تقرير عن القمة الألفية العالمية للقيادات الدينية والروحية
الأمم المتحدة - نيويورك

 

تجربة الحوار مع الأمم المتحدة

عقدت الأمم المتحدة في مقرها في نيويورك مؤتمر القمة الألفية العالمية للقيادات الدينية والروحية من أجل السلام العالمي من 28  إلى 31 أغسطس 2000م، وجاء في تقرير الأمين العام للمؤتمر المستر/ باوى جين، أنَّ هذه الألفية تهدف إلى التأكيد على أن للأمم المتحدة والقيادات الدينية رسالة مشتركة، هي العمل على تحسين الظروف البشرية، وعلى تحقيق الأمن والسلام لكل الناس في العالم، والعمل على استكشاف الطرق التي تمكِّنُ القيادات الدينية والأمم المتحدة من العمل معاً وبتلازم من أجل تحقيق هذه الأهداف، وأكَّدَ أنَّ الهدف المباشر من القمَّة أمران:

الأول: أن توقِّعَ القيادات الدينية في ختام قِّمتِها ومع مطلع الألفية الجديدة بياناً يؤكدون عزمهم الموحَّد من أجل السلام.

الثاني: أن تتخذ الخطوات الأولية لتكوين مجلس استشاري عالمي دائم من القيادات الدينية والروحية في الأمم المتحدة، يكون مصدراً استشارياً للأمين العام وللأمم المتحدة في جهودهم المبذولة من أجل بناء سلام دائم، وكذلك لتكوين مجالس استشارية إقليمية مهمتها تقديم النصح والعلاج للقضايا المحلية.

وقد شارك في المؤتمر وفود من مختلف الأديان والطوائف والفرق من جميع أنحاء العالم، وللأسف فإن الحضور الاسلامي كان متواضعاً مقارنة بالحضور المكثف للآخرين وعلى الأخص اليهود والطوائف الهندية مثل الهندوس والسيخ والبوذيين وغيرهم، ومع ذلك كان الحضور الاسلامي فعالاً ومثمراً بفضل الله تعالى ثم بفضل الدراسة المسبقة لورقة القمة ومحاورها وأهدافها، وبفضل الإعداد المبكر للأفكار والمقترحات المناسبة، التي من الممكن طرحها في سياق توجهات القمة وغاياتها المباشرة وغير المباشرة، وكذلك بفضل الاتصالات المبكرة مع الأمين العام للأمم المتحدة، وبعض الجهات الدينية العالمية مثل الفاتيكان والمجلس الوطني الأمريكي لكنائس المسيح ـ وهو من أكبر الهيئات المسيحية في أمريكا ـ وغيرهم، وبفضل التعاون والتنسيق والتدارس بين الوفود الإسلامية المشاركة، حيث عقدت عدَّة لقاءات في مكتب رابطة العالم الاسلامي في نيويورك وفي مقرِّ إقامة الوفود، تمّ من خلالها تنسيق المواقف وإعداد المقترحات والتعديلات المطلوبُ من وجهة النظر الإسلامية إدخالها على مسوّدة البيان الختامي للقمة وكذلك المقترحات والتَّصورات بشأن المجلس الاستشاري العالمي الدائم، وبشأن المجالس الإقليمية الاستشارية المزمع تشكيلها من القيادات الدينية، وقدَّمت نسخةً من المقترحات والتصورات للأمين العام للأمم المتحدة، كما تمّ مناقشتها في لقاء خاص مع الأمين العام للمؤتمر ومساعدته، مما ساعد على إدخال بعض التعديلات على مفردات مواد البيان الختامي، مع إدخال مواد جديدة لم يتضمنها البيان من قبل ومنها مادة تنص: (أن المرأة شريكة متكاملة الشراكة مع الرجل في ميادين الحياة)، وأخرى تتعلق بأهمية تربية الأطفال باعتبارهم أمل المستقبل، وختمت الحيثيات والمبادئ المؤسِّسَة لتوجهات البيان وتعهداته بالمادة التي حرصنا أن تكون المرجع والمقيد لكل ما يسبقها من حيثيات ومبادئ، وقد تحقق ذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه حيث تنص: (وحيث إن القيم الدينية والروحية هي المصدر الأساس لتحقيق الأفضل لحياة الأسرة البشرية ولكل مقومات الحياة على الأرض).

هذا وخاطب المؤتمر في جلسة الافتتاح في مقرِّ الأمم المتحدة كلاً من معالي الدكتور عبدالله بن صالح العبيد الأمين العام لرابطة العالم الاسلامي ـ بمكة المكرمة ـ، وسماحة الشيخ الدكتور أحمد كفتارو المفتي العام لسوريا ـ ممثلاً بنجله فضيلة الشيخ صلاح أحمد كفتارو ـ، وسعادة الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار ـ بجدة ـ، وشارك في لجان العمل المتخصصة كل من معالي الأستاذ كامل الشريف الأمين العام للمجلس الاسلامي العالمي للدعوة والإغاثة ـ بالقاهرة ـ، ومعالي الدكتور عبدالله عمر نصيف رئيس مؤتمر العالم الاسلامي ـ بجدة / المملكة العربية السعودية ـ وفضيلة الشيخ آية الله عبدالله فايز جوادي ممثلاً للإمام آية الله خامينئي ـ طهران ـ، كما خاطب المؤتمر في جلسة الاختتام معالي الدكتور عبدالله بن صالح العبيد رافعاً القرآن الكريم بيده قائلاً: أيها الناس إن الله تعالى قد أقسم في كتابه الكريم هذا بالعصر تعظيماً لشأن الزمان، ولأن حياة الإنسان هي قدره من الزمان، وأنه سيكون خاسراً لا محالة، إلا إذا كان من الذين آمنوا بالله ربهم وخالقهم، وكان ممن يعملون الصالحات، ويحرصون على اتباع الحق ويدعون إليه،ويصبرون على تكاليفه، ثم تلا قول الله تعالى:} وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{ (سورة العصر)، كما خاطب المؤتمر في جلسة الاختتام سعادة الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي الذي تلا قول الله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ (النساء: 1).

ثم أردف قائلاً: أيها الزملاء، إن الله تعالى ربُّنا وربُّكم وربُّ الناس وخالقهم قد كرّم الإنسان واستخلفه في الأرض وأنزل له منهجاً محكماً يأمره ويسدِّده ويرشده إلى:

1 ـ إتقان عمارة الأرض وعدم إفسادها.
2 ـ إقامة العدل بين الناس من غير تمييز بينهم.
3 ـ تعظيم حياة النفس البشرية وصون كرامة الإنسان وعدم الاعتداء عليها.
4 ـ تعظيم وحدة الأسرة البشرية واحترام حقوقها ومصالحها المشتركة.
5 ـ احترام حقوق الآخرين وممتلكاتهم وعدم استلابها.
6 ـ احترام الأعراض وعدم انتهاكها.
7 ـ احترام المرأة وتكريمها وعدم انتهاك خصوصياتها.
8 ـ الأخذ بكل أسباب العلم والمهارة والإبداع لاستثمار مسخرات الكون لصالح كرامة الإنسان وأمنه واستقراره.
9 ـ التعارف بين الناس والسعي للتكامل الحضاري بينهم فيما يحقق مرضاة الله تعالى في الدنيا والآخرة.

 ثم أعلنت الأمانة العامة للمؤتمر  البيان الختامي للقمة الألفية العالمية للقيادات الدينية والروحية من أجل السلام العالمي تحت عنوان (الالتزام بالسلام العالمي)، وأقبلت الوفود توقع عليه إقراراً والتزاماً بما جاء فيه.

أما موضوع تكوين المجلس الاستشاري العالمي الدائم، وما يتعلق بتكوين المجالس الاستشارية الإقليمية، فقد دعت أمانة الأمم المتحدة لجنة من ممثلي الأديان للتدارس والتشاور بشأنها، وقد مثّل المسلمين في هذه اللجنة معالي الدكتور عبدالله بن صالح العبيد والدكتور حامد بن أحمد الرفاعي، وبعد التدارس على مدار جولتين، اتفق على إعطاء فرصة للمزيد من التفكير والتأمل بشأن هذه الغاية، على أن يتم تكليف ممثل من كل ديانة ليقوم بالاتصال بأتباع ديانته لجمع الآراء والتصورات المتعلقة بهذا الشأن خلال مدة لا تزيد عن ستة أشهر، يعمد بعدها الأمين العام للأمم المتحدة إلى دعوة اللجنة الموسعة لتدارس وجهات النظر الواردة من الجهات الدينية المشاركة في المؤتمر، بغية التوصل إلى رؤية موحدة حول صيغة تشكيل المجلس الاستشاري العالمي والمجالس الاستشارية الإقليمية، وكذلك حول معايير التمثيل في عضويتها، وآليات  وضوابط أدائها، وصلاحياتها وفاعلية توصياتها وقراراتها في إطار فاعلية قرارات الأمم المتحدة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك توجهاً ورغبة في الأمم المتحدة لإنشاء جمعية عمومية للمنظمات العالمية غير الحكومية في مقر الأمم المتحدة لتكون موازية للجمعية العمومية للدول، وذلك بقصد تطوير وتفعيل أداء الأمم المتحدة، وتدعيم مواقفها وقراراتها من خلال حشد الفعاليات الدينية والثقافية في العالم، لتكون جنباً إلى جنب مع الفعاليات والقيادات السياسية العالمية، ولا شك أن مثل هذا التوجه له إيجابياته وحسناته، كما ينبغي التنبه إلى مخاطره وسلبياته، يوم لا يبنى على أسس سليمة وجادة، ويوم لا يقوم على أساس من ميثاق عالمي راشد وعادل، ولأهمية وخطورة هذا الأمر فقد وجهت بصفتي رئيساً للمنتدى الإسلامي العالمي للحوار نداءً للهيئات والمنظمات الإسلامية في المجلس الاسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في القاهرة، والتي تزيد عن مائة منظمة وهيئة إسلامية بمناسبة انعقاد هيئة الرئاسة وانعقاد الدورة الثانية عشرة للهيئة التأسيسية للمجلس برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي  من 2 ـ 5  جمادى الآخرة 1421هـ الموافق من 4 ـ 7 سبتمبر 2000م أن يهيب بهم وبغيرهم من المنظمات الإسلامية في العالم، المبادرة إلى تسجيل منظماتهم في الأمم المتحدة لتتاح لهم من بعد فرصة التمثيل في فعاليات وأنشطة الأمم المتحدة، وكذلك فرصة التمثيل في الجمعية العمومية للمنظمات غير الرسمية المزمع تشكيلها في إطار الأمم المتحدة، وقد رحَّب فضيلة شيخ الأزهر بهذا النداء وأيَّده ووجَّه بتشكيل لجنة في إطار المجلس تضطلع بمهمة تسهيل إجراءات تسجيل المنظمات الإسلامية العالمية في الأمم المتحدة لما لهذا الأمر من أهمية وإيجابية.

وختاماً، فإن المتتبع لفعاليات القمَّة الألفية في نيويورك وما طرح فيها من آراء وتوجهات، ومن خلال التمعُّن فيما جاء من مفرداتٍ وحيثياتٍ ومواد في البيان الختامي وتوجهاته العامة، يمكنه القول بأن الأسرة البشرية اليوم بحكم فطرتها وحاجتها، وفي إطار موضوعية تعاملها مع الواقع الدولي المؤلم والمهدِّدُ للجميع، آخذة بالتوجه تلقائياً نحو القيم والمبادئ الإسلامية التي جاءت من وراء أربعة عشر قرناً ونيِّف ملبيةً لحاجات الإنسان وأمنه واستقراره عبر تغيرات الزمان والمكان، وهذا يضعنا نحن المسلمين أمام واجب عظيم وأمام تحدي كبير، يدعونا في سياق الواقع الدولي وتوجهاته الإيجابية في البحث عن الأفضل، إلى التعامل مع هذا الواقع  بجدية وموضوعية وبروح من المسؤولية تليق بخير أمة أخرجت للناس، وترتقي إلى مستوى التشريف الرباني لأمتنا إذ بوأها سبحانه مواقع الوسطية بين الأمم، وحمّلها أمانة الشهود القيمي والحضاري على الناس.

وفيما يلي نص كلمة الدكتور الرفاعي التي خاطب بها القمة الألفية في مقر الأمم المتحدة:

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وإمامنا ورسولنا الهادي الأمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه.. والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين.. أما بعد:

صاحب المعالي المستر كوفي أنان / الأمين العام للأمم المتحدة.
صاحب المعالي المستر باوى جين الأمين العام للقمة العالمية للسلام.
أصحاب المعالي القيادات الدينية والروحية في العالم.

أيها السادة والسيدات.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

   فإنني باسم مؤتمر العالم الاسلامي وباسم المنتدى الإسلامي العالمي للحوار، يسعدني أن أخاطبكم في هذا الملتقى التاريخي الكبير للقيادات الدينية والروحية في العالم.

وبداية أودُّ أن أُعبِّر عن خالص تقديري وتحياتي لمعالي المستر كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، على مبادرته الجريئة وغير المسبوقة بإعطاء القيادات الدينية والمنظمات الشعبية في العالم الفرصة، لتمارس واجبها في معالجة قضايا المجتمعات البشرية جنبا إلى جنب مع القيادات الدولية السياسية والثقافية، مما يعتبر تحولاً إيجابياً كبيراً في أداء الأمم المتحدة، في مواجهة تحدِّيات القرن الحادي والعشرين بجدِّيةٍ وموضوعيَّةٍ.

كما أودُّ أن أعبِّر عن بالغ تقديري للموقف المنصف والموضوعي لمعالي المستر كوفي أنان تجاه الحضارة الإسلامية والقيم الإسلامية، حيث أكد في أكثر من مناسبة بأن المبادئ الإسلامية جديرة بأن تساهم بفعالية وإيجابية في إثراء المسيرة الحضارية في العالم.

أيها القادة الزملاء:

إن هذا اللقاء الحاشد لأتباع القيم الربانية الخالدة في إطار الأمم المتحدة لهو تأكيد على:

ـ أن هناك عالما (واحداً) آخذاً بالتشكل، وأن الأمن والمصالح العليا البشرية أصبحت كلاً (واحدا) لا يتجزأ.

ـ وأن التنوع الثقافي والحضاري على أساس من القيم الربانية إثراءً لطموحات الأجيال البشرية في تحقيق حياة أفضل.

ـ وأن القيم الدينية الربانية ينبغي أن تكون المنطلق الأساس لضبط وتوجيه فعاليات المسيرة الحضارية، وحمايتها من الظلم وممارسة الفساد في الأرض.

أيها القادة الزملاء:

أحسب أننا اليوم أمام فرصة تاريخية عظيمة ينبغي علينا أن نتفهم أهميتها جيدا، وأن نغتنمها بجدية لنجعل هذا اليوم من أيام العزة  والخلود.. فالعزة لا تكون إلا مع كرامة الإنسان وارتقائه إلى مستوى مسؤولياته وفق إرادة ربه وخالقه.. والخلود كل الخلود يوم يحقق الإنسان رسالته في الحياة، ورسالتنا الخالدة  في الحياة.. أن نعبد الله تعالى وفق إرادته لا وفق أهوائنا.. وأن نعمل معاً وعلى أساسٍ من قيمه الدينية سبحانه من أجل:

1 ـ عمارة الأرض واستثمار مخزوناتها لخير الناس جميعا.

2 ـ إقامة العدل بين الناس ورفض المعايير المزدوجة بينهم.

3 ـ المحافظة على كرامة الإنسان واحترام قدسيتها.

4 ـ التأكيد على وحدة الأسرة البشرية واحترام مصالحها المشتركة.

5 ـ المحافظة على سلامة البيئة وعدم إفسادها.

6 ـ التأكيد على مبدأ الحوار بين الحضارات ورفض مقولة الصراع والتصادم بينها.

7 ـ التأكيد على مبدأ التعارف والتعايش الآمن بين المجتمعات واحترام خصوصياتها.

8 ـ التأكيد على احترام حق التملك وحق الانتفاع وفق معايير العدل الرباني.

9 ـ التأكيد على أهمية القيم الدينية والأخلاقية في ضبط حركة الإبداع العلمي والتكنولوجي بما يحافظ على كرامة الإنسان وسلامة البيئة والأمن البشري.

10 ـ أن نؤكد معا أن الأسرة المؤسَّسة على الزواج الشرعي بين الرجل والمرأة يجب أن تكون الوحدة الأساس في بناء المجتمعات، ورفض كل أشكال العلاقة الجنسية الشاذة بين الأجيال.

11 ـ التأكيد على أن العلاقة بين الرجل والمرأة في مسؤوليات الحياة يجب أن تؤسس على أساس التكامل المنصف بينهما.

12 ـ التأكيد  على أن خلل التوازن بين حقوق الإنسان وواجباته هو مصدر اضطراب مسيرة الحضارة البشرية، وأن التركيز في النظم الدولية على حقوق الإنسان دون واجباته، هو سبب تنامي نزعة الاستهلاك لدى الأجيال البشرية على حساب تنمية مسؤولياتهم في الإنتاج.

13 ـ التأكيد على أن العالمية والعولمة من أهداف القيم والمبادئ الربانية، مع التنبيه إلى أن الخلل المرعب في ممارسات العالمية والعولمة الجارية، والتي باتت تهدِّدُ الأمن البشري إِنَّما سببها تجاهل القيم الدينية والأخلاقية، وتجاهل قيم العدل الرباني.

14 ـ التأكيد على أن تجاهل اتساع ظاهرة الفقر والمجاعات في العالم يتناقض كلَّ التناقض مع كثرة الحديث عن كرامة الإنسان وحقوقه.

15 ـ التأكيد على أن ظاهرة العنف والإرهاب في العالم، إنما جاءت نتيجةً منطقيةً للبعد عن القيم الربانية، ولتنامي ممارسات الظلم والقهر على المستوى الإقليمي والدولي في غالب المجتمعات.

وبين يدي تحقيق واجباتنا الجسام على أساس من القيم والمنطلقات السالفة الذكر، فإنني أقترح على مؤتمرنا الموقر تشكيل لجنة عالمية من القيادات المشاركة في هذا المؤتمر لتقوم بما يلي:

ـ تحديد أهداف المجلس الاستشاري العالمي المقترح.
ـ وضع مسودَّةُ ميثاقٍ عالمي على أساسٍ من المبادئ والقيم الربانية الخالدة التي تحقق أهداف المجلس الاستشاري العالمي.
ـ تحديد آليات ووسائل تنفيذ مهمة المجلس وأهدافه.
ـ تحديد معايير وضوابط أداء المجلس لمهامه.
ـ تحديد فعالية توصيات وقرارات المجلس في إطار فعالية توصيات وقرارات مؤسسات الأمم المتحدة.
ـ تحديد نسبة التمثيل العالمي لأتباع الأديان في الهيكل  التنظيمي للمجلس الاستشاري ولجانه.
ـ تحديد الهيكل التنظيمي للمجلس.
ـ التحديد بوضوح للحالات والمبررات الموجبة لتكوين المجالس الاستشارية الإقليمية أو عدم تكوينها.
ـ تحديد مهمة المجالس الاستشارية الإقليمية بدقة في حالة توفر أسباب تكوينها، بما لا يتعارض مع سيادة المجتمعات وقيمها وتقاليدها.

وختاما.. فإننا في مؤتمر العالم الإسلامي واللجنة الإسلامية العالمية للحوار لعلى ثقة تامة:

ـ بأن قيم الإسلام ومبادئه قادرة على المساهمة بفعالية في معالجة التحديات التي تواجه العالم اليوم، مثلما هي قادرة على المساهمة في تحقيق تعايش آمن بين المجتمعات البشرية.

ـ كما أننا نعتقد بأن علينا جميعاً أن ندرك أهمية العمل والسير معا بسلام ووئام على أساسٍ من إرادة الله وطاعته ووفق تعاليمه الربانية الخالدة، وإلا سنكون عرضة للتمزق والهلاك، ومن ثَمَّ سبباً لتحطيم وهلاك الآخرين معنا. 

 

وفيما يلي نص البيان الصادر عن القمَّة الألفيَّةِ للقيادات الدينية والروحية، التي عقدت في الأمم المتحدة ـ  نيويورك للفترة من 28 ـ 31 أغسطس 2000م:

الالتزام بالسلام العالمي

إن البشرية اليوم تقف على مفترق طرقٍ حرجة من تاريخها، مما يتطلب قيادة دينية وروحية قوية من أجل رسم اتجاه جديد للمجتمع الإنساني، ونحن بصفتنا قيادات دينية وروحية ندرك خاصة مسؤوليتنا من أجل حياة أفضل للأسرة البشرية ومن أجل السلام في الأرض.

1 ـ وحيث إن للأمم المتحدة والأديان مهمة مشتركة من أجل الإنسان والعدل والسلام في العالم.

2 ـ وحيث إننا متفقون على أن الرجل والمرأة شريكان متساويان في جميع مجالات الحياة، وأن الأطفال هم أمل المستقبل.

3 ـ وحيث إن الأديان ساهمت في السلام العالمي، إلا أنها استخدمت أيضاً في توليد الانقسامات وتأجيج الصراع.

4 ـ وحيث إن عالمنا مبتلى بالعنف والحروب والدمار التي تمارس أحياناً باسم الدين.

5 ـ وحيث إن الصراع المسلح مأساة أليمة لحياة البشر، وسبب لدمار وضياع الوجود العالمي الأكبر ولضياع مستقبل قيمنا الدينية والروحية.

6 ـ وحيث إنه لا يمكننا أفراداً وجماعات وأقواماً أن نعيش أطول في عوالم منعزلة في ســـــــــــياق عالمنا القائم على الاعــــــــــتماد المتبادل بل على الأصح يجب علينا جميعاً أن ندرك بأن أعمالنا ذات أثر على الآخرين، وعلى النهوض بالمجتمع الدولي.

7 ـ وحيث إن السلام في عالم متكافل يتطلب اتفاقاً على القيم الأخلاقية الأصيلة.

8 ـ وحيث لا يمكن وجود سلام حقيقي حتى تعترف كل المجموعات والمجتمعات وبروح من التفاهم والاحترام المتبادل بالتنوع الثقافي والديني للأسرة البشرية.

9 ـ وحيــث إن بناء الســلام يتطلب سلوكاً مبجلاً للحياة والحرية والعدل، ويتطلب استئصالاً للفقر، وحمايــة البيئة لحاضرنا ومستقبل أجيالنا.

10 ـ وحيث إن الثقافة الحقيقة للسلام يجب أن تؤسس على العناية بالبعد الوجداني للسلام الذي هو ثمرة القيم الدينية والروحية.

11 ـ وحيث إن القيم الدينية والروحية هي المصدر الأساس لتحقيق الأفضل لحياة الأسرة البشرية ولكل حياة في الأرض.

في ضوء ما تقدم ولكي نؤدي واجبنا نحو الأسرة البشرية فإننا نعلن التزامنا وعزمنا على ما يلي:

1 ـ أن نكون متعاونين مع الأمم المتحدة وجميع الرجال والنساء من ذوي الإرادة الحسنة على المستوى الإقليمي والدولي لتحقيق السلام بكل أبعاده.

2 ـ أن نوجه البشرية بالكلمة والحكمة للتعهد بتجديد القيم الدينية والأخلاقية التي تتضمن الإحساس العميق باحترام كل أنواع الحياة والكرامة المتأصلة للإنسان وحريته ليعيش في عالم خالٍ من العنف.

3 ـ أن نعالج ونحل ـ بدون عنف ـ النزاعات والصراعات الناجمة عن الخلافات الدينية والعرقية، وأن نندد بالعنف المرتكب باسم الدين، والعمل على إزالة جذور العنف.

4 ـ أن نناشد الجماعات الدينية والمجموعات القومية والعرقية ليحترموا حق حرية الدين، وليسعوا من أجل التصالح، وينشغلوا بالعلاج والتسامح المتبادل.

5 ـ أن نوقظ في جميع الأفراد والمجتمعات الإحساس بالمسؤولية المشتركة من أجل وجود أفضل للأسرة البشرية ككل، والاعتراف بأن جميع البشر على اختلاف أديانهم وأقوامهم وأجناسهم وأعراقهم لهم حق التعليم، والرعاية الصحية، والفرصة ليحققوا ويضمنوا أسباب الرزق المعزز.

6 ـ أن نشجع التوزيع العادل للثروة في داخل الأوطان وبين الأمم واستئصال الفقر، وإلغاء التوجه الجاري لتعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

7 ـ أن نعمل على تثقيف مجتمعاتنا حول الحاجة الماسَّة للاعتناء بنظم سلامة البيئة وكل أشكال الحياة، ولبذل الجهود لتحقيق الحماية البيئية والترميم الكامل لكل مخططات التنمية وأنشطتها.

8 ـ أن نطور ونشجع حملة الإنماء العالمي كوسيلة عملية وملموسة من أجل استعادة السلامة البيئية، ودعوة الآخرين لينضموا إلينا في البرامج الإقليمية للتشجير.

9 ـ  أن نشارك الأمم المتحدة في دعوة المجتمعات الدولية للعمل من أجل الإلغاء الشامل للأسلحة النووية ولكل أسلحة الدمار الشامل من أجل السلامة والأمن للحياة في هذا الكوكب.

10 ـ أن نقاوم تلك الممارسات والتطبيقات التجارية للتكنولوجيا، التي تحط من قدر البيئة والحياة البشرية.

11 ـ أن نمارس ونشجع في مجتمعاتنا قيم البعد الوجداني للسلام، وعلى الأخص من خلال التعليم والصلاة والتدبر ومشاعر التقديس والتواضع والحب والشفقة والتسامح وبروح المساعدة، التي هي الأساس لبعث مجتمع آمن.

ونحن كقيادات دينية وروحية، نلتزم تعهدنا بالعمل معاً لتشجيع الظروف الداخلية والخارجية التي تعزز السلام والحلول والمعالجات الَّلاعنفيَّةَ للصراع، ونناشد كلَّ أتباع القيم الدينية والمجتمع البشري ككل للتعاون في بناء مجتمعات آمنة، وللسعي للتفاهم المشترك عبر الحوار حيثما توجد الخلافات، ولتتوقف عن العنف ولتمارس التراحم والحفاظ على كرامة كل أنواع الحياة.

            جدة في   14  جمادى الآخرة  1421 هـ
                                        الموافق                               
12     سبتمبر  2000 م
        إعداد أمانة المنتدى الإسلامي العالمي للحوار