

يتفق كثير من المهتمين بشأن الحوار بين الأديان والتيارات المختلفة على أن الحوار بين المسلمين وأصحاب الديانات والتيارات المختلفة أصبح اليوم ضرورة ويأتي في مقدمة الأولويات التي يحتاجها المسلمون في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. مشيرين إلى أن الإسلام أصل مبدأ الحوار وقننه وجعل له منهاجا يحتذى به، ووضع له شروطا كثيرة لابد من توافرها لضمان نجاحه. وعزا هؤلاء المهتمون بهذا الشأن سبب تعطل لغة الحوار في العالم إلى تهميش دور الحكماء والعقلاء وأولي الرأي في المجتمعات الدولية والاستعاضة عنهم بأشخاص تنقصهم الخبرة والحكمة لكونهم جاؤوا في ظروف استثنائية. «المحايد» رصدت آراء عدد من العلماء والمهتمين بهذا الشأن في التحقيق التالي فإلي تفاصيله: يرى الأستاذ الدكتور «حامد بن أحمد الرفاعي» رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار وعضو هيئة الرئاسة للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة والأمين المساعد لمؤتمر العالم الإسلامي وعضو وسكرتير لجنة الاتصال الإسلامي الكاثوليكي «الفاتيكان»، أن الحوار هو لغة العقلاء والحكماء ويبقى الطريق الأسلم والآمن والموضوعي الذي يحقق الفهم المشترك بين الناس، وفي تقديري أن ما يعانيه العالم الآن من حالة استثنائية يرجع لاضطراب مفاهيم التعامل المشترك وتهميش دور العقلاء والحكماء وأوليٍ الرأي في المجتمعات الدولية، ونلاحظ أنه قد تصدى لعلاج القضايا الاجتماعية والدولية أشخاص جاءوا في ظروف استثنائية في العالم على المستوى الإقليمي والدولي حيث تنقصهم الخبرة والحكمة والرؤية العامة للوجود البشري وبالتالي نجدهم يتعاملون مع الأحداث بنزعات فردية أو نزعات ثأرية أو نزعات هيمنة أو نزعات الغالب والمغلوب، وقد كنا نصف بهذه النزعات المجتمعات الجاهلية ما قبل التاريخ لكونها كانت تتبع منهجية العداء وذلك بأن يقوم هذا بغزو هذا وآخر بسلب آخر وهكذا. وقد كان الأمل يحذو الجميع بأن يلج إلينا هذا القرن بحلة بيضاء ناصعة بخلاف القرن الماضي الذي اشتهر بحربين عالميتين، إلا أننا تفاجأنا بأن نستقبل هذا القرن بالصواريخ وأسلحة الدمار الشامل والسحق الشمولي والحروب وأن يكون عنوان هذا القرن «أولى حروب القرن» وللأسف فإن هذا الإعلان جاء على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش، وبالفعل اشتعلت الحرب في أفغانستان ثم العراق ولا نعرف سلسلة الحروب القادمة، إذن نحن أمام سلسلة من الحروب مما يعني أن الصورة انقلبت تماما، حيث كان العقلاء والحكماء والمفكرون يتوقعون أن يستقبلوا قرنا أمنا نعمة منابر الحوار التشاور والتعارف وإذا به يكون قرن نصب لمنصات الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل وبالتالي فنحن أمام وضع خطير جدا. وفي الحقيقة فإن الحديث عن المخرج من هذه الأزمة ظل سؤالا مطروحا من الجميع في كل المنتديات ومازال يبحث عن إجابة، ومن طرفنا نحن المسلمين فإن موقفنا مستقر من قبل بداية هذا القرن، حيث تحدثنا عن الحوار وقلنا إنه لا سبيل لنا كمخرج من هذه الأزمة إلا أن يحترم بعضنا البعض ونعترف بمصالح بعضنا البعض وأن نبحث عن المشترك فيما بيننا وأن ننظر إلى المجتمعات الدولية على أنها شريك في مسيرة بشرية واحدة وأنها تسعى إلى غاية واحدة وأن الأرض الكبيرة هي سكننا جميعا ولا ينبغي لأحد أن يتطلع إلى أن تكون هذه الأرض سكنه وحده وأن يقوم بإبعادالآخرين منها، فهذه الأرض سكن للبشرية جمعاء خيرها وهواؤها ومائها للجميع، وهذا الأمر قد أصله الأسلام من قبل 14 قرنا، حيث ورد في الأثر (إن الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار)، وبالتالي فنحن نقول لهم لماذا نتصارع مادام الماء والغذاء والطاقة شركة بيننا، فالبترول الذي يتواجد في منطقة الخليج إن لم يشتره الغرب فسوف يظل محفوظا في الأرض دون أن يستغله أحد، وإن التكنولوجيا التي يبتكرها الغرب إذا لم يشترها العرب فستتحول إلى خردة، فالأمم تعيش على قاعدة الحاجة المتبادلة والإسلام رسخ هذه القاعدة قبل 14 قرنا كما أشرت، وللخروج من هذه الأزمة فإننا ندعو إلى الاحترام المتبادل والعدل وإقامة منهجية التعارف والتعاون والتنافس في الخير. ويشير الدكتور الرفاعي في تعليقه إلى العقبات الأساسية التي واجهت الحوار مع الآخر بقوله : نحن نحاور كل الفئات بما فيهم أهل الأديان ولكن أهل الأديان أصبحوا الآن شريحة متواضعة في إطار التقسيمات الاجتماعية والدولية، حيث تسيطر الشريحة السياسية على مقدرات الأمور وعلى القرار السياسي والاجتماعي وحتى القرار الأخلاقي، وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فإن الشريحة الاقتصادية هي التي تتولى رسم السياسات العامة من منطلق سيطرتها على مراكز قوى المال، والمشكلة في تصوري تنصب في أزمتنا نحن كأمة عربية إسلامية في الحوار حيث إن أزمتنا الداخلية هي العامل الأكبر من أزمتنا مع الآخر، وإن أخطر عامل في أزمتنا الداخلية هو ارتهان إرادتنا كأمة إسلامية. وفي تقديري فإن إرادة الأمة مرتهنة ومكبلة بسبب اختراق كلمتها، بالإضافة إلى الصراع الداخلي الذي تعيشه بين شرائحها الرسمية والشعبية حيث نجد انقساما بين التيارات القومية والدينية وكذلك انقسام بين أبناء التيار الواحد، فالأمة تعيش حالة توجس وتوتر واتهام فيما بينها، ونلاحظ أن الثقة مهزوزة واللقاءات بين الأطراف المختلفة بروتوكولية ولا نحس وراء هذه اللقاءات جدية ومسؤولية. ويعتقد الرفاعي أن سبب الانقسامات يرجع إلى أمرين من وجهة نظره، الأمر الأول هو اضطراب مفاهيمنا حول ماذا نريد؟ وما هي رؤانا ومشاريعنا لتحقيق الشئ الذي نريده؟ والأمر الثاني هو اضطراب مفاهيمنا حول الهدف المشترك لنا جميعا بمعنى هل نحن بالفعل أمة لها أهداف مشتركة؟ فنحن نريد لهذه الأمة كما قال الملك عبدالعزيز قبل قرابة الـ 80 عاما وذلك عندما دعا في مؤتمر مكة عام 1926م إلى تضامن عربي وإسلامي وطرح مبدأ الحوار مع الحضارات والثقافات في الوقت الذي لم يكن هناك أحد يذكر هذا الموضوع. وانتهى الدكتور حامد الرفاعي إلى القول : نحن في حواراتنا مع الغربيين رسميين أو شعبيين نقول لهم ذلك، فمثلا عندما ذهبنا إلى الفاتيكان لأول مرة عام 1995م قلنا لهم نحن لم نأت لكم لكي تسلموا رغم أن هذه رغبة قائمة في نفوسنا لأننا نحب أن يكون الناس على ما نحن عليه وأنتم لا تحاولوا أن تنصرونا رغم أننا نعلم أن هذه رغبة قائمة في نفوسكم لأنكم تحبون أن يكون الناس على ما أنتم عليه، إذن لماذا جئنا إليكم؟ قلنا لهم نحن جئنا إليكم لأننا نرى ونحس أن المسيرة البشرية في خطر وأن الأمن الدولي في تدهور مستمر وديننا يأمرنا بأن نبادر لإنقاذ المسيرة البشرية وحماية الأمن الدولي فهل دينكم يأمركم بذلك؟ قالوا : نعم ! قلنا لهم : إذن نحن من أجل ذلك جئنا ووقعنا معهم بروتوكولا على التعاون من أجل غايتين أساسيتين هما : تصحيح المسيرة البشرية وفتح باب الحوار بين القوى العالمية من أجل تحقيق الأمن البشري المشترك