

الأمة والإشكالية الحضارية
الحمد
لله رب العالمين الذي كرّمنا فبوأنا مواقع
الوسطية بين الأمم , وشرّفنا فأسند إلينا مهمة
الشهود الحضاري على الناس , وأصلي وأسلم على
المبعوث رحمة للعالمين , إمامنا وقرة أعيننا ,
الهادي البشير سيدنا ورسولنا محمد بن عبد
الله , رافع لواء العالمية العادلة في الأرض ,
ورائد العولمة الراشدة بين الناس , وأصلي
وأسلم على آل بيته الأطهار الأخيار , وعلى
جميع صحابته الغر الميامين الأبرار.
معالي
الأخ الأستاذ عبد الملك الحمر الأمين العام
لمنتدى الفكر العربي .
أصحاب
المعالي والعطوفة والسعادة .
الأخوة
والأخوات .
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته :
بداية
أتقدم بخالص الشكر والتقدير لصاحب السمو
الملكي الأمير الحسن بن طلال , رئيس منتدى
الفكر العربي , الذي شرّفني فأتاح لي فرصة
التحدث إليكم من منبر هذا الصرح الثقافي
الأغر , والأمير الحسن بن طلال , العالم
الأديب , والسياسي الخبير , والمفكر
المبصر لأحوال زمانه , هو واحد من أبرز
الفاعلين في مسيرة أمتنا , من أجل تحقيق ما
تصبو إليه آمالنا في التصحيح والترشيد
الثقافي والحضاري , فله من القلب تحية تقدير
ومودة .
أيها
السادة :
إنني
أدرك تماماً أنني قادم إلى هجر وبضاعتي مزجاة
, ولذلك أستطيع القول أنني لست محاضراً , إنني
هنا أعرض أفكاراً ,
وأطرح تأملات لتجاز من أهل العلم والفكر
والثقافة أمثالكم , ولتكون مراجعة مشتركة
فيما بيننا , لنتلمس معاً سبل التصحيح
والترشيد لأنفسنا ولغيرنا , وعندما اخترت هذه
الكلمة من العنوان " الأمة " أقصد بها
الأمة الإسلامية " الأمة والإشكالية
الحضارية " , وجاء هذا الاختيار بعد تأمل
طويل , وبعد تفكر مضني في الحالة العالمية
الراهنة , وكلكم على علم بسمات هذه الحالة
العالمية الراهنة وأوضاعها , وعلى دراية
بالمسيرة البشرية المتعثرة , التي تتخبط في
دروبها المجتمعات الدولية .
وكنت
ولا أزال دائما التأمل والتساؤل , كيف
للمفكرين أن يساهموا في إخراج المسيرة
البشرية من هذه الأزمة , أو من هذه الإشكالية ؟
وكيف السبيل إلى التصحيح والترشيد ؟ وما هي
مسؤولية هذه الأمة –
أمة الخيرية – كما وصفها ربها
سبحانه وتعالى "كنتم
خير أمة أخرجت للناس" , في المساهمة في
عوامل التصحيح والترشيد ؟ وقد هيأها ربها
وكرّمها بمواقع الوسطية بين الأمم , وشرّفها
بمهمة الشهود الحضاري على الناس , وحملّها
أمانة النهوض بتحقيق رسالة التعارف بين الناس
, وتفّعيل مبدأ التدافع الحضاري بين الثقافات
, من أجل صرف الفساد عن الأرض , وليعم الأمن
والرخاء بين العباد , ولعل هذا اللقاء الطيب
المبارك , في رحاب هذا المنتدى الأشم , وفي
ظلال هذا الشهر الكريم , شهر رمضان المبارك ,
يجيب عن هذه التساؤلات بعون الله وتوفيقه .
تحدث
الناس كثيرا عن الحضارة ولا يزالون , وسيبقى
الحديث عن الحضارة في تجدد دائم , لماذا ؟
لأن هذا المصطلح كما أحسبه , مصطلح موسوعي ليس
من السهل الإحاطة به , فهو يحمل معاني فلسفية ,
و ثقافية , ومادية , وعملية , وروحية , و دينية ,
إنه بحق مصطلح موسوعي , والناس عندما يتعاملون
مع هذا المصطلح , فإن كلاً منهم يتعامل معه من
وجهة نظره الثقافية , وعلى أساس من تكوينه
الوجداني والتربوي , وبالتالي جاءت الرؤى
واسعة ومتعددة , فكان هناك تعاريف كثيرة
للحضارة , وقد حاولت حصر ما وقع منها تحت يدي ,
فبلغت مائة تعريف وضعها مفكرون وعلماء , من
مختلف أنحاء العالم , من أوروبا , وأمريكا و
ومن الشرق والغرب , ومن مخزون تاريخنا
الإسلامي الغزير , مما يعني أن هذا المصطلح لم
تستقر حالته بعد عند الناس , ولا يزال الموضوع
يتسع للمزيد , من التأمل والتفكر عبر الزمان
والمكان ، وهذا بتقديري أمر إيجابي , لأنه
يشكل مصدراً للتجديد والمفاعلة , التي تعطي
فرصة للإنسان , ليبقى دائم البحث عن الأفضل .
ولعله
من الموضوعية بمكان , قبل أن أبدأ في الحديث عن
إشكالية الحضارة ، أن أعترف بأنني وجدت هذه
الإشكالية متعددة الجوانب , فبدأت أبحث عن
العوامل الرئيسة والأساس في هذه الإشكالية ,
حتى أسهل على نفسي وعلى القارئ والسامع ,
إمكانية البحث والتعاون في التعامل مع هذا
الأمر , فوجدت في نهاية المطاف , أنه من الممكن
القول : أن الإشكالية الحضارية إقليمياً
وعالمياً تتلخص في أمرين :
1.
إشكالية مصطلح .
2.
إشكالية
أداء .
وسأحاول
أن أبسط بين يديكم ما استطعت , بعض الرؤى
والأفكار بشأن هاتين الإشكاليتين وذلك على
النحو التالي :
قد
أشرت في مطلع حديثي , إلى أن مصطلح الحضارة
مصطلح موسوعي , مما يجعله موضع تأمل وجدل دائم
بين المفكرين والمهتمين , وبعد تأمل
طويل في أبعاد هذا المصطلح , انتهيت إلى
رؤية بشأن هذا الأمر, ارتاحت لها نفسي واقتنعت
بدلالتها , حيث بدا لي أن الإشكالية الحضارية
في دوائر الفهم الإسلامي , مصدرها التداخل
المخل , بين مفاهيم الثابت والمتغير للنص
الديني من جهة , والمفاهيم المضطربة بين علاقة
الديني بالدنيوي من جهة أخرى , مما أفرز لنا
إشكالية الموقف من الآخر , لا شك أن النصوص
الدينية موجودة وقطعية الثبوت , ولكن
الإشكالية في فهمها وفي منهجية إسقاط
دلالاتها على الواقع , فتجد
مثلاً أن هناك تناقضاً كبيراً واضطراباً
شديداً عند البعض , في فهم النص ومنهجية
إسقاطه على الواقع فيما يتعلق بعلاقتنا مع
الآخر, وهذا ما سيأتي تفصيله فيما بعد .
ودعوني أطرح بين يديكم بعض النماذج من
الفهم الإسلامي لمسألة الحضارة , وأبدأ بابن
خلدون ، وقد اخترت جملاً تمثل بتقديري خلاصة
رؤيته بهذا الشأن , حيث يقول
: أن الحضارة هي الزائد على الضرورة من
العمران , أي أن هناك ضرورة لا تدخل في الحضارة
وهذا أمر مسلم به, فالحضارة تبدأ من حيث
الزيادة , ويؤكد على العلاقة الوثيقة بين نشوء
الحضارة وولادتها ونشوء الدولة القوية ، فلا
وجود لحضارة مع غياب دولة قوية , ثم يقول إن
الدين مؤسس فاعل في نشوء الحضارة , هذه تقريبا
خلاصة أفكار ابن خلدون الأساسية في قضية
الحضارة .
وفي
التاريخ المعاصر ممن انشغل في مسألة الحضارة ,
شخصية معروفة لديكم جميعا هو مالك بن نبي ,
وللحقيقة تحدث مالك بن نبي عن الحضارة
والنظرية الحضارية , بطريقة علمية وموضوعية
وكان جريئا , ومالك بن نبي وهو يتحدث عن
الحضارة تجده يؤكد
فكرة موسوعية المصطلح , فوضع عدة تعاريف
للحضارة ، وقال من الصعب أن تضع تعريفاً
محدداً للحضارة وقال : الحضارة تعرّف من حيث
جوهرها , ومن حيث تكوينها , ومن حيث أداؤها ,
ومن حيث وظيفتها , ومن حيث علاقاتها مع
المجتمع والآخر, وأخيراً طرح نظرية أو معادلة
حضارية معروفة لديكم , وهي العلاقة بين
الإنسان والتراب والزمن , وهذه المعادلة هي
التي أثارت اهتمامي في موضوع الحضارة منذ عام
1971 ميلادي , يوم أن استضيف مالك بن نبي من قبل
جامعة الملك عبد العزيز , وكانت لا تزال أهلية
، ودعيت مع من دعوا للاستماع إلى مالك
بن نبي عن الحضارة , وكان بينه وبين سيد قطب
صراع بشأن مفهوم الحضارة , فسيد
قطب يرى أن الإسلام هو الحضارة ، ولا يصح أن
يطلق اسم الحضارة على أي فعل غير مقترن بمنهج
الإسلام , أما مالك بن نبي فيرى أن الحضارة
غاية متاحة للجميع ، فكل ثمرة بناء لفعل
بشري هو حضارة , فبين هذا التوسع الغير
المحدود لمعنى الحضارة عند مالك , و بين ذلك
التخصيص المحدد عند سيد , وجدت من الممكن
التفكير بشكل آخر , والذي حفزني على هذا
التفكير , المعادلة الكيميائية التي كتبها
يومئذ مالك بن نبي , على سبورة المدرج الجامعي
الذي كان يقدم محاضرته من على منبره , ليوضح
للحضور خطأ سيد قطب في حصر الحضارة بالفعل
الإسلامي دون غيره , والمعادلة كانت كما يلي :
هيدروجين
+ أكسجين + شرارة = ماء
ثم علق قائلاً
إن التفاعل بين عنصر الهيدروجين وبين عنصر
الأكسجين يتم بواسطة فعل شرارة محرضة , حيث
ينتج عن هذا التفاعل الماء الذي تعرفونه
وتشربونه , وأحسبه قال إنه ماء الحياة , ثم
تابع ليقول : أن المعادلة الحضارية شبيهة بهذه
المعادلة , إلا أن عناصرها من نوع أخر :
تـــراب+
إنـسان + الزمن = حضارة
طبعا وبحكم
تخصصي الكيميائي , وجدت أن مثل هذا التبسيط
مخل للغاية ، تراب + إنسان + زمن يعطي
حضارة ، فالعملية
أكثر تعقيداً من ذلك , وفي نهاية المحاضرة ,
استأذنته بالتعليق على ما جاء فيها , فأذن لي
فقلت له : إن هذه المعادلة الكيميائية التي
طرحتها , هي أبسط أنواع التفاعل بين
الهيدروجين والأكسجين , لا شك أن الهيدروجين
العادي , في تفاعله مع الأكسجين العادي , وفي
شروط محددة يعطي الماء العادي( ماء الحياة )
كما عبرت ، ولكن إذا
غيرنا الشروط , واستبدل الهيدروجين بأحد
نظائره , فإن نتائج التفاعل ستتغير , فإما أن تكون ما يسمي ( الماء
الأكسجيني ) أو ما يسمي ( الماء الثقيل ) , وكتبت
على السبورة المعادلات التالية :
·
أكسجين + الهيدروجين العادي
مع توفر الشروط العادية يخرج الماء الطبيعي
الصالح للحياة.
·
الأكسجين + الهيدروجين
النظير" 1 " مع تغير الشروط يخرج شيء اسمه
الماء الثقيل , وهو غير صالح للشرب , ولكنه
يصلح لأمور أخرى معروفة لأهل الاختصاص .
·
أكسجين
+ الهيدروجين النظير "2 " مع تغير الشرط
يخرج ما يسمى بالماء الأكسجيني , وهو غير صالح
للشرب , ولكنه مفيد لأمور أخرى صناعية .
إذاً الأكسجين
في تفاعله مع الهيدروجين مع تغير الشروط
والنظائر , ينتج ثلاث أنواع من الماء , كلها
مفيدة , ولكن هناك ماء واحد , الذي يمتلك
الصفات الكاملة للحياة , وهو الماء العادي ماء
الشرب , وبالتالي إذا أردنا أن نطبق هذه
المعادلة , على تفاعل الإنسان مع التراب , أو
على الأصح مع المادة , لأن التراب أحد أنواع
المادة , وهناك مواد أخرى مادية غير التراب ,
هناك الماء والهواء والغازات الأخرى وغيرها ,
وقلت له دعنا نعدل المعادلة لتكون على النحو
التالي :
الإنسان +
المادة مع تغير في المنهج , يعطي تنوعاً
حضارياً , حيث أن المنهج هو الذي يصوغ سلوكية
الإنسان , ويؤسس كفاءته ومهاراته في تعامله مع
المادة , فهناك إنسان سوي وآخر منحرف , ومخطئ
ومصيب , وإنسان مسؤول وآخر عابث , والإنسان
بهذا التنوع من المواصفات ,
هو الذي سيؤثر في النهاية على سير
المعادلة , وهو الذي سيتحكم بطبيعة وهوية
نتاجها الحضاري , , نعم هناك تنوع حضاري , وأنا
معك وأؤيدك بأن كل تفاعل بشري مع المادة ينتج
أثر حضاري ، ولكنها ليست سواء , فهناك
حضارة خيرة , وهناك حضارة أكثر خيرية , وفي
المقابل هناك حضارة شريرة , وحضارة مفسدة , فأردت
بذلك أن أبين أنني لست مع سيد قطب فيما ذهب
إليه ( بأن لا حضارة
مع غير الإسلام ) ,
وأنني لست كــذلك معكم وانتم ( تساوون بين
الحضارات ) , أجل فأنا مع التنوع الحضاري , وأن
هناك علاقة مشتركة بين الحضارات , ولكن
الحضارات ليست سواء , فثار وغضب , وضرب على
المنبر بيده , ولذت بالصمت أمام ثورته التي
فاجأني بها , وانقسم الحضور إلى فريقين
, كل فريق انحاز إلى أحد
الرأيين , وتشجعت لما رأيت التأييد
لما عرضت من أفكار , وبدأت مشواري مع الحضارة ,
و كتبت بعدها مقالة بعنوان " كيمياء
الحضارة " , كانت أول مقالة لي حول الحضارة ,
حيث تحدثت عن كيمياء الحضارة في النفس
البشرية , وفي المجتمع , وانطلقت اهتماماتي
بمفهوم الحضارة .
وأنتقل معكم
إلى نماذج من الغرب بشأن تعريف الحضارة ,
واخترت لكم أوزولد شبنقلر الألماني , الذي
تحدث كثيراً عن الحضارة ,
وقال كلاماً موضوعياً ودقيقاً وعميقاً ,
وزبدة ما قاله في النهاية : إن لكل حضارة
دستوراً أخلاقياً , يتجلى في العقيدة وقوة
النفس , وإن الدستور الحضاري لا يتمحور حول
العقل , بل يتمحور حول الوجدان ، وركز على
الوجدان البشري وعلى السلوك البشري , في قضية
المفهوم الحضاري , وجعل العقل تابع للوجدان ,
على خلاف ما يقوله الآخرون , بأن العقل أولاً
والوجدان ثانياً .
والنموذج
الآخر في سياق التحدث عن إشكالية المصطلح , هو
في رؤية آرنولد توينبي حول الحضارة , وكما
تعلمون فهو عالم اجتماع كبير على طريقة ابن
خلدون , ولكنه في سياق التحدث عن النظرية
الاجتماعية , تحدث عن الحضارة ,
وعرّف الحضارة على أنها وحدة من وحـدات
التاريخ , فيقول : إن التاريخ وحدات , والحضارة
هي وحدة تاريخية , ثم يتحدث عن نشوء الحضارة ,
فطرح فكرة الاستجابة والتحدي , فقال : إن
الاستجابة للتحديات عند الإنسان , كفرد أو
مجتمع هو سبب نشوء الحضارة , فما دامت هذه
الاستجابة قائمة مع التحدي , كانت الحضارة
واستمرت وتطورت , حتى إذا ضعفت الاستجابة
للتحدي , وقف الإبداع البشري , وتعثر سير
الحضارة , وتحولت النخبة المبدعة , إلى نخبة
مسيطرة على الناس بالقوة , لأنها أحسّت بأنها
هي التي أبدعت الحضارة , ثم عجزت عن الاستمرار
, أو ملت أو تعبت , فتبدأ
بالتعويض عن عجزها في الاستمرار , في ميادين
الإبداع الحضاري , من خلال فرض ثمرة إبداعها
الحضاري على الآخر بالقوة , ثم يقول : ومع هذه
الحالة تبدأ مرحلة سقوط الحضارة .
وهذا
يعني بوضوح أن افتتان المبدع بثمرة إبداعه ،
ثم انحباسه في أبهة إنتاجه الحضاري , ومن ثم
محاولته فرض تراثه الإبداعي على الآخر بالقوة
، تعبيراً عن عجزه بمتابعة الإبداع , أو
تعبيراً عن الإعجاب بالذات , وعظمة التفوق
والاستعلاء على الآخر , إنما
هي بداية السقوط الحضاري , لا
شك أن مثل هذا التحليل , يعبر عن عمق في
التفكير , وله دلالاته الموضوعية عبر التاريخ
البشري , وهانحن نعايش ما يؤكده ويصدقه في
تاريخنا المعاصر .
وبعد
هذه الرحلة مع نماذج من تعاريف الحضارة , التي
قلت لكم إنها بلغت قرابة مائة تعريفاً , وقد
اخترت أبرزها حتى اختصر عليكم وعلى نفسي ثقل
الإطالة , قلت وما هو تعريف الحضارة عندنا نحن
المسلمين ؟ ولو
أردنا أن نضع تعريفاً للحضارة ماذا عسانا
قائلين ؟ وفي ضوء كل هذا الذي قيل من داخلنا
ومن خارجنا عن الحضارة ، ومع انشغالي بقضية
إشكالية المصطلح , وجدت أن الغرب يتحدث عن
الحضارة بمعنى المدنية (Civilization
), ونحن ترجمناها إلى حضارة , وهذه ترجمة
غير صحيحة بالمعنى الحرفي , والترجمة الحرفية
للعبارة هي المدنية , ومن جهة أخرى وجدت الغرب
, يعبر عن الحضارة بمصطلح الثقافة ( Culture
) , وقد اكتشفت أن
هناك مدرستين للحضارة عند المفكرين الغربيين
, تعبر كل منهما بطريقتها الخاصة عن الحضارة ,
مدرسة تعبر عن الحضارة بمصطلح ( Civilization )
أي المدنية , والمدرسة الثانية تعبر عنها
بمصطلحCulture ) (
أي الثقافة , وما بين المدرستين طبعاً حوار
وجدل بهذا الشأن , و هنا بدأت أتأمل مصطلحنا
العربي ( حضارة ) , والذي جاء كما تعلمون من
التحضر ومن الحضور والاستقرار , عكس البداوة
والتنقل وعدم الاستقرار , ومع نشوء حالة
الاهتمام بالعمران وتشكيل المجتمع المستقر
المترابط , أو ما يسمى عندنا بالمجتمع الحضري ,
وهو الحالة المقابلة لحالة البداوة , فأحسست
أن المصطلح العربي ( حضارة ) هو المصطلح الأنسب
للتعبير عن هذه الحالة البشرية , فكلمة حضارة
عندنا تعبر عن حالة مركبة من ( البناء
الاجتماعي , والبناء العمراني ) , وبكلمة أخرى
إنها تعبير عن حالة تكامل ما بين المدنية
والثقافة , وبذلك يكون المصطلح العربي قد عبر
عن مقاصد المدرستين الغربيتين ( مدرسة
الثقافة , ومدرسة المدنية ) , وقدم للبشرية
مصطلحاً يغنيها إن شاءت عن الجدلية المحتدمة
بين الثقافة والمدنية , من حيث أيهما أصلح
للتعبير عن الحالة البشرية المتقدمة , فمصطلح
الحضارة عندنا يشتمل على المصطلحين معاً (
الثقافة و المدنية ) أو ( الثقافة والعمران ) ,
وبالتالي يكون تعريف الحضارة عندنا حسب
تقديري وفهمي : ( هي ثمرة كل جهد بشري يبذل
لعمارة الأرض وفق ثقافة ما ) .
بمعنى
أن لكل أمة منهجها الاجتماعي , ولكل أمة
كفاءتها ومهارتها المادية , أو بعبارة أخري ,
فإن لكل أمة ثقافتها ومدنيتها الخاصة بها ,
والثقافة والمدنية عاملان متكاملان في إقامة
البناء الحضاري لكل أمة , وهذه
الرؤية لمفهوم الحضارة , تطرح علينا سؤالين
مهمين :
1.
هل نحن أمام حضارات بشرية
أم حضارة واحدة ؟
2.
وما هو المشترك الحضاري بين
الأمم ؟
في
سياق تعريفنا السالف للحضارة , نجد أن الحضارة
تقوم على مرتكزين اثنين , المرتكز الثقافي ,
والمرتكز المدني , وحيث أن لكل أمة ثقافتها
الخاصة بها , وكفاءتها ومهارتها وإبداعها
المادي الخاص بها , فنحن لا شك أمام وحدات
حضارية متنوعة , ومصدر التنوع هنا بتقديري هو
التنوع الثقافي , الذي يشكل المصدر الأساس
لمهارة الأمة في إبداعها المادي , وهنا يطرح
سؤالين بغاية الأهمية :
1.
هل
نحن أمام وحدات إبداعية مادية متكاملة ؟
2.
أم
أمام وحدات إبداعية مادية منعزلة في المسيرة
الحضارية البشرية ؟
في
إطار الرؤية المتشكلة في ذهني عن مفهوم
الحضارة , يمكنني القول :
·
أن الحضارة من حيث شقها
المادي , هي نتاج بشري تراكمي , لكل أمة
إضافتها الحضارية المادية الخاصة بها , في
عملية البناء المادي للحضارة البشرية .
·
إلا أن البناء الحضاري
البشري ككل , تكتنفه وحدات حضارية إبداعية
تمثل البصمات الحضارية لكل أمة من الأمم ,
مثلما تكتنفه وحدات أداء حضاري قيمي , يعكس
ثقافة كل أمة ومنهجها وسلوكها .
·
أي أننا أمام بناء حضاري
مادي تراكمي , يمثل الإرث الحضاري البشري
المشترك , تكتنفه وحدات إبداعية , مثلما
تكتنفه سمات وصيغ أخلاقية للأداء الحضاري ,
تشهد لكل أمة بنوع هويتها الحضارية , وطبيعة
أثرها الحضاري في حياة الإنسان والبيئة
إيجاباً وسلباً .
·
وباختصار نحن في النهاية
أمام تمايز وتكامل حضاري , تكامل في البناء
المادي , وتمايز في الإبداع والأداء الأخلاقي
.
وعلى
هذا فإنني أرى وأؤكد , أن هناك حضارات متعددة ,
تتكامل في البناء المادي , وتتمايز في الأداء
الأخلاقي , عرفت المسيرة البشرية حضارة العصر
الحجري , فحضارة حقبة الفحم الحجري , ثم حضارة
عصر البترول , ودخلت البشرية الحضارة الذرية ,
فالإلكترونية , والإشعاعية , وهانحن نلج
الحضارة الجينية والباب سيبقى مفتوحاً , حتى
تستكمل الأرض زينتها وزخرفها , ويأتي أمر الله
سبحانه , حيث تكون نهاية رحلة الحياة
الدنيا نسأل الله تعالى حسن الختام , وتعاقبت
على هذه الحضارات أمم وملل وثقافات , كل منها
أدى دوره وساهم في قيام البناء الحضاري
المادي عبر العصور , وترك بصماته الإيجابية أو
السلبية على حياة الناس والمجتمعات والبيئة ,
حتى أننا نجد في داخل الحضارة الواحدة , بصمات
إيجابية وأخرى سلبية , مثلما نجد في الحضارة
الواحدة تنوع في اللمسات الإبداعية , فنحن
لدينا لمسات حضارية أندلسية , وأخرى هندية ,
وباكستانية , وتركية , وشامية , ويمنية ,
وحجازية , ونجدية , وعمانية , وفاريسية , وغيرها
, في إطار الحضارة الإسلامية الواحدة ، وحتى
في البلد الواحد عندنا لمسات إبداعية حضارية
في الشمال والجنوب , وهذا التنوع في الإبداع
والتنوع في الأداء , إنما مصدره التنوع
الثقافي والأخلاقي , فلكل أمة ثقافتها , ولكل
أمة مدنيتها , فالأمم تتكامل في المنتج المدني
, وتتمايز في السلوك الثقافي , وبهذا التصور
لمفهوم الحضارة تنتهي بتقديري إشكالية
المصطلح , ونكون باقتراح اعتماد المصطلح
العربي ( حضارة ) للتعبير عن حالة التحول
البشري , من اللاعمران إلى العمران , ومن
اللاستقرار إلى الاستقرار , ومن اللادولة إلى
الدولة , ومن التخلف إلى التقدم , نكون بتقديري
قد أنهينا الجدلية المحتدمة بين مدرستي
الثقافة والمدنية في الغرب , من حيث أيهما
أصلح للتعبير عن حالة نشوء الدولة والعمران ,
وقد وحدّنا بينهما باقتراح اعتماد مصطلح (
الحضارة ) بالعربية , كما أوضحنا ذلك فيما تقدم
من بيان بهذا الشأن , وعلى أساس من ذلك يستقر
تعريف الحضارة وفق فهمي , على النحو الذي
ذكرته فيما سبق وهو : الحضارة هي ثمرة كل جهد
بشري يبذل لعمارة الأرض وفق ثقافة ما .
ويبقى
علي أن أعرض وجهة نطري بشأن إشكالية الأداء
الحضاري , و بتقديري هي الإشكالية الأهم
والأخطر على حياة الناس والبيئة , والأداء
الحضاري له شقان , الأداء الحضاري الإنتاجي (
الكمي والنوعي ) , والأداء الحضاري التطبيقي ,
والثقافة بمحتواها القيمي والأخلاقي , هي
التي تقرر بالنهاية وتحكم هوية الأداء
الحضاري بشقيه الإنتاجي والتطبيقي , فيما إذا
كان أداءً في صالح الإنسان وكرامته وسلامة
البيئة , أو وبالاً على الإنسان وكرامته ,
ومصدر إفساد للبيئة ومكنوناتها , ونحن نؤمن
بأن الله سبحانه وتعالى , قد استخلف الإنسان
في الأرض بصفته إنساناً لمهمة عظيمة وجليلة ,
هي عمارة الأرض وإقامة
العدل , فكل إنسان في هذا الكون مكلف بعمارة
الأرض , تكليفاً وتشريفاً ربانياً , بصرف
النظر عن هوية انتمائه العرقي , أو الجنسي , أو
القومي , أو اللوني , أو الديني , ويبقى مصدر
الاختلاف أو التنوع في بنية هذه العمارة ؟ هي
الثقافة بمعناها الشمولي , الذي يشكل الدين في
بنيتها عاملاً أساساً ومركزياً
, وعلى أساس من المفهوم الشمولي للثقافة ,
اقترحت تعريفاً لمفهوم الحضارة في الإسلام ,
حيث قلت الحضارة الإسلامية : هي ثمرة الجهد
البشري المبذول لعمارة الأرض وفق منهج
الاستخلاف الرباني , لأن الله سبحانه عندما
استخلف الإنسان في الأرض وكلفه بعمارتها , لم
يتركه هكذا تائهاً من غير منهج ، فوضع جلّ
شأنه منهجاً لعمارة الأرض , وهذا ما أسميه
منهج الاستخلاف الرباني , فما هو هذا المنهج ؟
هذا المنهج يقوم على مرتكزين اثنين :
أولاهما
- مرتكز
القيم والمبادئ والأخلاقيات .
وثانيهما
- مرتكز الماديات
والمهارات والوسائل .
ومرتكز
القيم والمبادئ والأخلاقيات , يتمثل في قوله
تعالى : " فاعلم أنه لا اله إلا الله " , وما يندرج تحته من قيم ومبادئ
ومعايير وضوابط وأخلاق , وجاء
جميع الأنبياء ليتحدثوا عن هذا المرتكز
الأساس في منهج الاستخلاف الرباني , منذ آدم
عليه السلام إلى نوح , فموسى , فعيسى , إلى أن
ختم الأمر بمحمد عليه وعليهم جميعا أفضل
الصلاة والسلام , حيث يقول صلى الله عليه وسلم
: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل
بنى بيتاً فأحسنه وأجمله , وأخذ الناس يطوفون
به ويقولون : ما أجمل
هذا البناء , وما أحسنه , لولا موضع لبنة فيه ,
فأنا اللبنة وأنا خاتم الأنبياء" تأكيداً
منه عليه الصلاة والسلام , أن منهج الاستخلاف
الرباني واحد , بشر به الأنبياء والرسل جميعاً
, كل بقدر ما كلف به وفق ظروف زمانه ومكانه ,
فجميعهم
تحدثوا عن توحيد الله , وعن الإيمان , والأخلاق
, والسلوكيات . أما
مرتكز الماديات والوسائل والمهارات , فيتمثل
في قوله تعالى : " فامشوا في مناكبها وكلوا
من رزقه وإليه النشور " وما يندرج تحت معنى
المشي من ماديات وسائل ومهارات
.
إذاً
نحن أمام منهج للاستخلاف في الأرض
قوامه العلم والعمل , فنحن
بين "
اعلم " و
" امشي " , فإذا
قامت التوازنيه الدقيقة بين مبدأ " فاعلم
" ومبدأ " فامشي " قام المنهاج الصحيح
لعمارة الأرض , وقامت الحضارة الآمنة العادلة ,
أما إذا حصل خلل بين هذين المرتكزين , حصل خلل
في السير الحضاري ، ومن ثم يحصل خلل في الأداء
الإنتاجي , مثلما يحصل خلل في الأداء التطبيقي
للمنتج الحضاري , ونحن نعاني اليوم من إشكالية
الأداء الحضاري في تاريخنا المعاصر , فهناك
خلل في الأداء الإنتاجي , مثلما هناك خلل في
الأداء التطبيقي , خلل في التعامل مع مرتكز (
فاعلم ) , مثلما هناك خلل في التعامل مع مرتكز(
فامشوا ) , فأمم أتقنت المشي في الأرض , وتفوقت
في مهاراتها فاستطاعت بجدارة استثمار الكون
ومكنوناته , إلا أنها أخفقت في التعامل مع
مرتكز ( فاعلم ) , أي مع القيم والمبادئ
والأخلاق , مما وولد خللاً وعبثية في أدائها
الإنتاجي التكنولوجي ( كماً وكيفاً ) , على
حساب كرامة الإنسان وسلامة البيئة , وهناك أمم
تميزت بحسن تعاملها مع مرتكز ( فاعلم ) , أي مع
القيم والمثل والأخلاق , إلا أنها أخفقت
وتخلفت في ميادين ( فامشوا ) , مما ولد خللاً
كبيراً في موازين السير الحضاري في حياتها ,
انعكس سلبياً على أمن واستقرار ورفاهية
شعوبها , فهنا خلل ,
وهناك خلل , هناك تفوق في الإبداع التكنولوجي
مع خلل في القيم والمبادئ والسلوكيات , يقابله
خلل شنيع في مرتكز "فامشوا " , أي في
الماديات والوسائل والمهارات , مع ثبات على
القيم والمبادئ والسلوكيات , إذاً نحن بحاجة
لأن نصلح هذه الإشكالية ، إشكالية الأداء ,
الأداء في الإنتاج , ونقصد به عبثية الإنتاج ,
والأداء في التطبيق , ونقصد به عدم توخي
المصلحة , ويوم يمكننا تصحيح هذا الخلل , ويوم
نتمكن من إعادة التوازن بين مرتكزي منهج
الاستخلاف , مرتكزي القيم والماديات , ويوم
نستطيع ضبط معايير وقيم الإنتاج والتطبيق
الحضاري , نكون قد وضعنا الأداء الحضاري على
المسار الصحيح , المحقق لكرامة الإنسان ,
وسلامة البيئة , والتعايش البشري العادل
والآمن , وبتقديري أن إشكالية الأداء في
الإنتاج والتطبيق , والمتمثلة بالعبثية وعدم
توخي المصلحة , لا تزال منذ القدم تمثل الخطر
الأكبر الذي يهدد سلامة السير الحضاري ,
وينتكس بثمرات الجهد الحضاري , لتكون مصدراً
للهلاك والدمار والشقاء , بدل من أن تكون
باعثاً للحياة والبناء والرفاهية , والتاريخ
يؤكد ذلك والحاضر يؤيده ويصدقه , يحدثنا
التاريخ عن حضارات قامت وأبدعت وفق معطيات
زمانها وظروفها , إلا أنها اندثرت وبادت , بسبب
من خلل في أدائها وانحدار في قيمها , مثل حضارة
حمورابي , والحضارة البابلية , والكونفوشية ,
والمانوية , والفرعونية , والفارسية ,
واليونانية , والرومانية , ويحدثنا القرآن
الكريم عن قوم عاد , وثمود , وقوم صالح وغيرهم ,
ممن أقاموا حضارات شامخة , وأشادوا صروحاً
عمرانية فريدة , إلا أنهم ظلموا وطغوا وأفسدوا
في الأرض , فانهارت دولهم , وهوت صروحهم فبادوا
واندثروا , ولم تبقى لهم باقية , إلا باقية
صخرية أو مدونة حجرية تحكي للأجيال جوانب من
قصة وجودهم , حيث يقول الله تعالى : ( أولم
يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة
الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة وأثاروا
الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم
بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا
أنفسهم يظلمون ) , أما التاريخ المعاصر , فيقدم
لنا شهادات من أفواه زعامات معروفة , تؤكد لنا
أن أخطر ما يهدد المسيرة البشرية , هو اختلال
الأداء الحضاري واختلال العلاقة بين عملية
الإبداع التكنولوجي والأداء القيمي والسلوكي
, فهاهو روزفلت الرئيس الأمريكي الأسبق يقول بشأن إشكالية الأداء : " ليس
ما نملك هو المهم من أجل أن نكون أمة عظيمة ،
ولكن المهم هي الطريقة التي نستخدم بها ما
نملك " , أما جون فوستر دالاس فيقول: " إن
الأمر لا يتعلق بالماديات ، فنحن نمتلك أكبر
إنتاج عالمي في الماديات , ولكننا بحاجة إلى
إيمان قوي وصلب وفاعل ، وبدون هذا الإيمان
سيكون كل ما نملك قليل " , مؤكداً أن قوة
الأمة ليس بما تملك من إنتاج وترسانة نووية ,
بل قوتها الحقيقية في إيمانها وقيمها ,
وجورباتشوف يقول في البروسترويكا وجميعكم
أحسب أنكم قرأتم ذلك يقول: " نحن وأمريكا
نملك من المخزون النووي ما يكفي لتفجير الأرض
عشر مرات " , سبحان الله وهل نحتاج إلى
تفجيرها إلى أكثر من مرة ؟ –
هذا إذا أصبح تفجيرها هدفاً وغاية حضارية
مشتركة ذات يوم ؟؟؟!!! –
فلصالح من يا ترى تأتي هذه الزيادة في الإنتاج
النووي لتكون بمقدار تسع مرات عما نحتاجه
لتفجير الأرض ؟؟؟!!! , أليس هذا من عبثية الأداء
في الإنتاج التكنولوجي , أليس هذا من العبثية
المركبة , والبعض يسخر التكنولوجيا النووية
لصناعة الموت والدمار والشقاء , بدل أن يسخرها
لصالح الحياة والبناء والتنمية والرخاء , ثم
يبالغ في الانحراف فيسرف في صناعة منتج
الهلاك أضعافاً مضاعفة , على حساب لقمة الغذاء
, وحبة الدواء , وقطعة الكساء , لمئات الملايين
من الشعوب التي تعيش تحت خط الفقر والحرمان ,
بل على حساب معالجة أسباب العوز والبطالة
والأمراض التي يعاني منها الملايين من مواطني
بلدان التضخم النووي , وترسانات أسلحة الدمار
الشامل الكيميائية والبيولوجية , المحرمة بكل
قيم السماء وأعراف الأرض ,
إذاً نحن نواجه عبثاً تكنولوجياً ,
وعبثاً في الاستخدام والتطبيق , وهذا العبث
التكنولوجي هو الذي يسيطر اليوم على المسيرة
الحضارية , وهذا ما يؤكد أن الإشكالية
الحضارية هي إشكالية أداء ، فهناك اضطراب
كبير في العلاقة بين العلم والقيم , نحن نتربع
على عرش الإنتاج الصناعي المادي , ولكن للأسف
نعاني من تخلف مرعب في القيم الأخلاقية ,
والقيم السلوكية , في توظيف هذا الإنتاج
الصناعي في ميادين الحياة , وفي هذا الصدد
يقول الفيلسوف الهندي المشهور طاغور لصديق له
من الغرب وهو يحاوره : لقد استطعتم أن تحلقوا
في الهواء كالطيور، و أن تغوصوا في البحار
والمحيطات كالأسماك ، ولكنكم للأسف إلى الآن
لم تستطيعوا أن تمشوا كالإنسان في الأرض ,
إذاً نحن نريد إنسانا يمشي في الأرض يدرك ما
هو المطلوب , ويقول مستر إيدن رئيس وزراء
بريطانيا المشهور : من الغريب المضحك أن
البلاد والدول تنفق الملايين من الجنيهات
لوقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها ولكن لا
تنفق شيئاً من أجل ضبطها , وأختم هذه الأقوال
بقول لزعيم حديث العهد بواقعنا المعاصر , وهو
الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون
في كتابه المشهور " الفرصة السانحة " حيث
يقول : " في القرن العشرين خطا تقدمنا
التكنولوجي خطوات أوسع بكثير من تقدمنا
الأخلاقي والسياسي ، الأمر الذي ينبغي أن لا
ندعه يحصل أو يستمر في القرن الحادي والعشرين
, من أجل أن نكون شركاء في زيادة فرص السّلم ,
والحدّ من فرص الحروب " , وللأسف جاء الأمر
على عكس ما أراد نيكسون , فها نحن نستقبل القرن
الحادي والعشرين بحرب عالمية مفتوحة الأجل
والهدف ! ، فهي تغزو وتدمر تحت مبررات وشعارات
مبهمة ومتنوعة, هذه
الأقوال أخواني أردت منها أن أؤكد على أن
الآخر يؤيد ما ذهبت إليه ,من أن الإشكالية
الحضارية , هي إشكالية أداء .
هذا بشكل عام
عن الإشكالية الحضارية في المسيرة البشرية ,
ولكن ما هي إشكاليتنا الحضارية نحن المسلمين ؟ وبهذا السؤال نتحول بأنفسنا
لنتحدث عن الذات, لاشك
أن إشكاليتنا الحضارية هي إشكالية أداء ,
شأننا في ذلك شأن بقية الأمم , وإشكاليتنا في
الأداء تتمثل بما يلي : وبداية وقبل تناول
هذه المسألة , أود أن أذكر بما قلته في بداية
حديثي إليكم اليوم , بأنني هنا أطرح أفكاراً
وتأملات ، فكل ما قلته من أراء وما سأقوله ,
يبقى قابلاً للأخذ والردّ ، فهي أفكار للتأمل
يسعدني أن تكون موضع تأمل ومناقشة, وعلى
أساس من ذلك أستطيع القول أن من أخطر
إشكالياتنا في الأداء الحضاري - كما بدا لي من
خلال تأملي المتواضع - تتمثل في اضطراب مفاهيم
العلاقة بين ما يلي :
1.
بين العقيدة والشريعة
والرسالة , وسأفصل ذلك فيما هو آت .
2.
بين
تدين الأفراد وتدين الدولة .
3.
بين التمايز العقدي للأمة ,
وبين مهمة المشترك العمراني مع الآخر.
فنحن
المسلمين نؤمن بأن الإسلام عقيدة وشريعة
ورسالة , وبداية أقول : لاشك أن هذه المسألة
فقهية ، وأنا لست فقيهاً , ولكنني هنا أطرح
فهمي الفكري لهذه المسألة , في إطار ما تعلمته
من رجال العلم الشرعي بشأن هذه القضية ,
فالعقيدة كما أفهم تمثل الخصوصية الدينية ,
التي تميز المسلم عن غيره من أتباع الأديان
الأخرى , مثلما هو شأن العقيدة عند غير
المسلمين , من حيث اعتبارها الجانب في
دياناتهم , الذي يميزهم عن غيرهم من أتباع
الديانات , وهذه
الخصوصية العقدية هي أساس التنوع الديني ,
فلكل أتباع دين عقيدتهم التي تميزهم عن غيرهم
, وهذه القضية حسم الإسلام موقفه منها ، بقول
الله تعالى : " لكم
دينكم ولي دين " وبقوله سبحانه : " لا إكراه
في الدين " , إذاً لا ينبغي أن نطيل الجدل مع
الآخر حول قضية العقيدة , لأن الإسلام حسم
إشكاليتها بعد أن قرر قاعدة ربانية : " لكم
دينكم ولي دينِ " فتعالوا إلى المشترك وهذا
ما سنفصل بشأنه فيما بعد , والشريعة الإسلامية
وجدتها تتحدث عن أمرين رئيسين : الأول - يتعلق
بالأحوال الشخصية الدينية للإنسان , من طلاق
وزواج وإرث وعلاقات أسرية إلى آخره , وهذه
الإسلام قد حسم موقفه منها كذلك , فأعطى
للمواطنين غير المسلمين حق الاحتكام في هذه
الأمور إلى شرائعهم , إذاً ليس هناك مشكلة مع
غير المسلم بهذا الشأن ، لأن هذا الأمر أصبح
واضحاً , فمن حق غير المسلم أن يتحاكم في
قضاياه وما يتعلق في أحواله الشخصية وأحواله
الدينية إلى شريعته إن شاء , والقسم الآخر من
الشريعة يتعلق في المصالح العامة للمواطنين ,
والإسلام يقرر أن المواطنين جميعاً متساوون
في الحقوق والواجبات , إذاً
يتأكد بذلك من جديد أن لا مشكلة لغير المسلم
مع الشريعة الإسلامية .
ولنأتي إلى
الرسالة فما هي الرسالة ؟ الرسالة حسب تتبعي ,
وجدت أن الله سبحانه وتعالى عندما استخلف
الإنسان في الأرض من أجل عمارتها ، استخلفه
بكونه إنساناً فحسب , بصرف النظر كما أسلفنا
عن هوية انتمائه العرقي , أو القومي ,
أو الديني , أو الجنسي , أو اللوني ,
وتحدث القرآن في
سياق الاستخلاف عن الأمانة : " إنا عرضنا
الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن
يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان " ,
إذاً فالإنسان وحده على الإطلاق هو الذي حمل
هذه الأمانة , والعلماء اختلفوا في تفسير هذه
الآية اختلافات واسعاً ، وصدر عنهم ما يزيد عن
عشرين معناً بشأن هذه الآية ، ولكن في النهاية
رجح أكثرهم أن المقصود من الأمانة هنا , هي
أمانة الاستخلاف في الأرض . فإذا كانت الأمانة
هي أمانة الاستخلاف , فهي إذاً ليست أمانة في
عنق المسلم فحسب ، ولكنها أمانة في عنق حامد
الرفاعي ( المسلم ) ,
مثلما هي أمانة في عنق زميله العزيز الدكتور
كامل أبو جابر ( المسيحي ) , وغيرهم من بني
البشر بكل مللهم وأديانهم , وبالتالي يجب أن
نتحدث عن هذه الأمانة , بصفتنا جميعاً من بني
آدم ( رجالاً ونساءً ) حملّنا ربنا سبحانه
وتعالى أمانة الاستخلاف ، كل حسب عقيدته
وشريعته , فأنا بعقيدتي وشريعتي ، والآخر
بعقيدته وشريعته , ولكن تجمعنا قيم ومبادئ
ومسؤوليات أمانة منهج الاستخلاف .
فما هي مبادئ
وقيم منهج الاستخلاف ؟ وهذا ما أسميه الرسالة
من منهج الإسلام الشامل , كنت من قريب في جزيرة
رودس – اليونان , حيث
عقد مؤتمر دولي حضره قرابة أربعمائة شخصية من
أنحاء العالم , وكان موضوع المؤتمر حول حوار
الحضارات ، فقلت بورقتي
التي خاطبت بها المؤتمر : كوننا نتحدث هنا
معاً عن حوار الحضارات , فهذا يعني أننا نؤمن
بالتعددية الثقافية , لأن الثقافة هي مكون أساس
من مكونات الحضارة , وكوننا نؤمن بالتعددية
الثقافية , إذاً نحن نؤمن أيضا بالخصوصيات
الثقافية , لأن الخصوصية الثقافية هي أساس
التنوع الثقافي ، فبدون الخصوصية الثقافية لن
يكون هناك تنوع ثقافي , فلو زالت الخصوصيات
لكان هناك ثقافة واحدة , فالتنوع الثقافي إذاً
سببه الخصوصية الثقافية . ولكن هل نكتفي بهذا
القدر من الفهم والاتفاق
؟ أم أننا بحاجة إلى نقلة أخرى في هذا
الاتجاه ؟ وما هي هذه النقلة ؟ وما هو المطلوب
منا ؟ فقلت النقلة
تتمثل بالتحول بمفردات الخطاب الثقافي من
الخاص إلى العام , ومن الهم الإقليمي والقومي ,
إلى آفاق الهم العالمي والإنساني , أما ما هو
المطلوب منا : فهو العمل الجاد للبحث معاً عن
الثقافة المشتركة , ولكن ما هي الثقافة
الإنسانية المشتركة ؟ وهذه ما أسميه الرسالة ,
من منهج الاستخلاف الرباني لعمارة الأرض , قلت
لهم : إن الإسلام قد اعتنى بهذه المسألة من
وراء أربعة عشر قرنا , ووضع سبعة أعمدة كأساس
لثقافة إنسانية مشتركة ، فما هي هذه الأعمدة
السبعة ؟ التي تمثل بحق القواعد الأساس , لأول
ميثاق عالمي في التاريخ البشري , فقلت : وقف
الرسول محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام
يوم حجة الوداع ( بعد أن شرحت لهم معنى حجة
الوداع ) , ليعلن للناس جميعاً هذه الأعمدة وهي
:
1.
أيها الناس إن ربكم واحد ,
تأكيداً على وحدة مصدرية الإيمان عند الأديان
.
2.
أيها الناس إن أباكم واحد ,
تأكيداً على وحدة الأسرة البشرية .
3.
أيها الناس إن دماءكم
وأموالكم حرام , تأكيداً على قدسية حياة
الإنسان وممتلكاته .
4.
أيها الناس إن ربكم قد حرم
الظلم على نفسه وجعله بينكم محرماً , تأكيداً
على أن العدل هو أساس كل فضيلة , وهو الحارس
الأقوى لأمن الأفراد والشعوب والمجتمعات
5.
أيها الناس إن عدة الشهور
عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم,
تأكيداً على الأمن والسلام وسلامة البيئة
, وهذا يعني أن سلامة البيئة عندنا ليست
قانوناً فهي عندنا منطلق ديني ووجداني ,
أربعة أشهر حرم ، تأكيداً على أهمية ثقافة
الأمن , والسلام ,
وسلامة البيئة , في حياة الناس .
6.
أيها الناس استوصوا
بالنساء خيراً , إن للنساء عليكم حقاً ولكم
عليهن حقا" , تأكيداً على أهمية تنظيم علاقة
الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل ,
وتأكيداً على تكامل مسؤولياتهما في ميادين
الحياة .
7.
أيها الناس إن الله قد حكم
" أن لا ربا " تأكيداً على الأمن
الاقتصادي , وعدم استغلال حاجة الفقراء
والمحتاجين لصالح الأثرياء والجشعين.
إذاً
نحن أمام مشترك ثقافي يؤكد على , وحدة مصدرية
الإيمان للناس جميعاً ، ووحدة الأسرة البشرية
، وإقامة العدل ، وتكامل مسؤوليات المرأة
والرجل ، وسلامة البيئة ، والأمن والسلام
العالمي ، والأمن الاقتصادي ، أجل هذه سبعة
أعمدة أو سبعة مرتكزات ومنطلقات , يطرحها الإسلام لتكون أساساً
لثقافة عالمية مشتركة ، وهذا بتقديري ما
ينبغي أن يكون أساساً ومرتكزاً لآفاق فهمنا
لعظمة رسالة الإسلام ومقاصدها الإنسانية .
والواقع
المؤسف لدينا في الغالب , وعند كثير من شبابنا
, بل وعند بعض علمائنا , ربما يتناقض مع هذا
الفهم لرسالة الإسلام , من خلال التداخل المخل
بين مفاهيم العقيدة , و الشريعة , و الرسالة ,
الذي نشأ عنه ظاهرة
التوسع المخل في مسألة الولاء و البراء ، ثم
برزت قضية التكفير وتعميماتها ، وأصبحنا نعيش
كما يقول المثل العامي هيصة داخلية , بين
العقيدة , والشريعة , والرسالة , لذا أرى أننا بحاجة
لإعادة نظر في فهمنا للعلاقة بين العقيدة ,
والشريعة , والرسالة , وترسيم الحدود الفقهية
بكل علمية وموضوعية بين هذه الدوائر الثلاثة ,
ولتتضح للأجيال بكل دقة حدود العقيدة
وفقهها في حياة الناس , وليكون مثل ذلك
التحديد بشأن الشريعة والرسالة , لاشك أن
المسلم عليه أن يكون راسخ الإيمان , بتكامل
وتمركز هذه الدوائر الثلاثة فيما بينها ,
وأنها وحدة لا تتجزأ من حيث مصدرها وغايتها
ومقاصدها , والتصنيف والترسيم المشار إليه
آنفاً , ليس إلا ترسيماً تخصصياً من حيث
الوظيفة والأداء , لا ترسيم عزل وتعطيل وفك
ارتباط , والرسالة بفهمي هي المبادئ والقيم
والمنطلقات من منهج الإسلام , التي تنظم علاقة
المسلم مع الكون والآخر , وترسم للناس المسار
الرباني المشترك , للنهوض بمسؤوليات عمارة
الأرض وصرف الفساد , مصداقاً لقول الله تعالى :
" ولو دفع الله
الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " ولقوله
سبحانه : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد " , ولتحقيق
التعارف من أجل العمل المشترك لتحقيق الأفضل
للجميع , وفقاً لقول
الله جلّ شأنه : " يا أيها الناس إن خلقناكم
من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
" ، إذاً هناك قيم شرعها الله سبحانه وتعالى
, لتحقيق المصالح المشتركة للناس جميعا ,
ولدفعهم وحفزهم على التسابق في عمل الخير ,
كما هو بين في قوله تعالى : "
أهم يقسمون رحمة ربك
نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا
ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم
بعضاً سخريا " ،
فالله سبحانه أقام قاعدة التسخير والحاجة بين
العباد , مثلما قرر مبادئ التدافع , والتعارف ,
والتنافس في الخير , هذه
القواعد والمبادئ بتقدير في الغالب غير
مفعّلة اليوم في حياة المسلمين , وغير مفعّلة
في حياة الناس أجمعين , ، التدافع الحضاري غير
مفعّل ، والتعارف البشري غير مفعّل ،
والتسخير والتعاون غير مفعّل , والتنافس في
الخيرات غير مفعّل , وفي إطار اهتمامي بهذا
الأمر , وجدتني أقرأ قول الله سبحانه وتعالى :
" وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين
يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم
بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من
الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " ، هذا
خطاب للناس جميعا " لكل جعلنا منكم شرعة
ومنهاجا " ثم تتابع الآية في سردها لمراد
الله " ولو شاء
الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما
آتاكم " ثم تأتي الغاية العظيمة والدعوة
الربانية الجليلة : " فاستبقوا الخيرات "
, ثم تختم
الآية في تنبيه الجميع إلى أمر بغاية الأهمية
والدلالة : " إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم
بما كنتم فيه تختلفون " ، فلا تكثروا الجدل
حول هذا الاختلاف في الشرائع ، بل اجعلوا هذه
التنوع في الشرائع مصدر إثراء ، ومصدر تعاون
ومصدراً للتسابق في الخيرات ، لكل جعلنا منكم
شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة
ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات
" .
وهناك قضية مهمة نحتاج إلى أن نقف عندها وهي مقولة : أن الغرب تقدم عندما فصل الدين عن الدولة , وهذه حقيقة واقعة وواضحة , ولكن يقابل ذلك حقيقة أخرى لها ما يؤكدها ويصدقها وهي : أن المسلمين وعلى أساس من التلازم والتكامل بين الدين والدولة , تقدموا في تاريخهم , وأشادوا صروحاً حضارية شامخة, ولربما أيضاً حققوا شيئاً من ذلك في بعض جوانب مشرقة من واقعهم المعاصر , فكيف يمكننا أن نحل هذا اللغز ؟ فلو جاءنا من يسأل أين الحقيقة ؟ أناس التزموا الدين فأفلحوا في حياتهم وتقدموا , وآخرون فصلوا أنفسهم عن الدين فتقدموا بعد تخلف , ما علاقة الدين في التقدم بميادين الحياة ؟ فأمة تقول أن التزامها بالدين كان مصدر تقدمها ورقيها , وأخرى تقول أن فصل الدين عن حياتها كان مصدراً لتقدمها , أين الحقيقة يا ترى ؟ أفيدونا رحمكم الله ! وأجيب قائلاً : إن مقولة أن الغرب فصل الدين عن الدولة , تحتاج بتقديري إلى إعادة نظر من قبل من يقول بها , فالغرب بفهمي لم يفصل الدين عن الدولة ، ولكنه فصل وأبطل المعوقات الدينية أمام مسيرة الحياة ومتطلباتها , المعوقات التي استحثتها الكنيسة ظلماً وعدواناً في وقت من الأوقات , ظناً منها أنه السبيل الأفضل , لربط الناس بالكنيسة واستمرار ولائهم لها , وخضوعهم لمنهج الهيمنة الكهنوتية , فوضعت قاعدتها المستهجنة من قبل كل ذي عقل , والتي تقول : أن الدين هو كل ما يتصادم مع العلم , فأقامت بذلك جداراً وحاجزاً بين الدين والتقدم الحضاري ، فجاء الرد بالثورة الصناعية التي تمردت على القيم اللاهوتية التي أحدثها سلطة الكنيسة , ونفض الغرب عن كاهله هذا الإرث البغيض , وحطم القيود الكهنوتية التي حبسته عن الحياة وميادين التقدم والارتقاء , إلا أنه بقي مرتبطا بالكنيسة في وجدانه وقيمه الروحية وتقاليده العامة , ثم عادة السلطة الكهنوتية واستدركت على خطيئتها بما أحدثته ومارستها من مفاهيم كهنوتية خاطئة , مما يتصادم مع فطرة الإنسان ونواميس الحياة , والتي كانت سبباً في عزلتها عن ميادين السير الحضاري , وانعزال الكثرة الكاثرة من أتباعها عن سلطتها, ووجدت نفسها بذلك مهجورة ومعزولة عن أبناء الكنيسة , الذين ساروا بركب حركة العلم والصناعة التي استجابت لطموحاتهم وتحديات زمانهم , والذين لقبوا أنفسهم بالعلمانيين رد منهم على ( الظلاميين ) من رجال السلطة الكهنوتية على حد تعبيرهم , فعقدت الكنيسة الكاثوليكية مؤتمرها الكهنوتي العالمي ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) لتستدرك على خطيئتها بشأن نظرتها تجاه الكون وحركة العلم , والذي استغرق الإعداد له ما يزيد عن سنتين من 1960 – 1962 , واستمر المؤتمر ذاته عبر دورات متتالية حتى نهاية عام 1965 م , حيث أصدر قراراته , ودساتيره , ومواقفه الدينية , من الأديان الأخرى , ومن العلمانية , حيث أعلنوا عن مصالحة دينية بين الكنيسة والعلمانية , ومما جاء في تقرير ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) بهذا الصدد : " أعاد المجمع الفاتيكان الثاني إلى الأذهان ( شعب الله ) و ( الكنيسة – جماعة المؤمنين ) , التي لا تقتصر على رجال الاكليروس , بل تشمل خصوصاً على العلمانيين , وتقدر رسالتهم حق قدرها , معيدة إليهم دورهم البارز والأساس في حياة الكنيسة وتاريخها , إنه المجمع الذي أولى العلمانيين اهتماماً كبيراً وفريداً , فأفرد لهم فصلاً في الدستور العقائدي ( الكنيسة ) , وقسماً لا يستهان به في الدستور الرعوي ( الكنيسة في عالم اليوم ) , وقـــراراً كاملاً يعيد إليهم اعتبارهم , ويؤكد رسالتهم المميزة " , إلى أن يقول التقرير : ( فإن عمل العلمانيين الرسولي والخدمة الرعوية يكمل كل منهما الآخر) , ويقول التقرير في موطن آخر عن العلمانيين : ( وإنه لواسع جداً ميدان العمل الرسولي على الصعيدين الوطني والدولي , حيث يكون العلمانيون وكلاء الحكمة المسيحية ) , ويختم التقرير قائلاً : ( فليرحب الرعاة بهؤلاء العلمانيين بارتياح وشكر , وليحرصوا على أن تكون أوضاعهم الحياتية متوافقة مع مقتضيات العدالة والإنصاف والمحبة , وليحرصوا كذلك على أن تتوفر لهؤلاء العلمانيين الوسائل اللازمة لتثقيفهم , وبنيانهم الروحي , وتشجيعهم ) . وبذلك أنهت السلطة الكهنوتية الكنسية الكاثوليكية عزلتها عن أبناء ديانتها , وطوت صفحة حقبة الصراع المرير مع العلمانية , التي تمردت بالأمس على قيودها الكهنوتية , المعوقة للسير في ميادين الحياة والإبداع والارتقاء , وأعادت إليها اعتبارها الديني الذي أسقطته عنها , بل وأوصت الرعاة الكهنوتيين - كما ذكر أعلاه - بهم خيراً , وبذلك يتأكد بأن العلمانية لم تنفصل قط عن الكنيسة وجدانياً وعقدياً وروحيناً , ولكن الكنيسة هي التي حبسة نفسها عن الحياة , وعن متطلبات فطرة الناس وانعزلت , أما العلمانية فقد مارست حقها في التمرد على المفاهيم الخاطئة التي أحدثتها السلطة الكهنوتية لصالح الهيمنة , ولمقاصد أخرى لا مجال للتفصيل فيها في هذه العجالة , ونحن المسلمين في المقابل عندما تقدمنا , كنا نفعّل قيم الدين والحياة , ونفعّل مبادئ ومقاصد رسالة الإسلام , التي تحثنا على البحث العلمي والإبداع , وتدعونا إلى العمل من أجل تسخير مكونات الكون , للنهوض بمسؤوليات عمارة الأرض , وقد ربط الإسلام ذلك كله بأساسيات الإيمان , وأدخله في دوائر الجزاء والثواب والعقاب , تأكيداً على التلازم والتكامل الأكيد بين محاريب العبادة الروحية , ومحاريب العبادة العمرانية والحضارية , والإسلام هو الدين الوحيد والمنهج الحياتي الفريد , الذي يكافئ الباحث المخطئ , تشجيعاً له على استمرارية البحث والنظر , في كل ما يحقق عمارة الأرض , ويوفر الخير والرفاهة للعالمين , أما الباحث الناجح المبدع فيضاعف له الأجر والثواب تقديراً له على إبداعه , ودفعاً له على المضي في ميادين البحث والارتقاء , وعندما تخلفنا وتقاعسنا عن تفعيل قيم الإسلام ورسالته في الحياة , واكتفينا بالارتباط الوجدان والعقدي والتعبدي الروحي بالإسلام , على غرار ما أرادته الكنيسة لأتباعها بالأمس , وعطلنا الحوافز الدينية والدعوة الربانية للأخذ بأسباب البحث العلمي والتكنولوجي , أصابنا ما أصابنا مما لا نحسد عليه , إذاً المسألة بتقديري متعلقة بتفعيل ميادين الحياة , أو تفعيل مرتكز ( فامشوا ) في حياتنا, الذي ينبغي أن يكون الرهان المشترك بين جميع الأمم , من أجل النهوض بمسؤوليات أمانة الاستخلاف في الأرض , ونحن اليوم كذلك في إطار إشكالية الأداء الحضاري , نعاني من إشكالية ظاهرة الاتهام المتبادل بيننا في البعد عن الإسلام , محاولة يائسة من بعضنا , للتستر أو تبرير خيبتنا وتخلفنا في ميادين الحياة , مثلما نواجه ظاهرة تعميم المؤامرة , والأخذ بمقولة التفسير التآمر المطلق للأحداث في حياتنا , لاشك أن المؤامرة موجودة , والفعل التآمري موجود , والمتآمرون ماضون في تطوير وسائل المؤامرة , ولا أحسب عاقلاً ينكر ذلك , ومن ينكر ذلك فهو إما غافل أو جاهل , إلا أن المرفوض هي ظاهرة الهوس التآمري , أو ظاهرة التفسير التآمري المطلق للأحداث , واتخاذ ذلك دريئة نخفي وراءها عجزنا , عن المفاعلة الجادة مع تحديات زماننا وأحوالنا , وهكذا أصبح هوس المؤامرة , وتهمة البعد عن الله , المشجب الصلب الذي تعلق عليه تعاستنا وعجزنا وخيبتنا للأسف , ومن المؤسف والمضحك والمبكي بنفس الوقت , هو أن الذي يقول ويردد تهمة البعد عن الله , إنما يقصد في الغالب شخصاً آخر , وأنه شخصياً بريء من هذه التهمة الخطيرة التي يرمي بها غيره ، ولو وجه أحد له مثل هذه التهمة لثار وأزبد , ولربما رد بعنف شديد على قائلها , إذاً هناك واحد آخر هو البعيد عن الله , وليس أنا وأنت في هذا المكان ، فنحن كلنا هنا قريبين من الله , والبعيد عن الله هو واحد آخر في مكان آخر , وطبعاً ذاك الآخر في المكان الآخر , يوجه التهمة لآخر غيره ربما نكون نحن في مكاننا هذا , لأنه بلسان حاله هو بريء كذلك من هذه التهمة , مثلما نحن بريئون من هذه التهمة بلسان حالنا , وبالتالي فالأمة كلها وبلسان حالها متهمة بالبعد عن الله , وكلها بريئة في نفس الوقت من هذه التهمة ، فتصوروا كم هي مخجلة هذه الحالة ؟ فالأمة كلها مع الله ,عندما يتحدث الإنسان منا عن نفسه ، وكلها بعيدة عن الله , عندما يتحدث عن الآخر , وبالتالي فالأمة كلها متهمة وكلها بريئة , لا شك أنها حالة خطيرة ومخيفة , ولنراجع معاً الحديث النبوي الشريف الذي اتخذ منه البعض مرتكزاً ليبرهن على صحة تهمة بعد الأمة عن الله , بل ويكاد البعض أن يحصر أسباب غثائية الأمة وتخلفها , بما جاء في هذا الحديث الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها , قال قائل أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ اسمعوا الجواب من الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لا بل أنتم يومئذ كثير " هذا الخطاب لمن ؟ للمسلمين , والمقصود بالسؤال هل المسلمون يومئذ قليل ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام : " لا " " بل أنتم " ( أي المسلمين ) يومئذ كثير , ولكنكم غثاء كغثاء السيل " ، العلة إذاً في الغثائية , وليست متعلقة بمسألة الإيمان ومراتبه , أو بسبب من نقض الناس لعرى الإسلام , كما يحلو للبعض أن يفسر ويعلل حالة الراهنة للأمة ، فالعلة هي في غثائية الأداء ، وهذا ما عبرت عنه بإشكالية الأداء , إذاً أود أن أؤكد أن الإشكالية عندنا ليست إشكالية إيمانية , إنما هي إشكالية في أدائنا لقيم ومبادئ الإسلام ، فالعلة في غثائية الأداء , وليست في ثوابت
الإيمان والإسلام ، ومن جهة أخرى فالتهمة هي
تهمة أداء , وما ينبغي أن تكون تهمة بعد عن
الله ومجافاة لدينه , لا شك أن الإيمان يزيد
وينقص , وهذا أمر مؤكد بالنصوص من الكتاب
والسنة , إلا أن الأمر لا يبلغ حد التنكر
والمجافاة لدين الله , وبسبب
من هذه الغثائية فإن الله تعالى رتب علينا
عقوبتين : "
ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم ,
وليقذفن في قلوبكم الوهن " قيل
وما الوهن يا رسول الله ؟
قال عليه الصلاة والسلام : " حب الدنيا
وكراهية الموت " هاتان العقوبتان بسبب ماذا
؟ بسبب الغثائية ، وما المقصود بالغثائية يا
ترى ؟ المقصود هنا غثائية الأداء والمفاعلة
مع الكون وتحديات الحياة ,
وليست غثائية الإيمان والبعد عن الله ، بل
أنتم يومئذ كثير ، ولو أخذنا بمقولة غثائية
الإيمان والبعد عن الله , لوقعنا بحرج شديد في
قراءة الكثير من مواقف ومراحل تاريخنا
الإسلامي , الذي
تكتنفه حالات عديدة من النجاح والإخفاق , نحن
مررنا بفتن والتقينا بسيوفنا وسفك دماؤنا
بأيدينا , فهل يجرؤ أحد على اتهام خيرة
الصحابة بإيمانهم بسبب ما وقع بينهم من فتن ؟
ولكن من السهل القول : أن سبب تلك الفتن هو
خلل في اضطراب مفاهيم الأداء السياسي في
مسيرة تلك المرحلة , وبسبب
خلل في فقه إدارة شؤون الحياة ، فهم بشر
يصيبهم ما يصيب البشر من خلل وخطأ , وتبقى
القضية في كل زمان مرتبطة بأسباب خلل ما , يطرأ
على مفاهيم فقه الحياة ، وبالتالي يجب ونحن
نحاول قراءة حالة تخلفنا , أن نتحول بأنفسنا
من جدلية تبادل تهمة الإيمان , إلى موضوعية
معالجة إشكالية تخلفنا في
ميادين الأداء
الحضاري , لقد نجحت الأمة يوم أن كانت متفوقة
في أدائها الحضاري , وعندما تخلفت عن أدائها الحضاري في
ميادين الماديات والوسائل والمهارات , أصابها
ما أصابها من الغثائية والوهن والهوان ,
والإشكالية الدينية الثانية في منهجنا , في
إطار إشكالية أدائنا الحضاري , هي إشكالية
اضطراب الفهم بين مسؤوليات تدين الفرد ,
ومسؤوليات تدين الدولة , أو اضطراب مفاهيم فقه
تدين الفرد , ومفاهيم فقه تدين الدولة , وبداية
أقول : أن فقه تدين الأفراد غالباً يقوم على
الأخذ بالتحوط والعزيمة
( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )
, بينا تدين الدولة يدور حول تحقيق
المصالح ومراعاة حال عموم الأمة ( سيروا بسير
أضعفكم ) , وبذلك يغلب على فقه تدين الأفراد
الأخذ بالعزائم , بينما يغلب على فقه تدين
الدولة الأخذ بالأيسر والرخص , وفي ميادين
القتال فإن فقه الأفراد يميل إلى التضحية
والفداء , بينما فقه الدولة يقوم على الأخذ
بأسباب السلامة وحقن الدماء , وأضرب لذلك
مثلاً من السيرة وبما تصرف به أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حيال صلح
الحديبية , وكيف خاطب أبا بكر مستنكراً شروط
الصلح , التي وقعها رسول الله صلى الله عليه
وسلم مع مفاوض قريش سهل بن عمر قائلاً : ألسنا
بالمسلمين ؟ , أليس برسول الله
؟ لما نضع الدنية من أنفسنا ؟! فيرد عليه
أبو بكر الصديق : مه يا عمر إني أعلم أنه نبي ,
فيضطر عمر للذهاب إلى مخاطبة الرسول - صلى
الله عليه وسلم - مباشرة : ألست برسول الله ؟
ألسنا بالمسلمين ؟ لما نضع الدنية من أنفسنا ؟!
فيشيح رسول الله بوجه عن عمر , تعبيراً
لعمر عن رفضه لما ذهب إليه – رضي الله عنه
- من فهم لفقه هذا الصلح , وأمضى رسول الله صلحه
مع القوم في إطار التفاصيل المعروفة لأهل
العلم , وفي طريق العودة إلى المدينة المنورة ,
أنزل الله تعالى على نبيه – صلى الله عليه
وسلم سورة الفتح , تأييداً لما وقع في صلح
الحديبة , فأخذ عمر يردد أفتح هذا ؟! فيجيب صلى الله عليه وسلم مداعباً :
أجل إنه فتح ورغم أنف عمر , مما ولد الندم عند
عمر – رضي الله عنه عما بدر منه يوم صلح
الحديبية , فبقي طول حيلته يردد : يومان يؤرقان
عمر , يعني يوم الحديبة , واليوم الثاني , يوم
أن حاول يستغل حاجة المرأة اليهودية , التي
أحسن إليها وأكرمها , فدعاها للإسلام فأبت
فخشي أن يكون تصرفه ذاك من الإكراه في الدين ,
رضي الله عنك وأرضاك يا أبا حفص ,
لقد كنت أواباً للحق , مثلما كنت صداعاً به
, يخافك الشيطان
ويهابك , فما سلكت فجاً إلا وسلك فجاً آخر , فلا
بد من العمل على إنهاء مثل هذا الخلل بين فقه
تدين الأفراد , وفقه تدين الدولة , لينتظم صف
الأمة وفق فهم راشد , لفقه الدولة والعلاقات
الدولية في منهج
الإسلام العظيم , أما إشكاليتنا الدينية
الثالثة في إطار إشكالية أدائنا الحضاري , هي
إشكالية الاضطراب بين فقه التمايز العقدي
للأمة , وفقه المشترك العمراني أو الحضاري
بينها وبين الآخر , وهذه مسألة تحتاج بتقديري
إلى محاضرة خاصة , يفرد لها وقتاً كافياً
يتناسب مع أهميتها وخطورتها , وعلى أي حال
سأقول كلمات معدودات بهذا الشأن , لعلها تلقي
الضوء على أبعاد هذه المسألة المهمة , لاشك أن
الأمة الإسلامية مثل غيرها من الأمم , لها
عقيدتها الدينية الخاصة بها , التي تتميز بها
عن غيرها من العقائد الدينية والروحية , ولها
كذلك تمايزها الثقافي في إطار التعددية
الثقافية البشرية , ومن الاعتقاد في الإسلام
أن حياة الإنسان كلها في عبادة الله ( وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون ) , والعبادة في
الإسلام على نوعين : عبادة روحية تتعلق بأركان
العقيدة , وتتمثل في توحيد الله تعالى وعدم
الشرك به , وإقامة الصلاة , وصوم رمضان , وأداء
الزكاة , والحج إلى
بيت الله الحرام في العام مرة على الوجوب ,
وتتكامل مع هذه العبادات عبادة من نوع آخر
أسميها العبادة العمرانية أو العبادة
الحضارية , فنحن إذاً أمام عبادتين في الإسلام
عبادة روحية وأخرى عمرانية , والعبادة
العمرانية هي المعنية بالنهوض بمسؤوليات
أمانة الاستخلاف في الأرض , وحيث أن الناس
جميعاً مكلفون بمهمة الاستخلاف , إذاً نحن
جميعاً شركاء بأداء مهمة الاستخلاف , وبما أن
أداء مهمة الاستخلاف واجب رباني , فمن قام بها
طاعة لله وامتثالاً لأمره فهو في عباد ة , وهذه
العبادة مثل أي عبادة لها ثوابها في الآخرة ,
ولها جزاؤها ومنافعها في الدنيا , والعباد
بحسب نياتهم ورضى الله تعالى عن اعتقادهم ,
فهم مع هذا النوع من العبادة على مرتبتين :
مرتبة ينال أهلها معها ثواب الآخرة مقروناً
بمنافع الدنيا , والمرتبة الثانية
ينال أهلها معها منافع الدنيا كاملة غير
منقوصة , ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب في
الثواب , وعلى أساس من هذا الفهم , تحل بتقديري
إشكالية التمايز العقدي , في إطار المشترك
العمراني بين الناس جميعاً , وتنتفي من جهة
أخرى مفاهيم التناقض الوهمي عند بعضنا , بين
التمايز العقدي الديني , وبين مسؤوليات
النهوض بمهمة أمانة المشترك العمراني ,
لتحقيق مراد الله تعالى في عمارة الأرض ,
وإقامة العدل بين الناس , وبعد وفي إطار ما عرض من تصورات
ومفاهيم , فإنني أحسب أن وجوب التعاون فيما
بيننا أصبح ملحاً , من أجل إنهاء إشكالية
أدائنا الديني والثقافي , ليستقيم مع حقيقة
مقاصد رسالة الإسلام , مثلما هو ملح كذلك وجوب
التعاون مع غيرنا , من أجل بلورة إطار لثقافة
عالمية مشتركة , تكون أساساً لأداء حضاري
عالمي مشترك , يكون أكثر تلاؤماً , وأكثر
انسجاماً مع احترام حياة الإنسان , وكرامته ,
وحريته , وسلامة البيئة , وليكون الأداء
الحضاري العالمي كذلك جديراً , بأن يحقق التعايش البشري العادل
والآمن بين المجتمعات .
رئيس
المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
الأمين
العام لمؤتمر العالم الإسلامي
في
مقر
منتدى
الفكر العربي – عمّان – المملكة الأردنية
الهاشمية
10
رمضان 1424هـ الموافق 04 نوفمبر 2003 م