تعقيب سعادة الأستاذ الدكتور حامد الرفاعي على تعقيب الشيخ حسن الصفار الذي جاء في جريدة الشرق الأوسط تحت عنوان ( نعم ننتقد تاريخنا ولا ننتقد ديننا )

وهل تاريخنا .. صناعة مستوردة يا فضيلة الشيخ ..؟!

ما كنت أود أن يطول الحوار والجدل مع الأخ الفاضل الشيخ حسن الصفار , حول مسألة اتهامه للأمة بالظلم والتأصيل والتشريع  للاستبداد , كما جاء في مقالته السابقة ( العالم الإسلامي والديموقراطية .. قصة لا تنتهي ) , لولا أنه عاد ليؤكد ويركز على ما اتهمها به من قبل, في مقالة جديدة تحت عنوان ( نعم ننتقد تاريخنا .. ولا ننتقد ديننا ) , نشرت في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 20 / 8 / 2004 م , حشد فيها أمثلة يؤكد بها اتهامه لتاريخ الأمة بالظلم والفساد والاستبداد , مستعيناً هذه المرة بمقتطفات لكتاب آخرين , ويا ليت الشيخ أنصف الأمة كما أنصفها الدكتور الأنصاري الذي استنجد بمقتطفات من كتاباته ,التي نختلف معه بها من حيث نزعتها الاستغرابية , ولو فعل ذلك لما اختلفنا معه , فتاريخ الأمة بلا شك فيه ثغرات سلبية , و محطات مظلمة , في إطار آفاقه المشرقة الواسعة , وصروحه الحضارية الشامخة , فالواجب أن نتعاون جميعاً بموضوعية ومسؤولية , لمعالجة السلبيات , وإضاءة الزوايا المظلمة , ليبقى تاريخ هذه الأمة كامل الإشراق , وضاء الجبين , ولتستأنف الأمة كلها مسيرتها ونهجها  , ولتستكمل أسباب عزتها ومكانتها بين الأمم , لذا أقلقنا أن يرد على لسان أناس من بيننا ما يطفئ الأنوار ويعمم الظلام, ولمصلحة من الإصرار على هدم صروح تاريخ الأمة ,وإطفاء أنوار حضارتها المجيدة ؟ وواجب الرد على مثل هذا الإصرار , هو الذي اضطرني على الكتابة من جديد , رغم ضيق الوقت وتراكم المشاغل والواجبات . 

وبداية أقول هل من شك أيها الشيخ الجليل , في أن الحضارة الإسلامية , هي من ثمرات رسالة الإسلام ومنهجها العظيم .. وأنها من فعل نظمها السياسية , ومهارات الأفذاذ من علمائها ومبدعيها في شتى ميادين الحياة ؟!  أم أنكم تشككون مع المتشككين بوجود الحضارة الإسلامية , وتاريخها الناصع الزاهر ؟! , وأنتم تفصلون بين دين الأمة وتاريخها , تعظمون دينها , وتبيحون لأنفسكم بنفس الوقت , انتهاك تاريخ وسيرة المؤمنين بهذا الدين , الحاملين لرايته , والبانين لصروح تاريخه , وحضارته العملاقة , التي شهد لها , ولا يزال يشهد بعطائها وعدلها وخيريتها , الأعداء قبل الأصدقاء والأبناء , وقد جعلتم عنوان مقالتكم الجديدة ( نعم ننتقد تاريخنا .. ولكن لا ننتقد ديننا ) , ما هذا الفصل غير المبرر , ولا المسبوق بين تاريخ الأمة ودينها , ومن جهة أخرى , من قال أن النقد والمراجعة للذات وللمسيرة الجماعية محظور في نهج الإسلام يا أخي ؟! ولكن هناك فرق كبير , وبون شاسع , بين النقد والمحاسبة والمراجعة , وبين التسفيه والبخس والسباب , ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) .       

ثانياً – لا شـك أن تزكية الذات , وتبرئة النفس , وإضفاء العصمة , على أحد من البشر , من غير الأنبياء والرسل , حالة مرضية وبائية , وأمر خطير , وشر مستطير , شأنها شأن غمط الذات حقها , وشأن الافتئات والظلم والعدوان , على خيرية الأمة , وتشويه وتسفيه تاريخها المشرق , ينبغي العمل بجدية على الاستشفاء منه, والحجر على من ابتلي به , حتى لا ينتشر الوباء , ويعـم الداء والبلاء , وتشـيع الفاحــشة بين الناس , وتشوه بأعين الأجيال نماذج التأسي والاقتداء , من مواكب قادتها ورجالها الأخيار عبر تاريخها الثري العظيم .

ثالثاً – لقد أكد القرآن , والهدي النبوي على مبدأ محاسبة الذات , وضبط الممارسات , لتكون مع مقتضى إرادة الله ومرضاته , بل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , جعل الدين كله في النصح والتناصح ( إن الدين النصيحة .. الحديث ) , فهذا أمر لا يختلف فيه من لديهم أدنى صلة أو معرفة بدين الله وحقيقة منهجه , إلا أن موضع الخلاف معكم لمختلف جداً , إنه خلاف حول نقاط محددة , جاءت في مقالتكم السابقة وأكدتم عليها في مقالتكم اللاحقة  , نلتم بها من مسيرة الأمة وبخستموها تراثها الحضاري العظيم ,وسفهتم سمعتها وأهنتم سلوكها التاريخي , لتجعلوا من ذلك ثمناً ومدخلاً , لبسط محاسن معشوقتكم الديموقراطية , ولتبشروا بخيريتها – على حد اقتناعكم بها -  بين الأمم , أولم تقولوا بالحرف الواحد ( لقد تجاوزت البشرية ظاهرة الرق والاستعباد التي كانت منتشرة في مختلف أنحاء العالم .. ) , دون الإشارة إلى أي استثناء من هذا التعميم المجحف , ولو بإلماحة يسيرة على الأقل  إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذي تصرون على حصر خيرية الأمة به فقط , مما يتناقض مع قوله عليه الصلاة والسلام ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ  ) , ومما يتناقض كذلك مع قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) , فإذا كان تاريخ المسلمين وحضارتهم لا تمثل هذه الخيرية وخصالها وأشرا طها , فمن يمثلها إذاً ؟ أم أنها بنظركم لم تتحقق بعد ؟ وماذا عن ( أخرجت ) فهل هذا الفعل يفيد المستقبل بحال ؟ وإن كان يفيد احتمالية المستقبل بفهمكم اللغوي والديني , فمن هو المؤهل لأمر عجز عن تحقيقه – بنظركم - رسول الهدى وجيل الصحابة والتابعون والسلف الصالح من هذه الأمة ؟؟؟! أليس هذا طعن كبير , واتهام جلل وخطير بحق دين الأمة وهديها وقادتها الأفذاذ ؟ إلا إذا كانت الديمقراطية – بنظركم - هي المنقذ المنتظر , والمخلّص الأعظم , والباعث القادم لخيرية الأمة وعدلها ؟ طبعاً ليس من حق أحد أن يتدخل بخصوصيات عشقكم للديموقراطية فهذا من حقكم , والعشق له مذاهبه , ومبرراته في نفوس العشاق , ولكن الذي يتحفظ عليه ويرفض , اعتداؤك السافر على حق غيركم من العشاق , وتسفيهكم لما يعشقون , أجل نحن نعشق ديننا , ونعتز بمنهجه وشرعته وقيمه ورسالته , مثلما نعشق حضارتنا وتاريخنا , ونفخر بهما ونذود بالحق عنهما , والمحب الصادق والعاشق الوفي , لا يتتبع هفوات وزلات معشوقته , على حساب ما تتصف به من حسن وخصال رفيعة وحميدة , ليتحول عنها من بعد إلى خضراء الدمن من الحسناوات ! ومما يتحفظ عليه ويرفض كذلك , جرأتكم على القول بأن تاريخ الأمة يمثل جذوراً  للاستبداد , ومدرسة فكرية للتأصيل والتشريع له ( .. مما يمكننا القول معه إن هناك جذوراً تاريخية للاستبداد ومدرسة فكرية لتأصيله وتشريعه . ) . . ؟!

لا أحسب أن أحداً من أشد المستشرقين عداوة وتحاملاً على الإسلام والمسلمين , تجرأ أن ينسب للمسلمين وتاريخهم مثل هذا التهمة الشنيعة, وإن أقصى ما قيل بحق الإسلام وحضارته, من قبل أشد المستشرقين إجحافاً, هو التشكيك بنبوة ورسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , والتشكيك بأن حضارتنا العملاقة ثمرة دين الإسلام ,  وإصرارهم على القول بأن سيدنا محمد مصلح اجتماعي عبقري , استطاع أن  يبدع مذهباً اجتماعياً عظيماً , وأن يبعث في قومه روحاً خلاقة , أبدعت حضارة عظيمة , أحدثت تحولاً كبيراً في التاريخ البشري كله ,  وجعلوه على رأس قائمة مائة عبقري في التاريخ البشري , تعظيماً وإجلالاً لتاريخ جليل , وحضارة عظيمة , كان رائدها ومؤسسها , فالمستشرقون إذاً لم يبخسوا ولم يحقروا تاريخ الإسلام وحضارته كما فعلت , ولكنهم أنكروا صلتها بدين الإسلام , مثلما تنكرون يا فضيلة الشيخ , وأنتم تصرون على فصل تاريخ الأمة عن دينها , بل وذهبتم إلى أكثر من ذلك , فوصمت تاريخ الأمة بالظلم والاستبداد , بل وبالتأصيل والتشريع لهما , فمن أرحم بالأمة إذاً جلد ذوي القربى .. أم جلد الآخرين لها ؟ 

 

رابعاً – ومما يتحفظ عليه ويرفض تهليلكم لاتساع الديموقراطية وخيراتها  والتي أصبحت تعم العالم ( إن رقعة الديموقراطية تتسع يوماً بعد آخر وأصبحت الخيار التي تتطلع إليه جميع الشعوب ..؟! ) . وماذا يبقي من دور لدينك الذي لا تنتقده ؟ بعد أن تجمع البشرية – من وجهة نظركم - على خيار الديموقراطية نظاماً عادلاً , يحقق لها الأمن والرفاهية و السلام في الأرض ؟؟؟! , إلا إذا كنتم تؤمنون بأن الديموقراطية هي الإسلام , والإسلام دينها وشرعتها !

أجل إن مثل هذا الاعتقاد – إن صح منكم لا سمح الله – فهو لا شك فتنة كبرى, تستدعي من  الذاكرة , ومن التاريخ المعاصر القريب , حالة فتنة سابقة مماثلة , توحّل في بلائها نفر من علماء الأمة ومفكريها , ألا وهي الاشتراكية , أيام موجتها العارمة في مطلع الستينات من القرن المنصرم , مما حمل أولئك المخدوعين يومئذ بالاشتراكية وسراب زخرفها , وخيرها وبركاتها المزعومة , أن يقولوا فيها مثل قولكم وقول غيركم اليوم بالديموقراطية وجناتها الوارفة الموهومة , وألفوا كتباً ونشروا بحوثاً , يؤكدون بها أن الاشتراكية هي الإسلام  , وأن الإسلام ليس منها بغريب , وارتفعت منزلة أم كلثوم أكثر مما هي مرتفعة في عالم اللهو والطرب يومئذ, بسبب أغنيتها ( الاشتراكيون أنت إمامهم ) , وطبعاً المقصود هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟؟! , بل وأسقط عنها  بعض المتشددين - حكم تحريم الغناء والاستماع إليه – إكراماً للاشتراكية وشرعتها الراشدة بنظرهم , أخذاً منهم بقاعدة ( الضرورات تبيح المحظورات ) ..!!! ولكن الفرحة لم  تدم طويلاً , وتبددت الأوهام والأحلام , وسقطت الاشتراكية , وهوى صنمها , وطوى النسيان كل ما كتب وسطّر وهلّل به من أجلها.. وبقي الإسلام وازداد الناس ثقة وإيماناً بشرعته ونهجه ورسالته , وهاهي الفتنة يذر قرنها بين المسلمين , وتعود من جديد , ومن طريق معشوقة حسناء جديدة اسمها الديموقراطية, وهي الأعلى اليوم كعباً في نسبها, والأوفر مالاً, والأرفع جاهاً..مما يجعل الفتنة معها أبلغ أثراً , وأشد خطراً .

خامساً – أقدر لكم قولكم ( إننا بحاجة إلى شجاعة أدبية  وجرأة موضوعية ويا ليتك قلت- وشرعية – لتشخيص مواقع الخطأ , كما نشيد بمواقع القوة , ونفخر بها في تاريخنا المجيد .. ) , مثلما أقدر وأشكر لكم قولكم  ( وبالتالي فلا ندين كل تاريخ الأمة , وإنما ندين ما يستحق الإدانة قصرت مساحته أو غلبت ) , ولو أنكم اختصرتم تعقيبكم على هذه العبارات القيمة المنصفة , لما اضطررتموني إلى الكتابة من جديد , وأنتم تصرون في كل ما سبقها من كلام على اتهامكم الجماعي والشامل للأمة وتاريخها المجيد , وعلى أي حال فالأمور بخواتيمها , وقد ختمتم بخير,  فهذا بلا شك من خلق العلماء وصدق التزامهم بالحق وأتباعه عبر التناصح والمراجعة .

خامساً – وداعـاً أخي العــزيز فلن أعـود للكتابة بشأن هـذه المسألة , لأنني( أولاً ) ليس لدي فائض من الوقت لأعطيها أكثر مما أعطيتها ,  ولأنني ( ثانياً ) أعتقد أن هموم الأمة وتحدياتها المتلاحقة والمتفاقمة , لأعظم وأجل من أن ننصرف عنها , وعن واجب النهوض بمسؤولياتها , بمراجعة التاريخ ومحاكمته , مع التأكيد على أهمية التاريخ , والاستفادة من دروسه وعضاته ,  فأنا شديد الإيمان بأن رسم آفاق المستقبل , وصياغة إستراتيجياته المحكمة , لا تصح بحال مع غياب فهم الماضي ,  ومع غياب إدراك مبصر لحقائق الحاضر .

أ . د. حامد بن أحمد الرفاعي

الأمين العام المساعد لمؤتمر العالم الإسلامي
رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار