بعد العاصفة

    بقلم: معالي الأستاذ كامل الشريف

 

من الواضح – الآن – أن الحملة الإسرائيلية على لبنان لم تكن بنت الساعة، ولم تكن ردة فعل مرتجلة لحادث اختطاف الجنديين، وإنما عملاً مبيتاً مدروساً ينتظر المناسبة المواتية للتنفيذ.

كانت إسرائيل تأمل في استئناف الحرب الطائفية في لبنان حين تصوّر المقاومة اللبنانية وكأنها السبب في حجم الدمار الذي أصاب لبنان، لكن التفاف الشعب اللبناني حول تلك المقاومة أحبط هذه الخطة، ويكفي أن نستمع إلى تصريحات الرئيس السابق "الماروني" ميشال عون، ورئيس الجمهورية الحالي اميل لحود في الإشادة بالمقاومة ووضع اللوم برمته على إسرائيل.

أما حجم الهمجية وضراوة التدمير العشوائي للمؤسسات والمرافق اللبنانية، فلم يكن عملاً عشوائياً كذلك، ولكن قصد منه إعطاء درس لا ينسى إلى لبنان والعرب من ورائه وهو أن إسرائيل مستعدة لنقل "عاصفة النار" التي تحدّث عنها رئيس الأركان الإسرائيلي إلى كل من تسول له نفسه أن يهدد أمن إسرائيل، ولم يكن حظ الهدف الثاني في النجاح أكثر من الهدف الأول، لأن التدمير لم يكن في جهة واحدة فإسرائيل نالها نصيب من التدمير وجرّب أكثر من مليون من سكانها حياة الملاجىء وجحيم الهجرة، وإذا كان هناك درس وحيد يجب استيعابه من هذه المعركة، هو أن إسرائيل لن تكون قادرة بعد اليوم على إحداث تدمير في أي بلد عربي دون أن يقع عندها تدمير مماثل.

وإذا كان هناك من رسالة فقد اتجهت هذه الرسالة للمواطن الإسرائيلي: أن الخوف والتدمير سوف يأتي مضاعفاً ولن يكون بوسعه أن يدمـّـر جيرانه وهو يتمتع بالأمن والسكينة.

وأن ليس بوسع سلاحها الجوي أو البحري أن يسيطر على الأجواء والمياه العربية دون رقيب أو حسيب، وهذا الميدان هو الذي يجب أن تتجه إليه التكنولوجيا العربية والمال العربي دون تأخير.

وكان من أهداف الحملة تدمير المقاومة اللبنانية ك "نموذج" للعصابات العربية التي تعمل من قطاع غزة، ويمكن أن تتشكـّـل مستقبلاً في بلاد أخرى، غير أن هذا الهدف لم يتحقق أيضاً باعتراف كبار جنرالات إسرائيل، بل أن الفشل قد فجـّـر التناقضات في قلب الدولة العبرية كما أخبر آمون كابيلوك في تقرير نشره من القدس المحتلة في جريدة لوموند الديبلوماسية حيث قال "ان التلفزيون الإسرائيلي قد نقل مشاهد من المظاهرات والاعتصامات التي نظمها الجنود الاحتياطيون، والتي نقلت المرارة، وخيبة الأمل، والغضب، التي خيمت على إسرائيل، بعد حرب شاقة لم ينجح جيش إسرائيل الذي يعتبر من أقوى جيوش العالم فيها من قهر عصابات لا تتجاوز بضعة ألوف".

ثم نقل كابيلوك في ختام تقريره السؤال الذي أصبح يتردد في المحافل السياسية الإسرائيلية: ألم يحن الوقت للدولة اليهودية لتبحث عن ضمانات المستقبل في غير قوّة عسكرية من الواضح أنها خادعة وتستبدلها بمفاوضات مخلصة وجادة مع جيرانها اللبنانيين، والفلسطينيين، والسوريين وغيرهم" وخصوصاً بعد أن أثبتت حرب لبنان فشل نظرية الحلول الأحادية التي عمل لها شارون وأولمرت".

وإلى جانب هذه الأهداف العريضة يبقى الهدف الأكبر الذي حاولته في مرّات سابقة من تدمير كيان منافس في لبنان يقوم شاهداً على فساد النموذج الإسرائيلي الذي يقوم على كيان طائفي أحادي هو الدولة اليهودية التي تخيلها هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، في حين يقوم لبنان مثالاً على التسامح والتعددية والوفاق الطائفي، وكان لا بد أن تصطدم النظريتان على النحو الذي رأيناه.

لا نود أن نخوض في تفاصيل قرار مجلس الأمن رقم  ( 1701)  حول القتال في لبنان، ونترك التعليق عليه للمعلقين الدوليين من كل الإتجاهات، غير أن هذا القرار كغيره من قرارات الأمم المتحدة يمكن أن يتحول إلى حروف ميتة مع الزمن، كما أنه قرار مطاط يمكن تحويره وتفصيله وأخذ الجوانب الحسنة فيه دون السيئة، وكم من قرار اتخذته الأمم المتحدة عن حقوق الفلسطينين، وعودة اللاجئين، وعدم جواز الإستيلاء على أراضي الغير بالقوة المسلحة، لعبت  به إسرائيل وحلفاؤها حتى اجهضوه وأدخلوه في زوايا النسيان، كما يقول أوسكار وايلد"إن هذه القرارات أشبه بالشيكات التي تذهب بها إلى بنك ليس فيه رصيد!".  ومهما يكن من أمر فأن هذه الحرب قد كشفت من جديد الحقيقة الكبرى وهي أن هذا الكيان الإستعماري الدخيل "إسرائيل" قد فرض على الشرق العربي أن يعيش في مناخ حرب طويلة مهيأة دوما لأن تنفجر على صورة أو أخرى في أي زمان، وأي مكان، وأن هذه الحالة سوف تدوم حتى يخرج في إسرائيل من يرى الحقيقة ويملك الجرأة ليتعامل معها.

والحقيقة الأخرى التي كشفت عنها الحرب هي أن جيش إسرائيل المدعوم بالترسانة الأمريكية يصعب مواجهته في حرب نظامية، وأن الأسلوب الفعال هو حرب عصابات تشنها جماعات مؤمنة منظمة، ومستعدة للحرب الطويلة على غرار المقاومة اللبنانية، بحيث تكون الجيوش النظامية مستعدة للدفاع عن أرض الوطن، كما يقول هوشيه منه زعيم فيتنام، وأحد أهم قادة حرب العصابات في العصر الحديث "إن من المستحيل على الجيش النظامي القضاء على العصابات، إذا استطاعت ان تقنع الشعب بسلامة الهدف الذي تعمل له، وكلما عزز الجيش النظامي قدراته العسكرية، كلما أصبح هدفا سهلا للعصابات". ولا شك أن اقناع الشعب اللبناني- بكل فئاته- بسلامة الهدف وصدق الرسالة، قد حمل هذا الشعب الصغير على مقاومة الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتحمل أعمالها الوحشية، وقد ساعد هذا الاستبسال البطولي للمقاومة على تحقيق النصر.

ولعل إسرائيل قد ادركت الآن أن الإستراتيجية الصهيونية القديمة القائمة على القتل والتدمير، وافتراض أن إرادة الأمة العربية يمكن أن تسحق بالدبابات والطائرات إستراتيجية محكوم عليها بالفشل. فقد رأينا مشاهد النسوة على أطلال بيوتهن المهدومة في قرى صيدا وصور، يعبرن عن تأييدهن للمقاومة  وتوعدهن لإسرائيل، ورأينا نفس المشاهد في قرى قطاع غزة، ومن يحتاج إلى أدلة بعد أن حملت الإنتخابات الحرة رجال حماس إلى مقاعد الحكم، وكان الشعب الفلسطيني يدرك معنى هذا الإختيار وضريبته في عالم يقوم على النفاق وتعدد المقاييس والموازين. لقد اتضح الآن أن سياسة القتل والتدمير مهما اتسع نطاقها لن تدمر إرادة الشعب العربي، وانها ستلهب ضراوة الحقد وطلب الثأر، وتهئ الأرض لقيام أحزاب مقاومة جديدة على غرار حزب الله وحماس، وإذا كانت الظروف السياسية العابرة قد منعت هذه الأحزاب من الوصول إلى ساحة المعركة، فإن نبض الشارع  العربي يوحي أن المستقبل القريب أوالبعيد كفيل بأن يزيل هذه العقبات، ولاشك أن عناد إسرائيل وسياستها العمياء كفيلة بأن تعين على بلوغ هذه النتيجة. وإذا كان هذا هو المصير المحتوم لإستراتيجية العنف الصهيوني فهو نفس المصير لسياسة الفصل الأحادي الذي بشر به اريل شارون وتبناه خليفته يهود اولمرت، وامتداداته المتمثلة في الجدار العازل، والإستيطان الكثيف في الضفة الغربية على أمل خلق امر واقع على الأرض يستحيل تغييره، وتدور المفاوضات من حوله على ما بقي من الأوصال والفتات.

 في مقام الترويج لفكرة الإنعزال والإنكفاء على الذات سمعنا بعض مفكري إسرائيل يتحدثون عن مثال "اسبارطة" التي اعتزلت مدن اليونان القديمة، واقامت حول نفسها الأسوار، ودربت شبابها على الحرب الوحشية، حتى أكلوا اللحم البشري، وقتلوا الأطفال، كما أفتى حاخامات إسرائيل مؤخرا، لكن كل ذلك لم يحمها من أمواج الحقد والكراهية من حولها، ولم يبق منها الآن سوى أطلال خربة يشاهدها السائحون في اليونان. وقد تستطيع إسرائيل أن تعيش حياة "اسبارطة" القديمة من وراء الأسوار والحصون والدروع، لكن ذلك لن يحميها من أمواج الحقد التي تدور حولها كما تدور العواصف حول الشجيرات الغضة حتى تقتلعها من الجذور.

 الغريب أن إسرائيل التي تموج بالفلاسفة والمفكرين لم تدرك هذه النتائج، ولم يظهر فيها أمثال شارل ديجول الفرنسي الذي أدرك عبث السياسة الفرنسية الاستعمارية في الجزائر، وآثر الإنسحاب وأقامة علاقات ودية مع شعب مستقل، فأعفى وطنه من نزيف الدم، وارتكاب حماقات وجرائم تشوه وجه الحضارة الفرنسية، ولا أزال أذكر ما قاله لي الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني مفتى القدس ذات يوم، حين لقي الجنرال ديجول سرا بعد هربه من ألمانيا، قال المفتى "لقد ورد على لساني مرتين كلمة الإستعمار الفرنسي في الجزائر، فصوب الي الجنرال نظرة عميقة ثم قال: أنتم العرب آخر من يحق لهم الحديث عن الإستعمار، لقد قضينا في الجزائر عشرات السنين حاولنا فيها أن نغير الدين واللغة، وحين قررنا الخروج تبين لنا أن وجودنا لم يكن أكثر من ورقة هشة على سطح الماء! أما أنتم فقد غيرتم الأديان والعقائد واللغات في بضع سنين، قال المفتى للجنرال ديجول: إنها النبوة يا سيدي الجنرال وليس الإستعمار، ودليل ذلك أن العرب حكمهم الترك والمماليك والزنج فترات من التاريخ". ذكرت هذه القصة في معرض التذكير بعبثية الحكم الإستعماري وضحالته وفنائه المحتوم في آخر المطاف.

كان بن جورين المؤسس الحقيقي لإسرائيل الحديثة يقول : أعطونا الزمن الكافي ليموت الجيل الفلسطيني الأول الذي عايش فلسطين، وشم الورود في بيارات البرتقال في يافا وحيفا وعكا، ويجيء الجيل الثاني الذي لم يعرف فلسطين إلا سماعا، وعندها سوف تنتهي القضية ويقبل العرب بإسرائيل! فماذا عسى أن يقول بن جوريون لو استيقظ الآن وشاهد أن الجيل الذي يقاتل جنود إسرائيل هو الجيل الثالث أو الرابع من أبناء فلسطين، وأن العرب والمسلمين يحشدون المظاهرات على امتداد القارات تأييدا للمقاومة، ويتحفزون للمشاركة فيها حين تتهيأ الظروف، وسبب ذلك أن إسرائيل قامت على الباطل، وأن هذا الباطل ينمو للعيان بمرور الزمن، وسيكون من المحال أن يصنع الوقت من الباطل حقا، ومن الظلم عدلا، ومن قهر الشعوب سبيلا للتعايش والسلام، كما يقول جلادستون "إن إستمرار الظلم هو أقصر طريق لإنهيار الحضارات".

لقد أجمع العالم على كفاءة المقاومة اللبنانية، ونظامها، وقدراتها العسكرية، بالرغم من الصعوبات التي أحاطت بها، ونتوقع الآن من قادتها ألا يضيعوا الوقت الثمين في الإحتفال بالنصر، وهو نصر – حتما- بكل مقاييس حروب العصابات، ويكفي أن جيش إسرائيل الذي يعتبر من أقوى جيوش العالم لم يستطع كسر شوكتها، وبقيت حتى اليوم الأخير قادرة على ضرب أعماق إسرائيل، والتصدي لجحافلها المدرعة على أرض الجنوب، نقول أننا نتوقع من قادتها أن ينكبوا على دراسة نتائج معركة قابلة للإنفجار في أي لحظة، وأن يبحثوا في وسائل تأكيد الإلتحام مع الشعب اللبناني بكل طوائفه وفئاته، وأن يقيموا بدائل عن المواقع والطرق التي أصابها التدمير، والتي يمكن أن تدمر مرة أخرى، وأن يزيدوا من قدراتهم القتالية والصاروخية، والإفادة من التأييد الواسع الذي انعكس في مظاهرات عارمة في مدن أندونيسيا، وباكستان، وتركيا، إستعدادا لمعركة يمكن أن تأتي بأسرع مما نتصور.

لقد ظهرت خلال المعركة نغمات لعبت على أوتار الطائفية والمذهبية، وبصرف النظر عن نوايا أصحاب هذه النغمات، فإن الوضع القائم في العراق يشكل ثغرة خطيرة، ويعطي وقودا لهذه النغمات، وعلى عقلاء الأمة من الناحيتين العمل السريع لتلافي التدهور، واذا كنت لا أقف طويلا عند هذه النقطة الحساسة، فقد نقلت مخاوفي لبعض القادة من الناحيتين، ولكن أعتقد أن من الممكن بل من الضروري تطويقها قبل فوات الأوان. ويجب على المقاومة اللبنانية كذلك أن تبرز الهدف السامي المشترك مع الشعوب العربية، وهو مواجهة التحدي الصهيوني الرابض على قلب الأمة العربية، واذا كنا نشارك لبنان والمقاومة اللبنانية في سعيهما لتحرير مزارع شبعا، إلا ان هذا الهدف- وحده- لا يشكل القضية المقدسة التي تجمع كلمة العرب وتشد جحافلهم إلى فلسطين، وتقودهم لبذل المال والتضحيات. 

لقد بنت المقاومة لنفسها رصيدا ثمينا بين الشعوب الإسلامية، يجب الحفاظ عليها واستغلالها والبناء فوقها، وقد تمثل مقاومة الشعب اللبناني في تاريخ التصدي للإستعمار الصهيوني دور عماد الدين زنكي وأولاده في ملحمة الحروب الصليبية حين انطلقت من ديارهم الشرارات الأولى لمقاومة الغزو الإستعماري بعد فترة طويلة من الركود. ثم لم تلبث هذه الشرارات أن استحالت إلى لهيب عارم ظل ينمو ويتفاعل حتى أحرق الغازي وحرر بيت المقدس.