مذكرة عن
مسيرة الحوار في التاريخ المعاصر

بمناسبة زيارة

خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله للفاتيكان والتقاء البابا

 

يشكك الغرب اليوم في مصداقية تحدث المسلمين عن الحوار .. ويتهمنا بالمراوغة ونحن ندعو للحوار ونعقد له الندوات والمؤتمرات .. ويدعي بأننا لا نعمل ما نعمل بشأن الحوار إلا محاولة منا لرد تهمة الإرهاب عن أنفسنا.. ومن أجل تحسين صورتنا المشوهة لديهم. ونحن نرد تهمتهم مؤكدين أن الحوار نزعة وجدانية في تكويننا التربوي .. ونقول لهم إن كان الحوار عندكم وسيلة وضرورة طارئة للتعامل مع ظروف صعبة واستثنائية في حياتكم .. فالحوار عندنا واجب ديني ونهج حضاري ومسلك أخلاقي .. فالإسلام أوجب التعارف بين الأمم والثقافات والحضارات .. وأسس نهجنا وصاغ ذهنية أتباعه على اتخاذ الحوار مسلكًا في التعامل مع بعضنا وفي التعامل مع الآخر .. وجاء نهج القرآن نهجًا حواريًا .. إجلالاً لعقل الإنسان .. واحترامًا لحقه في الاختيار ..  وسيرة المسلمين وتاريخهم يؤكد هذه الحقيقة .. وتاريخهم المعاصر يصدقها ..  ومن أبرز محطات مسيرة الحوار في تاريخنا المعاصر :

· المبادرة التاريخية التي قام بها الإمام المؤسس للمملكة العربية السعودية , جلالة الملك عبد العزيز – يرحمه الله تعالى -عندما عقد مؤتمراً عالمياً في مكة المكرمة عام 1926م, دعا إليه قادة النضال الوطني في البلدان العربية والإسلامية.. وكانت جميعها يومئذ تحت سطوة الاستعمار الأجنبي , وتدارسوا أوضاع الأمة وما يواجهها من تحديات. وانبثق عن المؤتمر أول منظمة إسلامية عالمية سميت (  مؤتمر العالم الإسلام  ) , وأسندت رئاسة المؤتمر لسمو الأمير فيصل بن  عبد العزيز, حيث كان إذاك نائباً لجلالة الملك عبد العزيز في الحجاز, ووضعوا ميثاقاً عاماً للمؤتمر, ومن أبرز ما جاء فيه :

1.  العمل على تحقيق التضامن العربي والإسلامي,

2.  السعي لفتح الحوار مع الثقافات والحضارات,

ولا يزال المؤتمر برئاسة معالي الدكتور عبد الله بن عمر نصيف.. يتابع نشاطه على المستويات العربية والإسلامية والعالمية, وهو أول منظمة إسلامية عالمية يحصل على العضوية الرسمية في الأمم المتحدة وله فيها ممثل دائم .. وكذلك ممثل لدى مقر الأمم المتحدة في جنيف .. وله مكاتب في عدد من بلدان العالم.

·  والمحطة الثانية هي اللقاء التاريخي في الرياض عام 1972 م , بين نخبة من رجال الفكر والقانون من أوروبا يرأسهم معالي السيد ماك برايد وهو شخصية أوربية متميزة ( فهو مستشار البابا بولس السادس, ورئيس المجلس الأوربي , ووزير خارجية أيرلندا, ورئيس اتحاد الحقوقيين الدوليين ,وأستاذ القانون في جامعة دبلن ), ونخبة من كبار العلماء في المملكة العربية السعودية يرأسهم معالي الشيخ محمد الحركان -وزير العدل , ولهذا اللقاء سبب جدير بالذكر والتوثيق وهو :

كانت الأمم المتحدة توجيه في كل عام خطابًا إلى المملكة العربية السعودية , تطلب إعادة النظر في تحفظها على ثلاثة مواد من مواثيق الأمم المتحدة وهي: المادة الثامنة, والمادة السادسة عشرة, والمادة الثامنة عشرة. .وتختم الأمم المتحدة خطابها قائلة: ( نذكركم بأن ميثاق الأمم المتحد فوق المواثيق الوطنية والإقليمية ).

فكان الملك فيصل يرحمه الله يرد على خطابهم بخطاب مختصر,يؤكد إصرار المملكة على تحفظها بشأن تلك المواد,ويختم خطابه قائلاً: (نفيدكم بأن المملكة العربية السعودية دستورها القرآن والقرآن فوق ميثاق الأمم المتحدة ).

وذاع صيت الرسالة السعودية في أوساط الأمم المتحدة وخارجها , مما حفز نخبة من الساسة ورجال القانون الأوربي على التفكير بزيارة المملكة العربية السعودية,للقاء علمائها للتعارف وللوقوف على حقيقة : ( أن القرآن فوق ميثاق الأمم المتحدة ) .. وعقد الوفد الزائر مع علماء السعودية على مدار أسبوعين جلسات حوار حول كثير من المسائل والتساؤلات تتعلق بالشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في المملكة , وفي ختام الزيارة سُئل البروفيسور ماك برايد ما هو انطباعكم عن زيارتكم للمملكة العربية السعودية وحواركم مع علمائها ؟ فأجاب : أستطيع أن أقول وباختصار : أن من حق المملكة القول : أن القرآن فوق ميثاق الأمم المتحدة .

·    والمحطة الثالثة في عام 1974م توجه وفد رفيع المستوى من علماء ورجال الفكر في المملكة العربية السعودية, برئاسة وزير العدل يومئذ معالي الشيخ محمد الحركان -يرحمه الله -  للحوار مع نظرائهم من رجال الدين والفكر والقانون في أوربا,حيث عقد الوفد عدداً من اللقاءات في الفاتيكان -روما , باريس,  ستراسبورغ , المجلس العالمي للكنائس.. وحصل لقاء مع بابا الفاتيكان بولس السادس .. وجرى حوار مطول مع كرادلة الفاتيكان.

·  وفي عام 1992 توجه وفد من العلماء من السعودية والعالم الإسلامي برئاسة معالي الدكتور عبد الله عمر نصيف/ أمين عام رابطة العالم الإسلامي يومئذ .. وكان ذلك بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – يرحمه الله تعالى -لعقدت لقاءات حوار مع عدد من الهيئات الثقافية والدينية في كل من باريس , والفاتيكان , وجمعية سانتا أجيدو , والمجلس الأعلى للكرادلة الأسبان -بمدريد.. وتم لقاء مع بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني بحضور عدد من كرادلة الفاتيكان .. وجرى حوار مطول ومما قاله الوفد المسلم في بداية تخاطبه مع زملائه من الكاثوليك "

" نحن ما جئنا لنأسلمكم ..! رغم أن ذلك رغبة قائمة في نفوسنا.. لأننا نحب أن يكون الناس على مثل ما نحن عليه من الاعتقاد والإيمان.. ونأمل ألا تحاولوا تنصيرنا ..! مع علمنا أن هذه كذلك رغبة قائمة في نفوسكم .. لأنكم تحبون أن يكون الناس على مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد والإيمان .. إذًا لماذا جئنا ..؟ نحن جئنا لأننا نرى أن المسير البشرية في خطر.. وإسلامنا يأمرنا ويحفزنا لأن نعمل ما يمكن عمله .. من أجل ترشيد المسيرة البشرية .. لتكون مسيرة عدل , وأمن , واستقرار , وسلام .. تجّل بها قدسية حياة الإنسان وكرامته .. وتصان البيئة من الفساد والإفساد .. ويتحقق بها تعايش آمن بين المجتمعات .. فهل لديكم رغبة للتعاون من أجل تحقيق هذه الغايات النبيلة ..؟  قالوا : نعم ..! "

  وانتهى الأمر إلى عقد العزم على متابعة الحوار بين المسلمين والمسيحيين لتحقيق هذه الأهداف الجليلة.. ووقع الوفد اتفاقيات للحوار مع تلك الجهات.. وصدرت بيانات مشتركة.

· وفي عام 1994 التقى وفد إسلامي عالمي برئاسة معالي الدكتور أحمد علي أمين عام الرابطة إذاك ويتكون الوفد من : مؤتمر العالم الإسلامي ,والمؤتمر العام لبيت المقدس,  ورابطة العالم الإسلامي, والأزهر, والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة ,ومنظمة المؤتمر الإسلامي ممثلة " بالإسسكو " , مـع وفد يمثل الكنائس الكاثوليكية في العالم بقيادة رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان في الفاتيكان , ووقع الوفــــدان اتفاقية للحـــــوار المنتظم سنويًا, لتدارس موضوعات محددة تتعلق بتصحيح المسيرة الحضارية المعاصرة.. ويتولى المنتدى الإسلامي العالمي للحوار أمر تفعيل انتظام هذه الاتفاقية سنويًا.

· في عام 1997م  وبمبادرة من معالي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد/ الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إذاك .. عقدت ندوة عالمية " حول القدس " في مقر المركز الإسلامي الثقافي في روما .. شارك فيها وفد من علماء  السعودية برئاسة معالي الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ / ووزير العدل , ووفود من الفاتيكان , وكنائس الشرق الأوسط , ومنظمة المؤتمر الإسلامي .. وجمع غفير من المفكرين والسياسيين من أنحاء العالم .. وافتتح الندوة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نواف / سفير خادم الحرمين الشريفين في روما.. وخاطب الندوة كل من الملك فهد بن عبد العزيز ,والملك الحسن الثاني , والملك الحسين بن طلال ,والرئيس ياسر عرفات – رحمهم الله تعالى جميعًا , والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي , والأمين العام لجامعة الدول العربية.. وغيرهم من كبار المسؤولين المسلمين والمسيحيين , وجرى حوار بين وفد من المشاركين في الندوة برئاسة الدكتور العبيد وبين وفد من الفاتيكان برئاسة الكاردينال توران وزير خارجية الفاتيكان.. وذلك في مقر وزارة الخارجية في الفاتيكان.

· وفي عام 1998 أسس مؤتمر العالم الإسلامي في إطاره بجدة هيئة عالمية متخصصة بالحوار تحت مسمى ( المنتدى الإسلامي العالمي للحوار ), و المنتدى يضطلع بمهمة التنسيق في ميادين الحوار بين ما يزيد عن مائة منظمة إسلامية عالمية منها( الأزهر, رابطة العالم الإسلامي ,الندوة العالمية للشباب الإسلامي , المؤتمر العام لبيت المقدس, والمعهد الملكي للدراسات الحضارية في الأردن , مجمع الدكتور أحمد كفتارو بدمشق,إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا,إتحاد المنظمات الإسلامية في أمريكا, إتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا,المركز الإسلامي في اليابان, الجمعية الإسلامية في إندونيسيا,وزارات الشؤون الإسلامية في السعودية والمغرب ومصر والكويت والإمارات والبحرين والسودان , ودار الإفتاء لبنان , وغيرهم ) .. وطور المنتدى فعاليات الحوار على المستوى العالمي .. حيث أبرم عددًا من الاتفاقيات بشأن الحوار مع منظمات وهيئات عالمية بالإضافة للفاتيكان مثل ( المجلس الوطني الأمريكي لكنائس المسيح, مجلس كنائس الشرق الأوسط , المجلس العالمي البوذي , المجلس العالمي للكنائس , المجلس العالمي الهندوسي ,مركز الفخر الثقافي الروسي , ومعهد الشرق الأوسط للسلام والتنمية-نيو يورك, ومنتدى الجزائر لتحالف الحضارات , والمنتدى العالم لحوار الحضارات -اليونان  وغيرها ).. وللمنتدى على وجه الخصوص مع الفاتيكان دورة سنوية للحوار تعقد في شهر حون .. ووقع المنتدى مع المجلس البابوي للحوار بين الأديان ثلاثة عشر بيانًا .. تتضمن الاتفاق على ما يزيد من أربع وخمسين مادة .. تتعلق بشؤون الحياة .. وسبل تحقيق العدل, والأمن, والسلام, والتنمية الراشدة ,والتعايش الآمن بين المجتمعات.

·  وعقد المنتدى ندوتين عالميتين للحوار الإسلامي – الإسلامي من أجل تأصيل مفاهيم الحوار وانتظام الرؤى الثقافية.. وتوحيد مفردات مفاهيم الخطاب الإسلامي مع الآخر .. ووضع منهجية وضوابط وآليات عملية للتنسيق في ميادين الحوار.. وهو مستمر في عقد ندوات للحوار الإسلامي – الإسلامي.. ولله الحمد.

·  أصدر المنتدى ما يزيد عن تسع وعشرين كتاباً حول تأصيل مفاهيم الحوار والعلاقة مع الآخر, وأنجز عدداً كبيراً من البحوث حول الدراسات الإسلامية وحوار الثقافات والحضارات.. يمكن الاطلاع على تفاصيل ذلك عبر موقع المنتدى www.dialogueonline.org الذي يزوره أسبوعيا اثنان مليون زائر وسطيًا.

·  والمحطة الأبرز في مسيرة الحوار المعاصر ..  مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بزيارة بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر .. في سياق جولته الميمونة لزيارة عدد من القيادات الأوربية .. وتتفرد زيارة الملك عبد الله للفاتيكان بامتياز خاص لكونه يتمتع بصفتين جليلتين: فهو زعيم سياسي.. وإمام ديني .. إنه رئيس الدولة المسلمة الأم والمركزية في جسد الأمة المسلمة.. التي يربو تعدادها على المليار ونصف المليار.. وهو إمام المسلمين وخادم رسالة قبلتهم .. وراعي دعوة الإسلام وشؤون المسلمين في الأرض.

ومن جهة أخرى تأتي هذه المبادرة إطلالة مشرقة ودافئة نأمل أن تبدد سحبًا داكنة.. بعثتها في أجواء الحوار الإسلامي -المسيحي تصريحات نزقة وغير مسؤولة ..  صدرت عن قيادات مسيحية عليا.. وتطلق هذه المبادرة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين رسالة شجاعة للآخر ذات دلالات مسؤولة وسامية .. ومن أبرز مقاصدها:

1.  تبديد عقدة توجس الآخر من الإسلام والمسلمين.

2.  دحض أكذوبة تعصب المسلمين ورفضهم للآخر.

3. تأكيد مصداقية المسلمين وجدية دعوتهم للحوار والتعارف بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات.

4.  قطع الطريق على المتشنجين من المسيحيين والمسلمين أصحاب ثقافة صراع الحضارات وصناعة الموت.

5. تأكيد التناسق والتكامل بين خصوصية التمايز العقدي للمسلم والتعايش والتعاون مع الآخر.

6.  تأكيد التزام المملكة العربية السعودية منهج وسطية الإسلام ورسالته الإنسانية السمحة.

7.  دعوة للانعتاق من التقاليد الخاطئة التي أحدثها البشر في مفاهيم الدين والتدين.

 

والدلالة الأشمل لمبادرة خادم الحرمين الشريفين هي:  تأكيد رغبة المسلمين في التعاون مع الآخر بكل تصنيفاته .. من أجل بعث نظام عالمي عادل وراشد .. يجل قدسية حياة الإنسان وكرامته .. ويصون سلامة البيئة .. ويؤصل ثقافة الاحترام المتبادل .. ويوفر للشعوب والمجتمعات السيادة والاستقرار في أوطانهم .. ويمكن من انبعاث حركة تنمية إنسانية راشدة.

ولكن الشيء الذي يقلق المسلمين .. هو أن الآخر -بشكل أو بآخر - لا يزال مترددًا في طرح مشروع إنساني شفاف وجلي للحوار.. ولا يزال البعض منهم –للأسف -حبيسًا لخلفية ثقافة التفرد والهيمنة .. ومرتهنًا لسياسة تقسيم العالم إلى سيد ومسود .. ومنتج ومستهلك .. وعالم أول وعوالم أخرى ذات مراتب ودرجات دنيا ..!

 

وختامًا هل تلقى مبادرة عبد الله بن عبد العزيز آذانًا صاغية .. وعيونًا مبصرة .. وقلوبًا صافية .. ونوايا حسنة .. وعقولاً واعية ..  واستجابات حكيمة .. وتحيات  مماثلة جادة .. إنا لنأمل ذلك .. وإنا لمنتظرون.

 

أ. د. حامد بن أحمد الرفاعي

رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
الأمين العام المساعد لمؤتمر العالم الإسلامي
أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز سابقًا

 

جدة –  المملكة العربية السعودية
4 / 11 / 1428 هـ الموافق 14 / 11 / 2007م