمة ، حيث وضع ميثاق عالمي ، يؤكد على  أهمية احترام  وحدة الأسرة البشرية ، ووحدة مصالحها وأمنها المشترك ، وأن الحوار بين الثقافات هو السبيل الأفضل لتحقيق تعايش بشري عادل وآمن ، وتحدثت عن المبادرة التاريخية التي انطلقت من المملكة العربية السعودية في عام 1972 م ، لتجديد رسالة التعارف والحوار بين الحضارات ، وكذلك الوفد الذي خرج عام 1992 م من رابطة العالم الإسلامي لتجديد التواصل بين الثقافات ، وذكّرت بندوات الحوار المستمرة مع الفاتيكان وغيره من المؤسسات الدينية والثقافية والسياسية على امتداد العالم ، والتي أسفرت عن بلورة مفاهيم أصبحت اليوم موضع قبول عند الكثير منهم أوجزتها بما يلي :

1.    الإيمان بالإله الواحد ورسالة الأنبياء ، واحترام حرية الاعتقاد

  الديني مرجعية أساس لتعايش أتباع الأديان .

2.    الإيمان بوحدة الأسرة البشرية منطلقاً لتأكيد احترام الأخوة الإنسانية .

3.    عمارة الأرضي وإقامة العدل هما واجب ديني ومطلب حضاري .

4.    حماية البيئة وعدم إفسادها معيار للمسؤولية الجادة تجاه حاضر ومستقبل الأجيال البشرية .

5.    التكامل المنصف بين مسؤوليات الرجل والمرأة هو السبيل الحق  للتعاون الجاد بينهما  في ميادين الحياة .

6.    الأسرة المؤسسة على الزواج الشرعي بين الرجل والمرأة هي الأساس الآمن للمجتمعات المتحضرة .

7.    القيم الدينية والروحية هي المصدر الأساس لتحقيق الحياة الأفضل للأسرة البشرية ولكل حياة على الأرض .

8.    الإرهاب والتطرف أمران يتناقضان مع روح الدين والرحمة التي هي غاية الرسل بين الناس .

9.    الدفاع عن النفس وما يخصها حق مقدس تقره الأديان والمواثيق والأعراف الدولية ولا يجوز بحال ربطه بالإرهاب .

10.                     التوازن بين حركة العلوم والتكنولوجيا وبين القيم الدينية والأخلاقية هو الأساس المتين لصون كرامة الإنسان وحفظ سلامة البيئة وتحقيق التعايش البشري الآمن .

11.                     الحوار بين الثقافات والحضارات واجب ديني ومطلب حضاري وضرورة ملحة لتحقيق مصالح العباد وأمنهم المشترك .

12.                     العالمية والعولمة أمران متكاملان ومتلازمان ، فالعالمية بدون عولمة تبقى نظريات آمال ، والعولمة بدون عالمية عادلة تتحول إلى عبثية ودمار .

واقترحت على القيادات الدينية مشروع تكوين  مجلس عالمي (في إطار المنتدى الاقتصادي ) للقيادات الدينية والفكرية والاقتصادية والسياسية ، لتتسق فعاليات المجتمعات البشرية نحو نظام عالمي عادل وعولمة آمنة ، وقد طرب أخي فضيلة الشيخ فوزي  الزفزاف  رئيس لجنة الحوار في الأزهر للمقترح – كما عبر لي عن ذلك – وأخذ يتحدث به ، بل وأعلنه مقترحاً باسم المسلمين عندما شارك في الجلسة العامة المفتوحة للقيادات الدينية .

وبالمناسبة فقد عقدت القيادات الدينة حسب برنامجها المحدد سبع جلسات أساسية ، وجلستين إضافيتين لمناقشة مشروع تكوين مجلس عالمي للقيادات الدينة في إطار المنتدى  ، وفي الجلسات السبعة  الأساسية  طرحت  كثير من  القضايا  والإشكاليات الدينية ، جرى حولها الحوار بكل صراحة وموضوعية وباختصار أذكر منها :

 

1.  الإرهاب والتطرف :

وحول هذا الموضوع قدمت مداخلة تقوم فكرتها على أن :

·     الإرهاب ظاهرة عالمية لا دين لها ولا جنسية .

·     الإرهاب والتطرف سلوك يعكس ثقافة ما وتربية ما .

·     ثقافة الأجيال اليوم وسلوكياتها الشاذة ، هي ثمرة المصادر الثقافية والتربوية الأكثر تأثيراً مثل : أفلام العنف والسطو والاغتصاب والتحلل الجنسي ، والتفكك الأسري والتفسخ الاجتماعي ، والترويج لظاهرة تعاطي المخدرات ، والاستهتار بالقيم الدينية والإيمانية والأخلاقية ، واتساع ظاهرة الظلم والحروب وعبثية استخدام أسلحة الدمار الشامل ،  حيث أن ذلك كله يفرز أجيال ساخطة وغير مسؤولة ، وبنسب متفاوتة في غالب بلدان العالم.. وهذه الأجيال غير المسؤولة هي التي تمارس اليوم الإرهاب والتطرف ، والتي من أخطرها وأشدها على مستقبل الأمن البشري انتشار ظاهرة إرهاب وعنف أطفال المدارس .

·     لذا علينا قبل ومع المطالبة بمراجعة المناهج التعليمية، التي أصبحت ملحة لمن هجروا قيم الإيمان وجردوا مناهجهم من المثل الأخلاقية ، علينا المطالبة بجدية وإلحاح بمراجعة ثقافة أفلام هوليود ودزني وغيرهما من وسائل الإعلام العابثة التي تنخر بأساسيات التكوين التربوي والسلوكي لأجيالنا.

 

2.    الدين والسلام :

كانت مداخلتي بهذا الشأن ترتكز على ما يلي :

·     السلام اسم الله في الإسلام .

·     أصل العلاقة بين الناس قائمة على المودة والقسط .

·     والعدوان والظلم هما مبررا الدفاع عن النفس و عن الخصوصيات المادية والمعنوية .

·     والناس شركاء في خيرات الأرض على أساس من صون حرمة الممتلك ، ومشروعية تبادل الانتفاع .

 

3.    الدين والديموقراطية :

كان تعليقي على الموضوع بالأفكار التالية :

·     العقد الاجتماعي في الإسلام يقوم على التلازم بين عقدين : عقد الإيمان وعقد الأداء .

·     عقد الإيمان يمثل الفارق الجوهري بين الإسلام والديموقراطية ، حيث أن عقدها الاجتماعي يقوم على عقد الأداء فقط مع تغييب عقد الإيمان .

·     عقد الإيمان في الإسلام يرد مرجعية التشريع إلى الله تعالى ، بينما عقد الأداء في الديموقراطية يرد مرجعية التشريع إلى الشعب ، وهذا ينشئ فوارق جوهرية بين المنهجين.

·     الديموقراطية ركزت على الوسائل والآليات ولو على حساب الأهداف والغايات أحياناً ، بينما الإسلام ركز على الغايات والأهداف، وجعل الوسائل طوعاً لها تتغير بمقتضى الأحوال والأزمان والتراضي بين الناس .

·     الإسلام يقرر التكامل والتناصح  بين مسؤوليات طرفي عقد الأداء وفق ضوابط عقد الإيمان ، بينما الديموقراطية تقوم على أساس  التعارض والتضاد بين مسؤوليات طرفي عقد الأداء .

 

4.    الدين والمرأة :

جاءت مداخلتي مرتكزة على ما يلي :

·     الإسلام يقرر التكامل المنصف بين مسؤوليات الرجل والمرأة في ميادين الحياة .

·     الإسلام يؤكد أن الأسرة مؤسسة أساسية من مؤسسات المجتمع المدني .

·     الإسلام يقرر التكامل بين المسؤوليات في مؤسسة الأسرة وباقي مؤسسات المجتمع فلا تطغى مسؤولية على حساب الأخرى .

·     الإسلام خفف عن المرأة بعض المسؤوليات ومنحها بعض الامتيازات تقديراً لاضطلاعها بمسؤوليات الأمومة والطفولة .

 

5.   الشريعة الإسلامية والآخر:

كانت مداخلتي وفق الإيجاز التالي :

·     الإسلام : عقيدة وشريعة

·     العقيدة :  تمثل  الخصوصية  الدينية  للمسلم  التي  تميزه  عن غيره ،  شأنها في ذلك شأن عقيدة أي دين آخر ، والإسلام حسم هذه المسألة بالنسبة لغير المسلم فقرر قاعدة :  لكم  دينكم  ولي دين  ،  وكذلك  قاعدة : لا إكراه في الدين .

·     والشريعة بدورها تقوم على نوعين من القوانين : قوانين الأحوال الشخصية ، وقوانين المصالح العامة للشعب .

·     فبالنسبة للأحوال الشخصية فقد حسم الإسلام هذه المسألة بالنسبة لغير المسلم حيث أعطاه الحق بأن يتعامل في ذلك مع قوانين دينه ومعتقده .

·     وفيما يتعلق بقوانين ومبادئ المصالح العامة في الشريعة الإسلامية ، فالمسلم وغير المسلم أمامها سواء بسواء لا تمييز بينهما .

وعلى أساس مما تقدم من توضيح ، لا أحسب أن هناك مشكلة لغير المسلم في ظل الشريعة الإسلامية .

 

6.    الإسلام والأصولية :

بشأن هذه المسألة المتكررة حول عقدة عدم فهم المصطلحات ركزت في مداخلتي على النقاط التالي :

·     الأصولية باختصار : هي التزام كل إنسان بثوابت ومنطلقات ما يعتقده وما يؤمن بصحته ، أي الالتزام بأصل وجذور ومقومات اعتقاده .

·     وعلى هذا الأساس فإن لأتباع كل دين أو مذهب أو ثقافة أصوليتهم ، التي ترتكز على ثوابت ومنطلقات وجذور منشأ الاعتقاد لديهم .

·     ونحن هنا نجتمع بصفتنا أتباع أديان ومذاهب وثقافات لكل منا خصوصيته وأصوليته العقدية التي تميزه عن الآخر ، ولولا الاختلاف حول جوهر هذه الأصول لكنا ديناً واحداً.

·     ونحن أتينا إلى هنا بصفتنا أتباع لمفردات هذا التنوع الديني والمذهبي والثقافي والحضاري ، لنبحث معاً عن مسؤولياتنا المشتركة تجاه تحقيق عالم أفضل لتعايش بشري آمن .

·     لذا أحسب أنه لا طائلة من استمرارية الجدل بشأن الأصولية ، فهي بتقديري أمر محسوم لدى أتباع كل دين أو ثقافة  ، والأفضل لنا التحول بحوارنا إلى إمكانية التأمل معاً ، حول البحث عن الكليات العليا التي من شأنها أن تجمعنا وتوحد عملنا باتجاه تحقيق مصالحنا وأمننا المشترك .

·     وعلى أساس مما تقدم فإنني أعتقد بأننا جميعاً يمكن أن نلتقي على :

1.    الإيمان بالإله الواحد الذي نؤمن بأنه خالقنا ورازقنا ومدبر أمرنا وندين له بالعبودية والطاعة .

2.    الإيمان بوحدة الأسرة البشرية والعمل على صون سلامة أمنها ومصالحها .

3.    الإيمان بأننا مكلفون جميعاً بمهمة ربانية جليلة هي : عمارة الأرض وإقامة العدل بين الناس .

4.    الإيمان بالمحافظة على كرامة الإنسان وصون سلامة البيئة .

أحسب أن من واجبنا المشترك التركيز على هذه المنطلقات الأربعة لتكون الأساس ، لنعمل معاً على إعادة البناء الثقافي للأجيال البشرية من أجل عالم يسوده  العدل والأمان .

هذا ملخص عن أبرز ما تمّ مناقشته في جلسات القيادات الدينية في جلساتها المتعددة ، أما في غيرها من الجلسات التي عقدت في القاعات الأخرى في مقر المنتدى ، فقد حجزت لأشارك في ثلاث عشرة جلسة ، لم يتيسر لي المشارك والحضور إلا في عدد قليل منها لصعوبة الوصول إليها أحياناً ،  ولامتلاء القاعة المبكر أحياناً أخرى ، مما يحول دون السماح بالدخول ، رغم أن الحجز بالكمبيوتر ووفق العدد المقرر ، إلا أن المجاملات على ما يبدوا يبقى  لها  دورها الفاعل  حتى  في البلدان التي يدعي أهلها غير ذلك ، وفي بعض الجلسات التي حضرتها كان لي مداخلات أذكر منها على سبيل المثال :

1.    جلسة الأمن العالمي / 10 – 12 الخميس 31 يناير :

تحدث المحاضرون عن المبادئ الواجب التركيز عليها في إطار التهديد المستمر لاستقرار في مختلف البلدان ، وكيف تحقيق عالم آمن ..؟

حول هذا الموضوع كانت مداخلتي على النحو التالي :

·     أود أن أقدم لسؤالي بالعبارة القيمة التي ذكرها الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه الشهير ( نصر بلا حرب )  حيث يقول : في القرن العشرين خطا تقدمنا  التكنولوجي خطوات أكثر من تقدمنا السياسي ، الأمر الذي ينبغي ألا  ندعه يتكرر مرة ثانية في القرن الحادي والعشرين ، وذلك من أجل تقليل فرص الحروب لصالح زيادة  فرص السلام .

·     ومن تراثنا الإسلامي المؤمن الكيّس من عرف زمانه واستقامة طريقته .

·     وسؤالي هو : هل نحن وقد أصبحنا  في القرن الحادي والعشرين قد أخذنا بنصيحة الرئيس نيكسون ..؟ أم أننا لا نزال  مصرين على ترسيخ خلل التوازن بين تقدمنا العلمي والتكنولوجي وتخلفنا القيمي والأخلاقي ، الذي هو مصدر حالة الرعب المدمرة لسلوكيات أجيالنا واستقرار مجتمعاتنا ..؟ أرجو الإجابة .

·     فتولى الإجابة المستر هيساشي أوادا / رئيس معهد الشؤون الدولية في اليابان حيث قال : بكل تأكيد لا يزال العالم غافل عن مثل نصيحة الرئيس نيكسون لإعادة التوازن بين حركة العلم والقيم والأخلاق .. ولا شك أن القيم تبقى صمام الأمان لسير حركة العلم والتكنولوجيا وأشكرك على إثارة هذه المسألة الجوهرية شديدة الصلة  بموضوع جلستنا .

 

2.   جلسة السياسة الخارجية الأمريكية / 30 , 10 – 15 , 12 يوم الجمعة 1 فبراير :

تحدث المحاضرون عن الأولويات الجديدة في السياسة الخارجية الأمريكية بعد 11 سبتمير 2001م .

مداخلتي حول هذا الموضوع  ، أحسب أنها أخذت طريقها للنشر بعد أن فاتتني فرصة تقديمها في الجلسة ، حيث حاولت ذلك إلا أن كثرة المعلقين والمتسائلين حالت دون إعطائي الفرصة  ،  وبعد الجلسة اقتربت مني  سيدة  قائلة : ما ذا كنت ستقول  لو أتيحت لك فرصة التحدث ، وعرفت من طريقة سؤالها وما تحمله من وسائل أنها صحفية ، فقلت لأي صحيفة تراسلين فقالت : لنيويورك تايمز ، فقلت لها ما كنت سأقوله هاهو مكتوب بهذه الورقة ، إلا إذا رغبتي أن تسجليه بصوتي ، قالت لا أكتفي بما هو مكتوب ، واستأذنتها لأنتقل لقاعة أخرى ، أما ما كان  مكتوباً فهو :

·     أجد من المفيد أن أبد مداخلتي بالحكمة الشهيرة للرئيس الأمريكي الأسبق المستر  روزفلت  حيث يقول : ( ليس ما نملك هو المهم لكي نكون أمة عظيمة ، ولكن المهم هو الطريقة التي نستخدم بها ما نملك ) .

·     ومن تراثنا الثقافي ( إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ) .

·     لقد أصيبت قلوبنا جميعاً بفداحة الجريمة يوم الحادي عشر  من سبتمبر ،  وطعنت  الإنسانية  بأساسيات  قيمها ، والشعب الأمريكي ألمّ  به خطب جلل أوجع قلبه وأدمع عينه وجرح كبرياءه الحضاري ، لقد كانت بكل تأكيد إحدى الكوارث الإنسانية الكبرى .

·     نعم من حق أمريكا أن تتأثر وأن تغضب وأن تحدثها نفسها بالثأر ، ممن انتهك سيادتها وهزّ أركان أمنها ودمر رمزية عظمتها ، إلا أن الأمم العظيمة من شأِنها ألا تخرجها الأحداث الجسيمة عن توازنها الثقافي ، وألا تعطل قيمها ومثلها الحضارية ، وألا تدع الحدث مهما كبر وعظم أن يحبسها أو يحجزها عن ممارسة أخلاقيات رسالتها الحضارية في الحياة ، فهي إن وقعت في ذلك فقد أعطت للحدث فرصة تحقيق أهم أهدافه .

·     والإسلام يقرر قاعدة عظيمة بهذا الشأن إذ يؤكد على العدل مع وجود العداوة والخصومة ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) .

·     قد مرت بالعالم من قبل كوارث عظمى وحروب طاحنة وصور من الإبادة الجماعية المرعبة ،بل مورست بحق الشعوب محارق بشعة لا تزال صخور الوديان والجبال حيث جرت تحمل بصمات بشاعة حقد ودموية سلوكيات من اقترفوها ، ولا يزال العالم يتعرض لمثل هذا العدوان الدموي الوحشي في أكثر من مكان  ، وهذا يتطلب من المجتمع الدول أن يتعامل بحكمة وروية مع الأحداث الجارية ، مثلما تعامل من قبل مع أحداث تاريخية كالتي ألمحت إليها ، من أجل ألا تستعر النيران وتعم البلوى في الأرض .

·     لذا فإنني لست مع مقولة سياسات جديدة لأمريكا والعالم بعد 11 سبتمبر ،  ولكنني  مع  وجوب رؤية واقعية للعالم ، تقوم على أساس دراسات موضوعية للحدث ولكل الأحداث المؤلمة الجارية في عالم اليوم ، والتي تهدد بإفراز سلوكيات أكثر شذوذاً وانحرافاً وأشد إجراما مما حدث في 11 سبتمبر ، إذا لم نتدارك الأمر كلنا جميعاً وبمسؤوليات جادة على كل مستوى .

وللعلم أنني غادرت أمريكا دون أن أعرف هل تلك السيدة نشرت هذا الكلام كله ، أم اختصرته ، أم أنها تجاهلته كلياً ، لذا أرجو ممن وقع بين يديه شئ منه منشوراً فليتفضل بإرساله إلي مشكوراً .

 

3.    جلسة ما هو المقدس في عالم اليوم ؟  00, 20 – 00, 20 يم الأحد 3 فبراير :

كانت الجلسة على طريقة المجموعات حول طاولة مستقلة، ليناقش كل فريق الأفكار التي تتعلق بالموضوع الرئيس ، وفي هذا الشأن طرحت أمام المجموعة التي أشترك معها بالحوار ما يلي :

·     ينبغي أن نفرق بين ما يبدوا أنه مقدس في عالم اليوم وبين ما ينبغي أن يكون مقدس فيه .

·     أحسب أن ما هو مقدس في عالم اليوم هو موضع اختلاف كبير وجدل  شديد بين الناس ،  وذلك بسبب من تشتت المفاهيم الدينية والثقافية والفكرية وحتى الحضارية ، وهذا التشتت بدوره نابع من غياب أو اضطراب المفاهيم حول أصول ومنطلقات المرجعيات الدينية أو الفكرية للتكوين  الثقافي للأجيال البشرية .

·     لذا  ينبغي  أن  نتأمل  معاً ،  ونعمل  معاً  على بلورة فهم واقتناع مشترك ، حول كليات مرجعية للثقافة البشرية ، وفي هذا الصدد أقترح ما يلي ليكون أساس لمرجعية دينية وثقافية لنا جميعاً :

1. الإيمان المطلق بالإله الواحد ، وأن لكل دين أو مذهب خصوصيته الاعتقادية  بشأن هذا الإله الواحد .

2. الإيمان بوحدة الأسرة البشرية ووحدة مصالحها وأمنها.

3. أننا جميعاً مكلفون من الإله الواحد بمهمة عمارة الأرض وإقامة العدل بين الناس .

4. التأكيد على قدسية المحافظة على حياة الإنسان وكرامته ، وصون سلامة البيئة باعتبارها سكن البشرية المشترك .

ولمست ارتياحاً من أعضاء المجموعة نحو ما اقترحت ، وتمت من قبلهم إضافات لا تخرج بجملتها عن السياق العام لما طرحت ، وقام ممثل مجموعتنا ولخص بشكل مرضي إلى حد كبير ما طرح من أفكار ، وفي هذه المناسبة أود أن أشير إلى أن سيدة ممثلة لإحدى المجموعات قامت وقدمت تعليقاً جيداً ، أشادت في جانب منه بالقيم الإسلامية والتسامح الإسلامي ، بل وتحدثت عن فتح مكة وما رافقه من قيم وأخلاق ومبادئ  سامية  ، مما ينبغي أن  تكون  موضع تقدير وتقديس منا جميعاً ، وهنا لابد من أن أشير إلى الموقف الكريم الذي سجله سمو الأمير خالد الفيصل ، حيث بادر في نهاية الجلسة وتقدم من تلك السيد يحييها ، و كأني به قد عبر لها عن شكره وتقديره على ما جاء في كلمتها ، وهذا ما نبهني لأن أنهج نهجه المنصف ، فتوجهت إليها وحييتها وشكرتها على كلمتها وحسن اطلاعها على أساسيات الثقافة الإسلامية وتبادلنا بطاقات التعارف . 

 

أما عن جولة المجموعة المكونة من معالي الدكتور صالح عبد الله بن العبيد والاخوة الدكتور أحمد سيف الدين التركستاني والدكتور إبراهيم القعيد والدكتور خليل الخليل وكاتب هذه السطور ،   في كل من نيو يورك  وواشنطن والتي نظمها مجلس العلاقات العربية الأمريكية (  كير  ) ،  بفريق  من المجلس  على  رأسه الأخ الأستاذ نهاد عوض ، حيث عقد الوفد عدة لقاءات سيكون لها تقرير خاص ومفصل لأهمية ما دار فيها من  حوار ، وأكتفي هنا بالإشارة إلى الجهات التي تمّ اللقاء معها على النحو التالي :

1.    المجلس لوطني الأمريكي لكنائس المسيح / نيويورك وهو من أكبر المؤسسات الكنسية في أمريكا وله مكاتب في جميع الولايات الأمريكية ، مثلما أن له مكاتب في معظم بلدان العالم ، وهم معتدلون في مواقفهم الدينية والسياسية ولديهم تحفظ تجاه السياسة الإسرائيلية في فلسطين .

2.    الكاتدرائية الوطنية للبعثة المسكونية ( العالمية ) ، وتظم مجموعة من الكنائس المتنوعة ولها نشاط  مع اليهود / واشنطن .

3.    بيت ( وليم بين ) وهو هيئة كنسية تظم تحالف هيئات دينية متنوعة بما فيهم المسلمين ، ولها برامج تدريبية متنوعة وتركز على عدم استغلال الدين لأغراض غير روحية أو سياسية / واشنطن .

4.    تحالف أتباع الأديان وهو منظمة كبرى تظم ممثلين عن مختلف الأديان ، وتعتني بتنمية التعاون بين الأديان من أجل تأمين حياة أفضل / واشنطن

5.    مركز دراسات التفاهم الإسلامي - المسيحي / واشنطن .

6.    مركز الحوار بين الحضارات / جامعة جورج تاون / واشنطن .

7.    الاتحاد اللاهوتي والبيت الدنوميكاني للدراسات / واشنطن ، وهو مؤسسة كنسية تحالفيه بين عدد من الكنائس المعنية بالدراسات الدينية.

8.    المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان / واشنطن .

9.    المؤسسة الدائمة من أجل الحرية الدينية / واشنطن .

حيث جرى حوار صريح ومطول مع جميع هذه المؤسسات حول العديد من الموضوعات الخاصة والعامة ، الدينية منها والثقافية والحضارية والاجتماعية ، في إطار من الموضوعية والعلمية والجدية ، وذلك كله في جو من روح المودة والاحترام المتبادل ، ولمسنا انطباعاً حسناً ورغبة ملحة في تكرار مثل هذه اللقاءات ، بل أن الأمر انتهى مع هذه الجهات إلى القبول المبدئي بتوقيع اتفاقيات مع المنتدى الإسلامي العالمي للحوار ( باعتباره الهيئة الإسلامية العالمية المعنية بالحوار ) حول استمرارية الحوار وتفعيل العلاقات الثقافية والحضارية بين الناس .

 

كما تمّ اللقاء مع عدد من الجهات المسلمة من خلال مكتب رابطة العالم الإسلامي / والمعهد العلوم الإسلامية والشرعية / جامعة الإمام  ،ومن خلال مؤسسة ( كير ) التي قامت بكل فعالية ودقة بتنظيم برنامج لقاءات الوفد في نيويورك وواشنطن ، كما زار الوفد سفارة المملكة في واشنطن والتقى سعادة السفير المساعد ومكتب الشؤون الإسلامية ووجدنا منهم العون والتشجيع  ، وتشرفنا بزيارة سفير خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز في منزله ، وبحضور عدد من أصحاب السمو الأمراء ورجال الأعمال ، وشارك الوفد في اللقاء الكبير الذي دعا إليه مجلس العلاقات العربية الأمريكية ، وشارك فيه الدبلوماسيون العرب وتحدث فيه معالي الأمين العام للجامعة العربية ، كما تمت بعض اللقاءات الفردية مع بعض الشخصيات الأكاديمية والفكرية ذات التأثير بمواقع القرار الثقافي والسياسي ، مما يؤكد وباختصار أهمية مثل هذه اللقاءات واستمرارها ، مع التأكيد على أهمية المزيد من الدراسة والتخطيط العلمي والموضوعي لها ، وللإنصاف والموضوعية لابد من الإشارة إلى الجهد الكبير الذي بذله صاحب السمو الملكي  الأمير نواف بن عبد العزيز ، وكذلك سمو الأمير عبد الله بن فيصل بن تركي في التنسيق بين المشاركين في المنتدى ، ولابد كذلك من التنويه عن اللقاء الثري الذي تمّ -  قبل  سفر المشاركين  في  المنتدى -  مع  صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز ، والذي كان له الدور الأساس في تأطير التوجهات العامة لرسالة المشاركين في المنتدى  ، مما كان له أكبر الأثر في تحقيق النتائج المرضية إن لم تكن الرائعة للمشاركة ، والتي ستتضح صورتها المشرقة – بتقديري - يوم تنتظم التقارير من باقي الاخوة والأخوات الذين شاركوا في باقة واحدة ، والتي آمل أن تصدر في كتاب يتحدث عن تفاصيل هذه المبادرة الميمونة، لتكون بين يدي أجيالنا للإطلاع والاستفادة مما جاء فيها .  

وبعد فإن هذه المبادرة بتجربتها الفذة  لتؤكد :

·    أن الأمة الوسط  ما ينبغي لها أن تتخلف عن تبوء مواقع الوسطية بين الأمم .

·     وأن أمة الشهادة على الناس لا يجوز لها بحال أن تتغيب عن  مواقع التفاعل الحضاري  بينهم .

·     وأن أمة رسالة التعارف ما يصح بحقها أن تعزل نفسها عن منابر التواصل المعرفي العالمي .

·     وأن أمة منهجية التدافع عليها أن تفعّل قيمها وقدراتها في ميادين التدافع الثقافي والحضاري .

·     وأن أمة الخيرية ما ينبغي لها أن تهجر فرص التعريف بخيرية رسالتها بين الناس .

 

وخلاصة القول : لقد آن الأوان لأن ترتقي أمتنا بنفسها، لتكون على مستوى قدسية رسالتها ، وعظمة مسؤولياتها ، وتحديات زمانه تجاه أجيالها ، وتجاه الأجيال البشرية جمعاء .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أ . د حامد بن أحمد الرفاعي
رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
جدة في /  5  ذو الحجة  1422 ه