
يا
فخامة الرئيس .. لحظة من فضلك ..
4 مارس 2003 م
السلام
عليكم .. وعلى الشعب الأمريكي الصديق .. وعلى
الناس أجمعين .. تحية أبعث بها من قلب وجل لما
يحس ويرى من أجواء تتسربل الرعب من نذر محرقة
مدمرة .. قد نشهـد
جميـعاً بداياتها .. ولربما لا تمهــل الآجال
بعضنا ليـعيش كـوارثها .. ويشهد اتساع مسلسل
مآسيها .
يا
فخامة الرئيس :
تعلمـون أنه في عقب كارثة الحــادي عشــر من
سبتمـبر المــؤلمة , بادرت مع ثلة من زملائي
هم الدكتور عبد الله عمر نصيف والأستاذ كامل
الشريف والشيخ عبد الله بن بيه بتوجيه رسالة
مشتركة لكم بتاريخ 15 سبتمبر2001 م
عبرنا فيها باسم مؤتمر العالم الإسلامي,
والمنتدى الإسلامي العالمي للحوار عن ألمنا
وصادق مواساتنا لكم ولأسر الضحايا .. وأوضحنا
فيها رؤيتنا بشأن الحدث وما ينبغي عمله لوضع
حد لمسلسل تدهور الأمن في العالم .. وتلقينا
جوابكم المقدر بتاريخ 4 ديسمبر
2001 م الذي عبــرتم مــن خــلاله عـن ترحيبـكم
بالتعاون , واقترحتم وجهة نظر بخصوص التعاون
لمواجهة الخلل العالمي..وأجبناكم بالموافقة
بتاريخ 31 ديسمبر 2001 م ولا زلنا ننتظر ردكم
الذي طال أمده .. وفي ختام المؤتمر العام
للمجلس التنفيذي لمؤتمر العالم الإسلامي
الذي عقد في كولومبو عاصمة سيريلانكا من 18 – 19
ديسمبر 2002 م , وجهنا خطاباً مفتوحاً لكل
القيادات العالمية , أكدنا فيه على أن العدل
هو السبيل الأسلم والأقصر باتجاه السلام
العالمي .. وقبل أيام معدودات وبالتحديد
بتاريخ 15 فبراير 2003 م , وجهت وزميلي المطران
مايكل فتز جيرلد رئيس المجلس البابوي للحوار
بين الأديان في الفاتيكان لفخامتكم , ولكل من
الرئيسين صدام حسين ورئيس الوزراء توني بلير
رسائل مشتركة موقعة من كلانا , عبرنا فيها
عــن موقفنا المشترك تجاه الأزمــة العراقية
, وعـن مطالبتنا لكـم جميــعاً كل بما يخصه
لبذل الأسبـــاب الجـادة والمخلصة
لاستبــعاد خيــار الحــرب , والتــــزام
الحـــــوار والوســــــائل الســــلمية
لتحقيق كل ما نصبوا إليه جميعاً , مثل اجتثاث
ثقافة الإرهاب والإرهابيين حيثما كانوا ,
وتطهير الأرض من أسلحة الدمار الشامل حيثما
وجدت دون تمييز, وتحقيق العدل والسلام
والرخاء والتعايش الأمن بين الناس جميعاً ..
وقريباً وبالتحديد
بالفترة من 27 فبراير وإلى 2 مارس 2003 م , وكما
تعلمون عقد في واشنطن مؤتمر عالمي من أجل
السلام في الشرق الأوسط , ومن أجل تأصيل ثقافة
السلام والتعايش الأمن بين المجتمعات
البشرية , شاركت فيه وفود من الأمم المتحدة ,
والحكومة الأمريكية , وقيادات دينية وسياسية ,
وغيرها من أنحاء العالم, وفي كلمتي
للمؤتمر باسم المنتدى الإسـلامي العالمي
للحوار , أكدت أن إقامة العـدل واحتــرام
والتــزام معايـيــره , والعمـل عـــلى تأصيل
ثقـافة الحــوار والتعايش الأمـن بيـن
المجتمعـــات , وإلغاء ثقافة صــــدام
الحضــارات , واستبـعاد خيار الحروب , ينبغي
أن يكون سبيلنا وخيارنا المفضل لتحقيق الأمن
والسلام والازدهار في العالم
.
يا
فخامة الرئيس :
ربما يحس الواحد منا أنه يعيش الساعات الصعبة
لما قبل انفجار خيار الحرب والدمار .. ومع ذلك
يبقى الواجب يملي على محبي الخير والسلام
مواصلة السعي باتجاهه .. فلربما يتحــقق
الهــــدف الذهبــي في اللحظـــــات
الأخيـرة , وتنتصر أصالة الخير التي تمثل فطرة
الإنسان , وتسقط
مبررات الحرب وكوارثها أمام إرادة السلام
وفضائله .. من أجل ذلك وتطلعاً إلى تغليب خيار
السلم حتى في الزمن الضائع أقول لك يا فخامة
الرئيس : لحظة من
فضلك ..
يا
فخامة الرئيس :
دعني في هذه اللحظة الأخيرة أن أسرد لك قصة
رمزية من قصصنا العربية المعبرة , عن حالة
ربما تتطابق مع حالة المكانة العالمية
المرموقة لأمريكا بين الأمم , والقصة تقول : أن
أهل قرية ابتلوا بثور وحشي يقتحم قريتهم من
حين لآخر , يبطش بهم ويدمر منازلهم البسيطة
ويملأ قلوبهم هلعاً ورعباً , وإذ هم على هذه
الحالة من الخوف والذعر , مر بهم عنترة (
الرجل الأسطورة في التاريخ العربي بالشجاعة
والقوة ) ففرح أهل القرية وقالوا لأنفسهم جاء
الفرج , فإن عنترة سيكفينا شر الثور ,
وشرحوا لعنترة أمرهم مع الثور فقال لهم
عنترة : وماذا تصنعون إذا جاءكم الثور ؟
قالوا نهرب إلى أعلى الجبل حتى يخرج من
قريتنا , وإذ هم كذاك يعرضون مشكلتهم لعنترة
الذي تعلق أملهم به للتخلص من الثور , فإذ
بالثور يقبل بصوته المرعد وفمه المزبد وقرونه
اللوامع , فانقطع الحوار وولى أهل القرية
هاربين كعادتهم نحو الجبل ,
ونظر عنترة إلى الثور غاضباً واستل سيفه
البتار وهمّ بالانقضاض عــلـيه بضربة قاضية
تنهي وجوده , ليعيش
أهل القـــرية من بعد بأمن وسلام ,
وفجأة غيـــر رأيه وغمــــد سيفـــه
وتوجـــه نحـــو الجبل حيث أهل القرية , فلما
أقبل عليهم تاركاً الثور حياً طليقاً ,
قال له أهل القرية بكل حسرة واستهجان كبير
: أ أنت يا عنترة البطل الشجاع تتراجــع بهذه الســـرعة عــن
مقارعــة الثــور, وتنكث بوعــدك لنا بالتخلص
منه ومــن شره ؟ قال
لهم عنترة بكل هدوء وحكمـــة :
يا قـــوم لقــد فكـــرت في اللحظــــات
الأخيــرة وأنا
أهـم بالانقضاض على الثور, فوجدت نفسي إن دخلت
في صراع معه فسأكون أمام واحد من احتمالين
كلاهما صعب : إما
أن أنتصــر علــى الثــور فأقتله فيهزأ الناس
مني قائلين : إن عنترة بطل
الأبطال قد قتل ثوراً, وإن قتلني الثور لسبب
ما فسيكون ذلك عاراً كبيراً
يكذب كل بطولات
وشهرتي ويمسخ مكانتي بين الناس , لـذلك اتخـذت
في اللحظة الأخيرة قراري الصعب , بأن لا أدخـل
في معــركة مع الثـور ولحقـت بكم , وهذا لا
يعني أني تخليت عن وعدي بنصرتكم و مساعدتكم
على التخلص من الثور وجرائمه , ولكن مساعدتي
لكم ستــكون بطــريقة أخــرى وبوســائل
تناسب الثور ونهجه , وشــرح لـهم خطته ووعدهم بأن يبقى
إلى جانبهم يبذل لهم
نصائحه وعـونه , فاقتنع أهل القرية برأي عنترة
, والتزموا خطته فانتصروا من بعد على الثور
وتخلصوا من أخطر عقبة في حياتهم , فارتفعـت
مكانة عنتـرة عنـد أهل القرية , وتحدث الناس
عن حكمة عنترة ورجاحة عقله وأخذوا يرددون:
لا شك أن بطولات عنترة في ميادين الرأي
والمشورة لتفوق بطولاته في ميادين السيف
والقتال .
يا
فخامة الرئيس :
ربما يوجد في الثقافة الأمريكية قصاصاً
تتطابق مع هذه القصة الرمزية في مغزاها , ولكن
الذي لا أشك فيه أن تاريخكم يحكي لكم ولنا
قصاصاً معبرة عن حكمة عظمائكم مع قرارات صعبة
مماثلة في اللحظات الأخيرة مع أزمات مماثلة..
لذا فإنني باسم المنتدى الإسلامي العالمي
للحوار , وباســـم مؤتمر العــالم الإسلامي ,
وباسم كل محبي السلام , أنصحكم وأدعوكم
لتدخلوا التاريخ من أوسع وأجل أبوابه , وذلك
باتخاذكم قراراً حكيماً وشجاعاً من موقع
القوة التي تملكون اليوم ناصيتها , تستبدلون
به خيار الحرب بخيار
السلم ووسائله عبر الأمم المتحدة , فهو الطريق
الأفضــل والأقصر لتحقيــــق غايات الشعــوب
وتطلعاتها للعيش بأمن وسلام , وحكماء العرب
يقولون : هز العصا أفضل من استخدامها..
وتقبلوا
خالص مودتي وتحياتي .
د
. حامد بن أحمد الرفاعي