
الحمد
لله رب العالمين .. الذي كرمنا فبوأنا مواقع
الوسطية بين الأمم .. وشرفنا بمسؤولية الشهود
الحضاري على الناس .. والصلاة والسلام على
المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وإمامنا
ورسولنا الهادي البشير محمد بن عبد الله ..
رافع لواء العالمية العادلة والعولمة
الراشدة في الأرض ..
وعلى آل بيته الأطهار .. وجميع صحبه
الأخيار الأبرار .
مقدمة
:
منذ
أمد ليس بالقليل وأنا دائم التأمل في البحث
والتقصي , عن أسباب تخلف الأمة الإسلامية
وهوانها على الناس , رغم كمها البشري الهائل,
وغزارة مواردها , وسمو رسالتها , ورقي قيمها
ومبادئها , ووسطية نهجها , وخيريتها بين الأمم
, ومع كثرة ما طرح بهذا الشأن من آراء وتصورات ,
وعلى الرغم من زخم البحوث والدراسات التي
أنجزت بهذا الصدد , تحرياً وتحريراً لمناط
العلة في ضعف الأمة , وتدهور أوضاعها على كافة
المستويات , لا يجد المرء أن سبباً ما قد تبلور
, مما يمكن اعتباره مدخلاً عملياً للتعامل مع
الحالة المؤلمة لأوضاع الأمة , وفي خضم التأمل
والمفاعلة مع تداعيات هذا الهم الكبير , وجدت
نفسي أقترب شيئاً فشيئاً من الاقتناع بأن سبب
ومبعث غثائية الأمة , ومصدر الاستـــعصاء في
انبعاث خيريتها , واستـئـــناف مسـيرتها
الحضارية , إنما هو ارتهان إرادتها.. طبعاً هذا
الارتهان ليس على الإطــلاق , فهـو نسبي يختلف
من بـلد إلى آخر , كما أنه ليس ارتهاناً
شـــمولياً , فهــو نـــوعي يختلف من حـالة
إلى أخــرى , فهناك ارتهان ثقافي .. وآخر
اجتماعي , أو سياسي , أو اقتصادي أو علمي , أو
إبداعي حضاري إلخ , ولكن مما هو مؤسف , لا أحسب
أن هناك بلـداً عــربياً أو مســلماً , لا
يعاني من درجة ما من حالة ما من حالات
الارتهان في إرادته إلا من رحم ربي , ولكن
المؤكد أن الأمة بجملتها اليوم مرتهنة في
إرادتها .
ولكن
ما الذي يرتهن إرادة الأمة .. ويحتبس عزيمتها ..
ويعطل قيمها ومبادئها .. ويكبل طاقاتها
وقدراتها .. ويغيب وسطيتها .. ويعيق انبعاث
رسالتها .. ويحرمها من شرف النهوض بمهمة
الشهود الحضاري على الناس ..؟
إنه
بتقديري : افتراق كلمتها .. وشتات أمرها.
ولربما
سائل يسأل : وما هي علة تفرق كلمتها .. وما هو
مصدر شتات أمرها ؟
لا
أتردد بعد سياحتي مع التأمل والتمحيص في
استكشاف هذه العلة أن أقول : بأن هذه العلة
تكمن في اضطراب مفاهيم نخب الأمة من العلماء
والمفكرين , حول حقيقة مفاهيم شريعة دينهم ..
وحول مرتكزات مقاصد رسالته العالمية .
وطبعاً
ومن حق السائل أن يتابع تساؤلاته ليقول :
ولكن
ما هي أسباب اضطراب مفاهيم نخب الأمة تجاه
حقيقة دينها .. وتجاه مرتكزات رسالته .. ؟
ومرة
ثانية أقول : لا أجد نفسي متردداً في القول :
بأن الأسباب التي تدخل بشكل أساس ورئيس في
مقومات علة اضطراب مفاهيم نخب الأمة , إنما
تعود إلى غياب أو ضعف انتظام مفاهيمهم حول :
1.
العــلاقة بين العقيدة , والشريعة , والرسالة .
2.
بلورة فقه مشترك يشأن كليات مقاصد رسالة
الإسلام .
3.
العــلاقة بين فقه تدين الأفراد وفقه تدين
الدولة , أو إن شئت فقل : بين فقه السياسات
والمصالح , وفقه العقائد والعبادات والتداخل
المخل بينهما .
4.
رؤية مشتركة بشأن فقه العلاقات الدولية .
5.
بين التمايز العقدي والمشترك العمراني مع
الآخر .
وهذا
ما ستتناول هذه الكلمة عرض بعض الأمثلة
العملية من تاريخ المسلمين , الموضحة لما أقصد
من ذكر هذه الأسباب لاضطراب مفاهيم الأمة ,
بشأن هذه المسألة الأساس في حياة أمتنا ,
وأثرها الكبير في انتكاسة مسيرتها الحضارية ,
وذلك بعد الإشارة إلى الأسباب التي أثارت بي
حوافز الاهتمام بهذه المسألة الملحة ونحن
نعاني من آثارها, والذي أوجزها في أمرين اثنين
هما:
1.
كثرة التحدث عن المؤامرة وتحميلها المسؤولية
الأولى عن تخلف الأمة وهوانها على الناس .
2.
اتهام الأمة بالبعد عن الله تعالى , وضعف
الوازع الإيماني لدى أجيالها .
وبداية
أقول :
·
لا أحسب أن عاقلاً في هذه الدنيا ينكر فعل
المؤامرة والتآمر في حركة تدافع الثقافات
وتصادم المصالح عبر التاريخ البشري المديد ,
إلا أن الشيء غير المقبول والمرفوض لدى
العقلاء , هي ظاهرة التفسير التآمري المطلق
للأحداث في حياة الناس والمجتمعات , مع بروز
ظاهرة تبرئة الذات على الإطلاق من تصرفات قد
تسهل مهمة المؤامرة , أو تصنع بعض عواملها إن
لم يكن جلّها( قل بل هو من عند أنفسكم )
والمرفوض وغير الموضوعي كذلك ظاهرة تحميل
المؤامرة جميع أسباب تخلف الأمة وانتكاس
مسيرته الحضارية.
· أما مقولة البعد عن الله تعالى , وضعف الوازع الإيماني عند أبنائها , واتهام الأمة تهمة جماعية بحقيقة إيمانها ومصداقية إسلامها, وجعل ذلك سبباً مطلقاً لافتراق كلمة الأمة وضعفها وارتهان إرادتها.. أحسب أن اللجوء إلى مثل هذه التهمة الخطيرة والمدمرة بحق الأمة المؤمنة المسلمة , بحد ذاته يشكل علة جوهرية قي افتراق كلمة الأمة وهدم حصونها من الداخل , بل هي من أفتك أسلحة تقويض بنيان الأمة ومسخ هويتها.. نعم الإيمان يزيد وينقص . والنفوس ينتابها الضعف وتبتلى بالغفلة , إلا أن الأمر المرفوض والمبالغ فيه هو تعميم هذه الحالة على الأمة بجملتها , لاختصار تفسير علة تخلف الأمة وانتكاسة مكانتها بين الأمم .. وطبعاً من يقول بتهمة ابتعاد الأمة عن ربها وضعف إيمانها لتفسير ضعفها وغثائية حالها وهوانها على الناس , فهو في الغالب يقصد غيره باعتباره بريء من هذه التهمة ويرفضها بحق نفسه , بل إنه على استعداد أن يخاصم وربما يلجأ إلى اكثر من ذلك , تجاه من يتهمه بمثل هذه التهمة , التي يلقيها هكذا ببساطة تجاه غيره من المسلمين .. وعلى أساس من هذه الظاهرة النكدة من تبرئة الذات واتهام الآخر , تنشأ حالة خطرة بين صفوف الأمة , تتحول معها الأمة إلى حالة محيرة ومضحكة , فكلها متهم بلسان حالها , وكلها بريء بتزكية ذواتها! إذاً من المتهم يا ترى ..؟ ومن المسؤول عن افتراق كلمة الأمة وشتات أمرها وتخلفها ..؟ ومن جهة أخرى فإن مثل هذا الاتهام سيتسع لينال من إيمان أهل قرون الخيرية الذين وصفهم الصادق المصدوق الهادي البشير سيدنا ورسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أو كما قال عليه الصلاة والسلام ) وهذا ما وقع به البعض وهو يعلل ما وقع بينهم من خلاف وما حدث من فتن , فيقول : إنما كان ذلك بسبب من خلل أصاب إيمان البعض من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم وأرضاهم جميعاً , بل ويتجرأ البعض الآخر ليقول : بحقهم من الألفاظ والأوصاف مما لا يتجرأ المؤمن التقي قوله بحق غير المســلمين , التزاماً بقول الله تعالى : ( ولا تسبوا الـــذين يدعـــون من غــير الله فيســبوا الله عــدواً بغيــر علم ) , فكيف يصح مثل هذا الاتهام بحق صفوة خلق الله تعالى , الذين تربوا في كنف النبوة الطاهرة , وتلقوا من معينها الصافي , وترعرعوا في أحضان رحمتها , واستوت أعوادهم في ظلال رياضها الإيمانية الربانية , فصدقوا الله ورسولهم فصدقهم الله , فبشرهم على لسان رسوله صلوات الله عليه بالجنة والرضوان , وقلدهم وسام خير القرون .. فمن أقرب منـهم إلى الله تباركت أسماؤه وقد زكاهم فبشرهم بالجنة , ومن يدانيهم مرتبة وقد قيل فيهم من التزكية مما لا يتسع المقام للإبحار في تفصيلاتها , وحسبهم قول الصادق المصــدوق المعصوم رســـول الله صـــلى الله عليـــه وســـلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) , نعم هم بشر يخطئون ويصيبون , ولا عصمة لأحد من البشر في أمتنا إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم , ولذلك أفضل البحث عن أسباب أي خلل في مسيرة الأمة , في ماضيها وحاضرها في جوانب الأداء البشـــري لأبناء الأمــة مــن ولاة الأمر والرعية , بعيداً عن متاهات الاتهام في الجوانب الاعتقادية والإيمانية ,أجل المؤامرة موجودة وستبقى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) , ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) , وكذلك الضعف البشري حالة لا يبرأ منها أحد من البشر إلا الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين , ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) فقال أحد الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم : والله ! ما كنت أحسب أن أحداًً بيننا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية , وقصة حاطب بن أبي بلتعه رضــي الله عنـــه يــوم ـفتح مكة المكرمة معروفة لدى الجميع , ومعلوم لأهل العلم الكيفية التي تعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ذلك الموقف , رغم أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأرضاهم قد حكما على حاطب بالخيانة العظمى , وقال عمر يومئذ : دعني يا رسول الله أن أخلع عنقه لقد خان الله ورسوله , فقال رسول الله صلى عليه وسلم – بعد أن سمع حجة حاطب – : دعه يا عمر لعل الله نظر في أهل بدر فقال : افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم , أو كما قال عليه الصلاة والسلام , مما يؤكد أن المسألة تتعلق بالفهم والاجتهاد لا بأصل المعتقد وسلامة الإيمان , وهذا ما يجعلني أفرق بين التعامل مع الجانب الاعتقادي والإيماني للفرد المسلم , وبين التعامل مع جوانب السلوك والفهم والأداء , المتعلقة بتعامله مع مسائل الحياة وشؤونها , فأرى أنه من التأله على الله , أن ينصب أحد نفسه حكماً على إيمان واعتقاد غيره من المسلمين , في خلاف ما يظهره ويمارسه من سمات الإيمان , فإن وقع مثل هذا فهو – والعياذ بالله - من الشرك بعلم الغيب ( وهل شققت على قلبه..؟ ) , وفي الحديث الجامع المانع المتواتر المجمع على صحته ودلالته ( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى .. الحديث ) , ومن هنا ينبغي أن نحسن الظن بالمسلمين ونثق بما يعلنونه من إيمان وممارسات إيمانية , ونكل سرائرهم إلى الله جلّ شأنه , ولنا في ذلك أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد قبل علانية المنافقين وهو يعلمهم يقيناً أنهم منافقون , وأوكل سرائرهم إلى الله من أجل غاية واحدة , عبر عنها سيد الخلق وإمام العالمين بقوله : ( حتى لا يقال : أن محمداً يقتل أصحابه ! ) , دعونا أن نتأمل معاً هذا القول السني الرفيع الشأن , وهذا الموقف الجليل بل هذا التشريع العظيم , في فقه الدولة في الحرص على وحدة المجتمع ووحدة الموقف , باعتبارهما من أساسيات مقاصد الشريعة ورسالة الإسلام العظيم , ( حتى لا يقال ..) إنها إشارة واضحة الدلالة على الاهتمام بالجانب الإعلامي في فقه الدولة في الإسلام , والعمل على سد الثغرات وقطع الطريق على الآخر , من استغلال أي فرصة للنيل من وحدة الصف ووحدة الكلمة ( يقتل أصحابه ..! ) , وهل المنافقون المعرفون في نفاقهم , والمعرفــون تحــديداً وبأسمــائهم هـــم من الصحابة يا ترى ..؟ لا أحسب أحداً ينكر إذا قلت : أن الإبحار في تفصــــيل دلالات هــــذا القـــول يحتاج إلــــى ندوات وتأملات , وحسبي في هذا المقام ومع الزمن القليل المحدد لي أن أقول : أن الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم – بحسب ما يوحي به إلي هذا القول – صحبتان .. صحبة إيمان واتباع وولاء ومعايشة , وصحبة معايشة وولاء مع مخالفة في الاعتقاد , وهذا يشجعني إن صح فهمي إلى القول : بأن القاسم المشترك بين الصحبتين هو الولاء , وهذا يعني أن الولاء لسلطان الدولة المسلمة , معيار أساس في تحديد العلاقة بين ولي الأمر والرعية , وهذا بالطبع ينقلنا إلى مسألة فقه حالة وموقع المواطن غيـــر المسلم في الدولة المسلمة من جهة , وإلى فقه التنوع الاجتهادي والتنوع في الرأي السياسي في إطار مسألة الولاء العام للنظام وولي الأمر , وهذا مما أحسب أن الأمــة لا تزال تعاني من اضطراب في الفهم بشأنها, وهذا بحسب فهمي , مما يشكل مصدراً أساساً لافتراق كلمة الأمة وشتات أمرها .
وبعد
وكما قلت في مطلع هذه الكلمة , فإن مع مثل هذا
الملتقى الرفيع المستوى من علماء الأمة
ومفكريها , لا حاجة للدخول في التفاصيل
والأدلة والحيثيات , وتكفى الإشــــارات ,
لتكـــون موضع تأمل وتمحيص ومراجعة , لذا
سأكتفي بالتذكير ببعض المواقف من الســـيرة
النبوية العطرة , التي تؤيد ما ذهبت إليه من
فهم لأزمة الأمة , وتشخيص لتحدياتها المعاصرة
, ومعوقات استئناف مسيرتها الحضارية الربانية
الخيرة .
أولاً
- ما يخص ارتهان إرادة الأمة:
جاء
في السيرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وأرضاه كان يتناوب مع جار له من الصحابة على
حضور مجلس رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ,
وذات مرة عاد ذاك الصحابي جار عمر رضي الله
عنهما مغضباًً مهموماً , فقال له عمر : ما
وراءك يا أخي ؟ فقال الصحابي : إن الأمر جلل يا
أبا حفص ! قال
عمر : وهل
جاءت غسان ؟ (
كان المسلمون قد تلقوا من قبل أخباراً تفيد
بأن دولة الغساسنة في الشمال يستعدون لغزوة
دولة الإسلام في المدينة المنورة ) فقال
الصحابي : لا
, بل
الأمر أعظم وأجل يا أبا حفص ! قال عمر وما ذاك ؟
فقال الصحابي : لقد طلق رسو الله أزواجه !
أجل
إن اهتزاز بيت القيادة , واضطراب استقرارها ,
كان بفهم ذاك الصحابي رضي الله عنه أعظم وأجل
وأخطر على أمن المسلمين واستقرارهم ,
من أن تهاجم دولة معادية باغية دولة
الإسلام , لما يعلمون ويوقنون من أهمية لوحدة
الموقف وتماسك الصف , اللذين ربما يتأثرا
بحالة اهتزاز استقرار بيت القيادة , وأستحضر
هنا قولة يزدجر القائد الفارسي المعروف (
شاغلو عمر في عقر داره ) رداً على انتصارات
المسلمين في ميادين الفتح الإسلامي في بلاده ,
وهذا ما يجعلني على اقتناع بأن ارتهان إرادة
الأمة بدأ تاريخياً , مع اغتيال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه وأرضاه , وما تبع ذلك من سلسلة
فتن حمقاء تجرأ مجرموها والمحرضون لها , على
سفك دماء أطهر وأحب عباد الله إلى الله ورسوله
والمؤمنين .
ثانياًًً
– ما يخص اضطراب الفهم بين فقه تدين الأفراد
وفقه تدين الدولة :
الكل
يعلم موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ,
مما جاء من بنود في اتفاقية ذلك الصلح , وحالة
الرفض التي تزعمها وأيدها جميع الصحابة رضوان
الله عليهم , ما عدى الصديق أبو بكر رضي الله
عنه وأرضاه , وكادت أن تكون فتنة لولا فضل الله
تعالى ورحمته .. وفي طريق العودة نزلت سورة
الفتح فقال عمر رضي الله عنه : أفتح هذا ؟
فيقول الهادي البشير صلوات الله عليه وسلامه
مداعباً عمر :
فتح ورغم أنف عمر .
ثالثاً
– ما يخص فقه الموازنات والمصالح :
تذكرون
جميعاً حفظكم الله تعالى الحالة الصعبة , التي
واجهها الصف المسلم يوم غزوة الخندق , ولا
أحسب تعبيراً يستطيع وصف الحالة بأبلغ مما
وصف به الله جلّ شأنه حال المسلمين يومئذ : ( إذ
بلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون ) ,
في مواجهة هذه الحالة ومع هذا الضنك الشديد ,
جاء فقه مسؤوليات الدولة ليطرح رؤيته لفك
الحصار والتخفيف
عن المسلمين , فدعا رسوا الله صلوات الله
وسلامه عليه بعض قادة التحالف في معسكر قريش ,
وساومهم اقتصادياً لينفضوا عن ذاك التحالف
الظالم , وخضع القوم للإغراء الاقتصادي , وهمّ
الرسول بتوقيع اتفاق معهم , إلا أن اعتراض
السعدين رضي الله عنهما سعد بن عبادة وسعد بن
معاذ , سيدا الأنصار يوم ذاك
حال دون ذلك , بعد أن تحاورا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم حيث قالا له : يا رسول الله
أمراً تحبه فنصنعه ..؟ أم شيئاً أمرك الله به
لا بد من العمل به ..؟ أم شيئاً تصنعه لنا ..؟
فقال صلى الله عليه وسلم : بل شئ أصنعه لكم ,
والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد
رمتكم عن قوس واحدة , وكالبوكم من كل جانب ,
فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما .
فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله
لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله
وعبادة الأوثان , لا نعبد الله ولا نعرفه , وهم
لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو
بيعاً , أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له
, وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ! والله ما لنا
بهذا من حاجة , والله لا نعطيهم إلا السيف حتى
يحكم الله بيننا وبينهم . قال رسول الله صلوات
الله وسلامه عليه : فأنت وذاك , فتناول سعد بن
معاذ الصحيفة فمحا ما فيها , فعلم الله ما في
قلوبهم فأثابهم بنصره وكفاهم شر القتال ..
والسؤال هل هذا يعني أن فقه سياسة الأمام هذه
المرة كانت خاطئة – حاشاه وهو المعصوم صلوات
الله عليه - فتراجع
لصالح فقه سياسة الأفراد أم ماذا ؟
لا هذا ولا ذاك .. بل هما تشريعان الأول
منهما جاء ليخفف من شـــدة الضـــنك , الذي
لحــق بالمسلمين حتى لا يفتنــوا في دينهم ,
وكان أهل المدينة حديثي عهد بالإسلام .. أما
وقد عرف منهم العزيمة والثبات .. فزالت
مبررات التشريع الأول لدى المشــرع عليه
الصلاة والسلام فأوقفه , وأقول أوقفه ولم يلغه
لأنه لا يزال معتمداً لدى فقهاء الأمة في فقه
النوازل .
رابعاً
– ما يخص فقه العلاقة مع الآخر :
1.
الآخر المواطن :
وقد
وضّحت حالته صحيفة المدينة المـنــورة , أو
كما أميل إلى تسميتها ( ميثاق المواطنة أو
الميثاق الاجتماعي الوطني) , وأبرز ما جاء
فيها :
·
المسلمون من قريش و يثرب ومن تبعهم وجاهد معهم
, إنهم أمة واحدة من دون الناس .
·
وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين , لليهود
دينهم وللمسلمين
دينهم مواليهم وأنفسهم , إلا من ظلم وأثم
فإنه لا يٍٍُِوتِغُ ( لا يهلك ) إلا نفسه وأهل
بيته , وأعطت الوثيقة مثل ذلك لباقي بطون
اليهود.
·
وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم .
·
وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .
·
وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
·
وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا
محاربين .
·
وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة .
·
وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم .
·
وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها .
·
وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث , أو
اشتجار يخاف فساده , فإن مرّده إلى الله عز وجل
, وإلى محمد رسول الله , وإن الله على أتقى ما
في هذه الصحيفة وأبره .
2.
الآخر الوافد والآخر الدولي : وقد وضّحت
حالتهما :
أولاً
- خطبة الوداع , أو كما يحلو لي تسميتها (
الميثاق العالمي , أو العقد الاجتماعي الدولي
) وأبرز ما جاء فيه :
·
يا أيها الناس إن ربكم واحد . . ( تأكيداً على
وحدة مصدرية الإيمان )
·
وإن أباكم واحد . ( تأكيداً على
وحدة الأسرة البشرية )
·
وإن دماءكم عليكم حرام . ( تأكيداً على حصانة
الأمن الاجتماعي )
·
وأن الله قــد
قضــى :
أنه لا ربـا . (
تأكـــــيداً علـــــى حصـــــانة الأمن
الاقتصادي )
·
وأن عدة الشهور اثنا عشر شهراً . ( تأكيداً على
أهمية البعد الزمني في تنظيم مسيرة حياة
الناس ).
·
فرض وتسمية أربعة أشهر حرم - ومنها أربعة
حرم - (
تأكــــيداً
علــى ثقــافة السلم بين الناس , وتأكيد
على سلامة البيئة وتنميتها ).
·
فإن لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقاً . (
تأكيداً على تنظيم الحقوق والواجبات بين
المرأة والرجل والتكامل المنصف بينهما ) .
·
واستوصوا بالنساء خيراً . ( تعظيماً لشأن
المرأة في حياة المجتمع ) .
·
إن الله قد حرم الظلم على نفسه , وجعله بينكم
محرماً , فلا تظلمن أنفسكم . ( تأكـــــــيداً
على العـــدل باعتبــــاره مصدر الأمــن
والســـلم بين الناس).
ثانياً
– المبادئ العامة التي أصلها الإسلام
للتعامل مع الآخر :
ثالثاً
– اختص الله تعالى الأمة الإسلامية وشرفها
بثلاث خصال رئيسة :
1.
الخيــرية .
2.
الوسـطية بين مناهـج الأمــــم .
3.
الشهود الحضاري على الناس .
أجل
إن اضطراب المفاهيم حول القيم والمبادئ
السالفة الذكر , هو بتقديري سبب افتراق كلمة
الأمة حول سبل تفعيلها وتطبقها , ومن ثم يأتي
شتات أمرها , وتمزق صفها , وارتهان إرادتها ,
وضعفها وهوانها نتيجة طبيعية لذلك .
وبعد
إن كان الأمر كذلك , فما هو السبيل لانتظام
مفاهيم الأمة , واتساق رؤاها , بما يساعد على
اجتماع كلمتها , وتكامل مواقفها , من أجل فك
ارتهان إرادتها , وبعث أسباب استئناف مسيرتها
الربانية المباركة ..؟
بداية
لابد من الاعتراف والتأكيد على أن بلورة
مقومات سبيل العلاج والانعتاق مما نعانيه ,
أعظم وأجل من أن ينجز بتصورات شخص ما بمفرده ,
أو بجهود ثلة
من الأشخاص بمعزل عن باقي علماء ومفكري
وحكماء الأمة , ولكن حسبنا أن نبدأ بالمتاح
سائلين الله تعالى السداد والرشاد .. وأن يمنّ
علينا بالإخلاص والتجرد .. وله الأمر جل شأنه
من قبل ومن بعد .. وعليه التوكل وهو المستعان
سبحانه .
ورؤيتي
ومقترحي المتواضع , بين يدي الجهد الجماعي
المؤمل لبلورة مقومات سبل علاج تحديات الأمة ,
أعرضه لهذا الملتقى الكريم على النحو التالي :
أولاً
– ما هي أسباب اضطراب مفاهيم الأمة ..؟
2.
التحلل .
3.
التداخل المخل ما بين :
ثانياً
- منطلقات العلاج .
1.
العمل على بلورة المتفق عليه من أمور الدين
واعتماده .
2.
وضع منهجية لمتابعة الحوار بشأن المختلف حوله
.
3.
رفض واستنكار ظاهرة التكفير للمسلمين مع ثبوت
النطق بكلمة الشهادة : لا إله إلا الله محمد
رسول الله .
4.
الاعتراف بشرعية تنوع شعوب الأمة الإسلامية ,
وتنوع ثقافاتها ,واستقلالية مصالحها ,
واحترام أمنها , في إطار التأكيد على ثوابت
وأصول الثقافة الإسلامية الجامعة , والتأكيد
على وجوب تكامل ثقافة الأمة الإسلامية ,
وسيادتها , ومصالحه , وأمنها , وفق صيغة
تضامنية يتفق عليها .
5.
الاعتراف بشرعية التنوع الثقافي العالمي ,
واحترام سيادة الشعوب ومصـــالحها وأمنــها ,
والتأكيــــد على أهمية المصالح المشتركة
بين الأمم , والعمل المشترك على تفعيل أمانة
الاستخلاف , من أجل عمارة الأرض وإقامة العدل .
ثالثاً
– الخطوات العملية :
1.
توسيع وتطوير أداء الهيئات الدينية والفكرية
الشعبية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي ,
لتنتظم فعاليات الأمــة الحكومية والشعبية
في تيار واحد .. باتجاه تحقيق مصالحها وصون
أمنها المشترك .
2.
تشــكيل لجنة حكــومية وشعـــبية في إطار
منظـمة المؤتمر الإسلامي من أجل :
·
بلورة منطلقات وكليات وآليات مشروع مصالحة
عامة بين فعاليات الأمة , على كافة المستويات
الحكومية والشعبية .
·
وضع ميثاق
تضامن إسلامي .
·
وضع صيغ
وآليات لتحقيق التضامن الإسلامي .
·
وضع ميثاق
للتعايش البشري .
·
وضع صيغ
وآليات لتحقيق التعايش البشري .
3.
تحديد جدول عملي وبرنامج زمني لأداء مهمة
اللجنة .
4.
تقدم اللجنة نتائج عملها للجنة تنسيق العمل
الإسلامي المشترك , لمناقشته واعتماده , ليرفع
إلى مؤتمر القمة الإسلامي , عبر القنوات ووفق
الإجراءات المتبعة , حسب نظام منظمة المؤتمر
الإسلامي .
هذا
ومن الجدير بالذكر , بأنه سبق وتقدمت باسم
المنتدى الإسلامي العالمي للحوار , ومؤتمر
العالم الإسلامي , والمجلس الإسلامي العالمي
للدعوة والإغاثة , مقترحاً مختصراً بهذا
الشأن , للدورة التاسعة والعشرين لمؤتمر
وزراء خارجية الدول الإسلامية , التي عقدت في
الخرطوم – السودان , في الفترة ما بين 14 – 16
ربيع الثاني 1423 هـ الموافق 25 – 27 مايو 2002 م ,
وقد تلقى المؤتمر المقترح بالترحيب والتأييد
, وأصدر توصية بذلك جاء فيها ( .. اهتمام
الحكومات الإسلامية بمؤسسات المجتمع المدني ,
والعمل على ترقيتها وحمايتها ورعايتها ,
وتكوين الآليات المناسبة للتنسيق والتعاون
الوثيق فيما بينها , ودعوتها للقيام بدورها
والعمل المشترك مع الأجهزة الحكومية , لتحقيق
المصالح العليا والأهداف الاستراتيجية للدول
والشعوب الإسلامية, مستلهمة قيم الإسلام في
عمل الخير ولبر وخدمة المجتمع ) .
وفي
سابقة إيجابية أعطي للهيئات الإسلامية
الشعبية فرصة التمثيل بمخاطبة الدورة في حفل
الافتتاح , كما سمح لها بإصدار بيان خاص بها في
إطار الدورة , تعبر به عن رؤيتها وتوجهاتها
بشأن هموم الأمة وقضاياها الملحة , وقد قوبل
البيان بالارتياح والترحاب من معالي الأمين
العام ومن رؤساء الوفود باعتبارها ظاهرة
إيجابية تؤكد على اتساق العمل الحكومي
والشعبي في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي .
ثمّ
قدم المشروع إلى الدورة الثلاثين التي عقدت
في طهران في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
في 27 - 30 ربيع الأول
1424 هـ الموافق
28 – 31 أيار 2003 م , وكان موضع ترحيب كذلك , ونحن
ننتظر من أمانة مؤتمر العالم الإسلامي
المبادرة لاتخاذ الإجراء المناسب لتفعيل هذا
المشروع , وآمل من هذا المؤتمر الجليل إصدار
توصية بدعم وتأييد هذا المشروع لدى منظمة
المؤتمر الإسلامي.
وختاماً
..
أؤكد
( أولاً ) على ما أشرت إليه في بداية هذه الورقة
, أن ما جاء فيها من أفكار ورؤى , إنما هي مجرد
تأملات ورؤى , معروضة للتأمل والمراجعة لتكون
إن شاء الله محققة لمرضاة الله تعالى .. وملبية
لتحقيق تطلعات الأمة , في تصحيح شأنها
واستعادة عزتها وخيريتها .
وأذكر
( ثانياً ) بأهمية العمل الجاد على إجراء
مصالحة عامة بين فعاليات الأمة الحكومية
والشعبية , وتوحيد توجهاتهما وجهودهما , فهما
جناحا الأمة , بهما تقلع بإذن الله تعالى من
ساحات ركودها وتعثرها , وبهما وبالتكامل
الجاد بينهما , تحلق الأمة من جديد في آفاق
انبعاث مجدها وشروق عزتها .
أرجو
أن نوفق بعون الله تعالى إلى تحقيق ذلك .. فهو
جل شأنه ولي ذلك والقادر عليه .. وآخر دعوانا
أن الحمد لله رب العالمين .. والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته .