

مؤتمر حاشد لحوار الحضارات في مدينة فاس – المملكة المغربية
عقد المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الإستراتيجية والدولية.. بالتعاون مع مجلس مدينة فاس – المملكة المغربية .. مؤتمرًا عالميًا حول "حوار الحضارات والتنوع الثقافي -أي حوار لأي تحالف ..؟ تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس .. في الفترة من 13 – 15 / 11 / 12428هـ الموافق 23 -25 / 11 / 2007م .. وشارك في المؤتمر عدد كبير من العلماء والمفكرين والباحثين ممثلون من ست وثلاثين دولة وخاطب المؤتمر في جلسة الافتتاح كل من :

وعقد المؤتمر جلستين عامتين .. وأربع جلسات عمل مغلقة ومتخصصة .. وقدمت في المؤتمر ما يزيد عن سبعين بحثًا .. وخاطب المؤتمر في جلسة الختام كل من :

وأصدر المؤتمر بيانًا تحت مسمى " إعلان فاس " وللمزيد من المعلومات يرجى الدخول على موقع المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الإستراتيجية والدولية www.cmiesi.ma
![]()
|
الأستاذ الدكتور حامد الرفاعي |
|
الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم .. واصطفاه وكرَّمه بنعمة العقل والإرادة والاختيار.. وشرَّفه بالنهوض بمهمة أمانة الاستخلاف في الأرض.. وسخر له ما في السموات والأرض من أجل عمارتها وإقامة الحياة العادلة الآمنة في ربوعها.. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله.. وعلى آله وصحبه . . والصلاة والسلام على سيدنا المسيح وعلى أمه الطهور البتول سيدتنا مريم .. والصلاة والسلام على سيدنا موسى وعلى من اتبع النور الذي جاء به .. والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله ورسله.
· معالي الأستاذ عباس الجراري مستشار صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله تعالى.
· معالي الأخ الأستاذ عباس الفاسي / الوزير الأول.
· معالي الأخ الأستاذ حميد شباط / عمدة مدينة فاس.
· أصحاب السماحة والمعالي والنيافة والسعادة .. الأخوة والأخوات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أما بعد:
فلا أحسب أحدًا -أيها السادة -يجادل أن المشهد العالمي الراهن يُنبئ أن المسيرة البشرية
في خطر .. وأنها تعاني من تدهور مرعب في أمنها واستقرارها ..!
ولا أحسب أحدًا يماري إن قيل أن تدهور القيم .. واختلال قيم العدل .. واضطراب موازين الأخوة الإنسانية.. وازدواج معايير التعامل مع المسائل الحيوية لحياة الأفراد والمجتمعات .. تشكل المصدر الأساس للأزمة العالمية المعاصرة .. !
أيها السادة:
إن الأزمات العالمية المتتالية والمتنامية تنذر بمخاطر شمولية مدمرة – لا سمح الله-فنحن بحق في زمن العطسة الواحدة لزكام عالمي شامل .. ويا ليته زكام لهان الأمر وسهُل علاجه .. ولكنه وباء شمولي مهلك .. فنحن أمام جنون بشري وبيئي مدمر.. بدأ بجنون البقر .. ثم جنون الفواكه والخضراوات .. وجنون الأسماك والدواجن والطيور.. وجنون الهواء والماء .. وجنون الأوزون, وغاز الكربون , والانحباس الحراري .. فكل شيء حولنا أصبح مجنونًا.. والإنسان يبقى المسؤول الأول عن صناعة كل ضروب الجنون السالفة الذكر.. فنحن بحق بين جنونين جنون بشر وجنون بقر فهاهي البشرية تعاني من ضنْكٍ شديدٍ بما كسبت أيدي الناس إعراضًا عن ذكر الله.
أيها السادة :
لا يخفى عليكم .. أن الأمن الإقليمي والأمن العالمي أمران متلازمان ومتكاملان .. وأن الأمن الإنساني ينبغي أن يكون كلاً لا يتجزأ.. وأن المواطنة الإقليمية والمواطنة العالمية تتكامل مسؤولياتهما وتتلازم .. ولكنَّ جهاتٍ إقليميةً ودوليةً ماضيةٌ في احتكار الأمن لصالح شعوبها وأوطانها.. على حساب أمن بقية شعوب العالم وسيادة أوطانها ..! وللأسف فإن بعض مثقفي تلك الجهات أصلوا لنظريتين خطيرتين مدمرتين.. الأولى " نظرية نهاية التاريخ " ليفرضوها سقفًا للإبداع البشري الذي يمثلون بزعمهم ذروته ويتحكمون بناصيته.. وما على بقية أهل الأرض إلا أن يختاروا لأنفسهم واحدة من اثنتين.. الإتباع والخضوع لنموذجهم الحضاري..أو العداوة والبغضاء ..! أما الثانية فهي نظرية " حتمية صراع الحضارات ".. ليبرروا لأنفسهم منهجية عسكرة العلاقات الدولية.. من أجل بسط سيادتهم وهيمنتهم على مقدرات الشعوب والتحكم بمصالحها ....!
وبعد أيها السادة :
ما العمل .. ؟ وما هو السبيل لتصحيح هذه الحالة البشرية الشاذة .. ؟ إن مثل هذه الأسئلة أصبحت متداولة بين عقلاء وحكماء أتباع الديانات والثقافات والحضارات .. وهذا الملتقى الكريم الحاشد من علماء, ومفكرين, وأكاديميين, وسياسيين, وإعلاميين.. الذي ينعقد من أجل تأصيل مفاهيم وقيم التنوع الثقافي والحوار بين الحضارات.. وبقصد تعزيز مقاومة ثقافة الغلو والتطرف .. وإنهاء ظاهرة التفرد الثقافي والحضاري في مصير مصالح الشعوب والمجتمعات.. لجدير بأن يبلور رؤية جادة للمساهمة في حركة التصحيح والترشيد العالمي .
أيها السادة:
لقد تحدثنا على مدار عقود عديدة .. ولا زلنا نتحدث مؤكدين إيماننا بأهمية ووجوب الحوار بين الأديان, والثقافات, والحضارات .. وتحدثنا كذلك عن إيماننا باحترام تنوع الثقافات والخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمعات .. وأخيرًا طرحنا شعار التحالف بين الثقافات والحضارات .. ولعمري إنه لشعار جميل وجذاب ومغري ..! ولكن ما هي أسس هذا التحالف..؟ وما هو المشترك الثقافي البشري الذي يقوم به..؟ من يملك قرار تفعيل مثل هذا التحالف ..؟ ما هي الآليات لوضع هذا التحالف موضع التنفيذ ..؟ تساؤلات كثيرة تُطرح علينا وعلى القيادات الثقافية, والدينية, والفكرية ,والسياسية في العالم .. وإني لأرجو لمؤتمرنا هذا أن يوفق في التعامل مع هذه الأسئلة ومقاصدها الجليلة.
أيها السادة:
فإنه يشرفني باسم المنتدى الإسلامي العالمي للحوار.. الذي ينسق بين ما يزيد عن مائة منظمة إسلامية عالمية في ميادين الحوار.. ومقره مدينة جدة – المملكة العربية السعودية .. أن أقترح المنطلقات التالية مساهمة في بلورة ميثاق عالمي لتعايش بشري عادل وآمن:
1. تعزيز قيم الإيمان والأخلاق في تربية الأجيال,
2. فك الربط المخل في فهم الدين بين مسائل الاعتقاد ومسائل تصريف شؤون حياة الناس ومصالحهم,
3. ترسيخ قيم العدل ,ووحدة المعايير في ثقافة الأفراد والمجتمعات,
4. تأكيد مبدأ الأخوة الإنسانية,
5. التأكيد بأن الأسرة المؤسسة على الزواج الشرعي هي المرتكز الأقوى لأمن المجتمعات,
6. تفعيل التكامل المنصف بين مسؤوليات الر جل والمرأة في ميادين الحياة,
7. إجلال قدسية حياة الإنسان وكرامته,
8. صون سلامة البيئة وعدم إفسادها والإفساد فيها,
9. التلازم بين القيم والأخلاق وبين حركة الإنتاج العلمي والتكنولوجي شرط أساس لحضارة آمنة,
10. المنتج العلمي والتكنولوجي السلمي أرث بشري يُحرّم احتكاره,
11. الناس شركاء في ثروات الكون على أساس من احترام حق التملك ومشروعية الانتفاع المتبادل,
12. وضع حد لظاهرة عسكرة العلاقات الدولية وسباق التسلح.
13. تحريم تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل.. وتدمير المخزّن منها.. واستئصالها من الأرض كافة.
وبعد .. أسأل الله تعالى أن يعيننا .. ليصب كل واحد منا ولو قطرة ماء.. لإطفاء الهولوكوست العالمي المتأجج.
وختامًا أعبر عن خالص شكري وتقديري للمملكة المغربية ملكًا,وحكومة,وشعبًا .. والشكر والتقدير موصل للقائمين على أمر تنظيم هذا المؤتمر الجليل.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
![]()

الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم .. واصطفاه وكرَّمه بنعمة العقل والإرادة والاختيار.. وشرَّفه بالنهوض بمهمة أمانة الاستخلاف في الأرض.. وسخر له ما في السموات والأرض من أجل عمارتها وإقامة الحياة العادلة الآمنة في ربوعها.. والحمد لله رب العالمين الذي كرَّم أمتنا فبوأها مواقع الوسطية بين الأمم .. وشرَّفها بمهمة الشهود الحضاري عل الناس .. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين إمامنا وحبيبنا وقرة أعيننا نبينا ورسولنا الهادي البشير سيدنا محمد بن عبد الله رافع لواء العالمية العادلة في الأرض .. ورائد العولمة الراشدة بين الناس .. وأصلي وأسلم على آل بيته الأخيار الأطهار .. وعلى جميع صحابته الغر الميامين الأبرار. . والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله ورسله.
مقدمة:
لا أحسب أحدًا يماري أن السير الحضاري في حياة الأمم يعاني اليوم من خلل كبير .. !
· أليست غالب المجتمعات البشرية تعاني من تدهور خطير في أمنها واستقرارها..؟
· أليس الرهب والخوف والرعب يحيق بالناس من كل جانب ويحيل حياتهم إلى جحيم ..؟
· أليست حياة الناس في سقم وقلق وقد فقدت البيئة سلامتها وعافيتها وحنانها , فأصبحت متوحشة يخافها الناس ويخشون أمراضها وأوبئتها المتنوعة .. ؟
· ألسنا نصحو وننام على أخبار القتل والدمار مما لم تعد جهة في الأرض في منجى منه ومنأى عنه .. ؟
· أليست البشرية في ضنك شمولي رغم التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل في شتى ميادين الحياة ..؟
· أليس هذا يؤكد أن المسيرة الحضارية العالمية تعاني من انتكاسة مدمرة .. ؟
· فما هو نوع هذه الانتكاسة في سيرنا البشري المعاصر ..؟
· ما هي أسبابها ومقوماتها .. ؟
· وكيف التعامل معها ..؟
هذه التساؤلات تحتاج لأن نتعامل معها بجدية وإخلاص لعلنا نحقق خطوة ما باتجاه التصحيح والترشيد ! ولعلنا نوفق ليصب كل منا ولو قطرة ماء لإطفاء هذا الهولوكست العالمي الشامل المدمر!
وسأحول في هذا البحث المختصر -بعون الله وتوفيقه - تشخيص هذه الانتكاسة الحضارية .. وأن أحدد أسبابها الرئيسة .. وأميط اللثام عن معوقات السير الحضاري في حياة الأمم .. ومن ثم وضع مقومات ملامح منهج راشد .. لتحقيق سير حضاري بشري آمن .
بعد تأمل وتفكر طويل ومضني في الحالة العالمية الراهنة, وفيما تلقاه المجتمعات الدولية من عنت ومخاطر.. بحثًا عن السبيل الناجع لإخراج المسير البشرية من الأزمة الحضارية التي تعاني منها , وسعيًا لتحديد مقومات منهجية تصحيح وترشيد .. وتطلعًا إلى تحديد مسؤولية الأمة الإسلامية في المساهمة في عوامل التصحيح والترشيد .. أجل بعد هذا التأمل وجدت أن مصدر الخلل الكبير في السير الحضاري البشري يعود لأسباب متعددة يمكن ردها إلى أمرين اثنين رئيسين هما:
1. اضطراب مفهوم الحضارة لدى الكثير من الأجيال البشرية,
2. اختلال معايير الأداء الحضاري في المجتمعات .
ولتوضيح طبيعة هذين الأمرين.. لكونهما المعوقين الأساسين في عملية السير الحضاري المعاصر.. رأيت من المناسب أن أجلي -من وجهتي نظري -مفهوم كل من :
· مصطلح الحضارة ,
· والأداء الحضاري المتوازن.
أولاً -مفهوم مصطلح الحضارة :
تحدث الناس كثيراً عن الحضارة ولا يزالون , وسيبقى الحديث عن الحضارة في تجدد دائم , لأن هذا المصطلح كما أحسبه , مصطلح موسوعي ليس من السهل الإحاطة به إحاطة كاملة , فهو يحمل معاني فلسفية , و ثقافية , ومادية , وعلمية , وروحية , و دينية . والناس عندما يتعاملون مع هذا المصطلح , فإن كلاً منهم يتعامل معه من وجهة نظره الثقافية , وعلى أساس من تكوينه الوجداني والتربوي , وبالتالي جاءت الرؤى واسعة ومتعددة , مما أفرز صيغًا كثيرة لمعنى الحضارة , وقد حاولت حصر ما وقع منها تحت يدي , فبلغت ما يقرب من مائة تعريف , وضعها مفكرون وعلماء من المسلمين وغيرهم من مختلف أنحاء العالم , مما يعني أن مصطلح الحضارة لم تستقر حالته على مفهوم واحد عند الناس , ولا يزال الموضوع يتسع للمزيد من التأمل والتفكر عبر الزمان والمكان ، وهذا بتقديري أمر إيجابي , لأنه يشكل مصدراً للتجديد والمفاعلة , التي تعطي فرصة للإنسان , ليبقى دائم البحث عن الأفضل . ومن جانبي فقد بدا لي أن إشكالية مصطلح الحضارة في دوائر الفهم عند المسلمين مصدرها:
· التداخل المخل بين مفاهيم الثابت والمتغير في النص الديني من جهة,
· واضطراب مفهوم العلاقة بين الروحي والمادي بمفهوم العبادة في الإسلام من جهة أخرى.
لا شك أن النصوص الدينية الصحيحة من الكتاب والسنة ينبغي أن تكون موضع إجلال والتزام, ولكن الإشكالية القائمة هي في اضطراب الرؤى في فهمها, وفي منهجية إسقاط دلالاتها على الواقع , فتجد مثلاً أن هناك تناقضاً كبيراً واضطراباً شديداً عند البعض , في فهم النص الديني وفي منهجية إسقاطه على الواقع فيما يتعلق بعلاقتنا مع الآخر, وهذا ما سيأتي تفصيله فيما بعد .
1. نماذج من صيغ فهم المسلمين لمصطلح الحضارة :
· وأبدأ بابن خلدون ، وقد اخترت جملاً تمثل بتقديري خلاصة رؤيته بهذا الشأن , حيث يقول : أن الحضارة هي الزائد على الضرورة من العمران , أي أن هناك ضرورة لا تدخل في الحضارة, فالحضارة تبدأ من حيث الزيادة , ويؤكد العلاقة الوثيقة بين نشوء الحضارة وولادتها وبين نشوء الدولة القوية ، فلا وجود لحضارة مع غياب دولة قوية , ثم يقول: إن الدين مؤسس فاعل في نشوء الحضارة . هذه تقريبا خلاصة أفكار ابن خلدون الأساسية في قضية الحضارة .. وطبعًا من وجهة نظري تبقى أفكارًا يؤخذ منها ويرد .
· ومن التاريخ المعاصر نأخذ رؤية مالك بن نبي , الذي تجده وهو يتحدث عن الحضارة يؤكد فكرة موسوعية المصطلح , حيث قال : الحضارة تعرّف من حيث جوهرها , ومن حيث تكوينها , ومن حيث أداؤها , ومن حيث وظيفتها , ومن حيث علاقاتها مع المجتمع والآخر, وطرح معادلة حضارية تؤسس لبلورة وجهة نظره لمفهوم الحضارة , ومعادلته الحضارية تقوم على العلاقة بين الإنسان والتراب والزمن:
الإنسان + تراب + الزمن = حضارة
وأثارت هذه المعادلة اهتمامي بشأن موضوع الحضارة منذ عام 1971 ميلادي , يوم أن استمعت إلى مالك بن نبي -يرحمه الله تعالى - وهو يتحدث عن مفهوم الحضارة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة , وكان بينه وبين سيد قطب - يرحمه الله تعالى - خلاف بشأن مفهوم الحضارة , فسيد قطب يرى أن الإسلام هو الحضارة ، ولا يصح أن يطلق اسم الحضارة على أي فعل أو منتج بشري غير مقترن بمنهج الإسلام , أما مالك بن نبي فيرى أن الحضارة هي منتج كل تفاعل بشري مع التراب , وبين هذا التوسع غير المحدود لمعنى الحضارة عند مالك , و بين ذلك التخصيص المحدد عند سيد لمعناها , وجدت من الممكن التفكير بشكل آخر , وما حفزني على هذا التفكير , المعادلة الكيميائية التي كتبها يومئذ مالك بن نبي , على سبورة المدرج الجامعي الذي كان يقدم محاضرته من على منبره , ليوضح للحضور خطأ سيد قطب في حصر الحضارة بالمنتج الإسلامي دون غيره , والمعادلة كما يلي :
هيدروجين + أكسجين + شرارة = ماء
ثم علق قائلاً إن التفاعل بين عنصري الهيدروجين والأكسجين يتم بواسطة فعل شرارة محرضة , حيث ينتج عن هذا التفاعل الماء الذي تعرفونه وتشربونه ,وأحسبه قال إنه ماء الحياة , ثم تابع ليقول : أن المعادلة الحضارية شبيهة بهذه المعادلة , إلا أن عناصرها من نوع أخر :
تـــراب+ إنـسان + الزمن = حضارة
طبعا وبحكم تخصصي الكيميائي , وجدت أن مثل هذا التبسيط لمعادلة تكوين الماء من الهيدروجين والأكسجين مخل للغاية ، فالعملية أكثر تعقيداً من ذلك , وبالتالي فإن القياس عليها بمعادلة :
" تراب + إنسان + زمن = حضارة " يكون مخلاً كذلك، وفي نهاية المحاضرة استأذنته بالتعليق على ما جاء فيها , حيث قلت : إن هذه المعادلة الكيميائية التي طرحتها , هي أحد حالات التفاعل بين الهيدروجين والأكسجين وهي ثلاث حالات , لا شك أن الهيدروجين العادي , في تفاعله مع الأكسجين العادي , وفي شروط مناسبة يعطي الماء العادي( ماء الحياة ) كما عبرت ، ولكن إذا غيرنا الشروط واستبدل الهيدروجين بأحد نظائره , فإن نتائج التفاعل ستتغير , لتكون واحدًا من مركبين أحدهما يسمي ( الماء الأكسوجيني ) , والآخر يسمي ( الماء الثقيل ) , وكتبت على السبورة المعادلات التالية :
· أكسجين + الهيدروجين العادي + شروط مناسبة = الماء الطبيعي الصالح للحياة.
· الأكسجين + نظير الهيدروجين* + شروط خاصة = الماء الثقيل.
· أكسجين + نظير الهيدروجين** + شروط محددة = الماء الأكسوجيني.
إذاً فتفاعل الأكسجين مع الهيدروجين مع تغير الشروط وتغير نظائر الهيدروجين , ينتج ثلاث أنواع من الماء , كلها مفيدة , ولكن هناك ماء واحدًا الذي يمتلك الصفات الكاملة الصالحة لإقامة الحياة وديمومتها , وهو الماء العادي ماء الشرب , وبالتالي إذا أردنا أن نطبق هذه المعادلة , على تفاعل الإنسان مع التراب , أو على الأصح مع المادة , لأن التراب أحد أنواع المادة , وقلت له دعنا نعدل المعادلة الحضارية لتكون على النحو التالي :
· الإنسان + المادة + تنوع في المنهج = تنوعاً حضارياً
حيث أن المنهج هو الذي يصوغ سلوكية الإنسان , ويؤسس وجدانه وكفاءاته ومهاراته وهو يتعامل مع المادة, فهناك إنسان سوي وآخر منحرف , ومخطئ ومصيب , وإنسان مسؤول وآخر عابث , وإنسان عالم وآخر جاهل , وإنسان ماهر مبدع وآخر تقليدي.. وإنسان منتج وآخر مستهلك .. والإنسان بهذا التنوع من المواصفات , هو الذي سيؤثر في النهاية على سير المعادلة , وهو الذي سيتحكم بطبيعة وهوية نتاجها الحضاري, نعم هناك تنوع حضاري , وأنا معك وأؤيدك بأن كل تفاعل بشري مع المادة ينتج أثرًا حضاريًا ، ولكنها ليست سواء , فهناك حضارة خيّرة , وهناك حضارة أكثر خيرية , وفي المقابل هناك حضارة شريرة , وهناك حضارة مسالمة , وحضارة متوحشة عدوانية , فأردت بذلك أن أبين أنني لست مع سيد قطب فيما ذهب إليه ( بأن لا حضارة مع غير الإسلام " وأنني لست كــذلك معك وأنت " تساوي بين الحضارات".
أجل فأنا مع التنوع الحضاري, ومع أن هناك علاقة مشتركة بين الحضارات, ولكن الحضارات ليست سواء, فثار وغضب وضرب على المنبر بيده , ولذت بالصمت أمام ثورته التي فاجأني بها , وانقسم الحضور إلى فريقين , كل فريق انحاز إلى أحد الرأيين , وتشجعت لما رأيت التأييد لما عرضت من أفكار , وبدأت مشواري مع الحضارة , و كتبت بعدها مقالة بعنوان " كيمياء الحضارة " , كانت أول مقالة لي حول الحضارة ومفاهيمها , حيث تحدثت عن كيمياء الحضارة في النفس البشرية , وفي المجتمع , وانطلقت اهتماماتي بمفهوم الحضارة .
ثانيًا -نماذج من الفهم الغربي للحضارة:
· وأختار منها تعريف أوزولد شبنقلر الألماني , الذي تحدث كثيراً عن الحضارة , وقال كلاماً موضوعياً ودقيقاً وعميقاً , وخلاصة ما قاله في النهاية : إن لكل حضارة دستوراً أخلاقياً , يتجلى في العقيدة وقوة النفس , وإن الدستور الحضاري لا يتمحور حول العقل , بل يتمحور حول الوجدان ، وركز على الوجدان البشري وعلى السلوك البشري , في قضية المفهوم الحضاري , وجعل العقل تابع للوجدان , على خلاف ما يقوله الآخرون , بأن العقل أولاً والوجدان ثانياً .
· والنموذج الآخر هو رؤية آرنولد توينبي حول الحضارة , وكما هو معروف فإن توينبي عالم اجتماع كبير على طريقة ابن خلدون , ففي سياق التحدث عن النظرية الاجتماعية , تحدث عن الحضارة, وعرّف الحضارة على أنها وحدة من وحـدات التاريخ , فيقول : إن التاريخ وحدات , والحضارة هي وحدة تاريخية , ثم يتحدث عن نشوء الحضارة , فيطرح فكرة الاستجابة والتحدي , فقال :
" إن الاستجابة للتحديات عند الإنسان , فردًا أو مجتمعًا هي سبب نشوء الحضارة "
فما دامت هذه الاستجابة قائمة مع التحديات , كانت الحضارة واستمرت وتطورت , حتى إذا ضعفت الاستجابة للتحديات , وقف الإبداع البشري , وتعثر سير الحضارة , وتحولت النخبة المبدعة , إلى نخبة مسيطرة على الناس بالقوة , لأنها أحسّت بأنها هي التي أبدعت الحضارة , ثم عجزت عن الاستمرار أو ملت أو تعبت , فتبدأ بالتعويض عن عجزها في الاستمرار في ميادين الإبداع الحضاري , من خلال فرض ثمرة إبداعها الحضاري على الآخر بالقوة , ثم يقول : ومع هذه الحالة تبدأ مرحلة سقوط الحضارة .
وهذا يعني بوضوح أن افتتان المبدع بثمرة إبداعه ، ثم انحباسه في أبهة إنتاجه الحضاري , ومن ثم محاولته فرض تراثه الإبداعي على الآخر بالقوة ، تعبيراً عن عجزه في متابعة الإبداع , أو تعبيراً عن الإعجاب بالذات وعظمة التفوق والاستعلاء على الآخر , إنما هي بداية السقوط الحضاري , لا شك أن مثل هذا التحليل , يعبر عن عمق في التفكير , وله دلالاته الموضوعية عبر التاريخ البشري, وهانحن نعايش ما يؤكده ويصدقه في تاريخنا المعاصر .
وبعد هذه الرحلة مع مفهوم الحضارة ,وجدت أنه من الواجب .. ومن الاستجابة للتحديات .. أن يفكر أحدنا في بلورة رؤية جديدة بشأن مصطلح الحضارة .. رؤية تتصل بالماضي وتستفيد منه , وتستجيب لتحديات الحاضر وتلبي احتياجاته وطموحاته .. وبنفس الوقت تؤسس للمستقبل وتستشرف متطلباته .. وفي هذا السياق سألت نفسي سؤالاً فقلت:
لو أردنا في ضوء ما تقدم من أفكار أن نضع تعريفاً للحضارة فماذا يمكن أن نقول ؟
ومع انشغالي في بلورة إجابة عن هذا السؤال , وجدت أن الغرب يتحدث عن الحضارة بعبارة (Civilization), ونحن ترجمنا هذه العبارة إلى "حضارة ", وهذه ترجمة غير صحيحة بالمعنى الحرفي والترجمة الحرفية للعبارة هي " المدنية ", ومن جهة أخرى وجدت فريقًا آخر من الغرب , يعبر عن الحضارة بعبارة " Culture" أي ثقافة. فهناك إذًا مدرستان لمفهوم الحضارة عند المفكرين الغربيين , مدرسة تعبر عن الحضارة بمصطلح " Civilization " أي المدنية , والمدرسة الثانية تعبر عنها بمصطلح " Culture " أي الثقافة , وما بين المدرستين طبعاً حوار وجدل مستمر , و هنا بدأت أتأمل مصطلحنا العربي " حضارة " والذي جاء كما هو معلوم من التحضر ومن الحضور والاستقرار , عكس البداوة والتنقل وعدم الاستقرار. فأحسست أن المصطلح العربي ( حضارة ) هو المصطلح الأنسب للتعبير عن حالة تفاعل وتعامل الإنسان مع مكنونات الكون من حوله واستثمارها لصالح حياة الإنسان وكرامته واستقراره وتنمية مصالحة, فكلمة حضارة بالعربية تعبر عن حالة بناء مركبة من ( بناء اجتماعي ثقافي , وبناء مادي عمراني ) , وبكلمة أخرى إنها تعبير عن حالة تكامل ما بين البناء الوجداني والبناء المادي للإنسان .. أو حالة تكامل ما بين البناء الأخلاقي والبناء الإبداعي عند الإنسان .. وبشكل أعم فإن عبارة " حضارة " بالعربية تعبر عن حالة تكامل بين البناء الثقافي والبناء العمراني في حياة الناس . وبذلك يكون المصطلح العربي قد عبر عن مقاصد المدرستين الغربيتين ( مدرسة الثقافة , ومدرسة المدنية أي العمران ) , ويقدم للبشرية مصطلحاً يغنيها إن شاءت عن الجدلية المحتدمة بشأن الحضارة بين الثقافة والمدنية , فمصطلح الحضارة عندنا يشتمل على المصطلحين معاً ( الثقافة و المدنية ) أو ( الثقافة والعمران ) , وبالتالي اقترحت من قبل وأجدد الاقتراح اليوم أن يكون تعريف الحضارة بشكل عام حسب تقديري وفهمي :
" هي ثمرة كل جهد بشري يبذل لعمارة الأرض وفق ثقافة ما "
بمعنى أن لكل أمة منهجها الاجتماعي , ولكل أمة كفاءاتها ومهاراتها المادية , أو بعبارة أخري , فإن لكل أمة ثقافتها ومدنيتها الخاصة بها , والثقافة والمدنية عاملان متكاملان في إقامة البناء الحضاري لكل أمة , وأحسست أن هذه الرؤية لمفهوم الحضارة , تطرح علينا سؤالين مهمين :
1. هل نحن أمام حضارات بشرية متعددة .. أم حضارة بشرية واحدة ؟
2. وما هو المشترك الحضاري بين الأمم ؟
في سياق المقترح السالف الذكر للحضارة , أرى أن الحضارة تقوم على مرتكزين اثنين :
· مرتكز ثقافي ,
· ومرتكز مدني أو عمراني.
وحيث أن لكل أمة ثقافتها الخاصة بها , ولها كفاءاتها ومهاراتها وإبداعاتها المادية المتميزة بها , فنحن لا شك أمام وحدات حضارية متنوعة , ومصدر التنوع هنا بتقديري هو التنوع الثقافي ,فالثقافة هي المصدر الأساس في صياغة مهارة الأمة , وبعث حوافزها الإبداعية المادية ,والثقافة هي مصدر أساس لسلوك وارتقاء ممارساتها الحضارية .. وهنا أطرح سؤالين أحسبهما على درجة عالية من الأهمية :
1. هل نحن أمام وحدات حضارية إبداعية متكاملة ؟
2. أم أننا أمام وحدات حضارية إبداعية منعزلة لا صلة بينها ؟
في إطار الرؤية المتشكلة في ذهني عن مفهوم الحضارة , وفي ضوء ما اقترحت آنفًا من تعريف للحضارة يمكنني القول :
· أن الحضارة من حيث شقها المادي هي نتاج بشري تراكمي , فلكل أمة لها إضافتها الحضارية المادية في عملية البناء المادي للحضارة البشرية.
· إلا أن البناء الحضاري المادي البشري ككل , تكتنفه وحدات حضارية متميزة تمثل البصمات الحضارية الإبداعية لكل أمة من الأمم , وتكتنفه كذلك وحدات من حالات أداء حضاري قيمي, يعكس ثقافة كل أمة ومنهجها وسلوكها الحضاري .
· أي أننا أمام بناء حضاري مادي تراكمي , يمثل الإرث الحضاري المادي البشري المشترك , تكتنفه وحدات حضارية إبداعية, و تكتنفه سمات وممارسات أخلاقية في الأداء الحضاري البشري, تشهد لكل أمة بنوع هويتها الحضارية , وطبيعة أثرها الحضاري في حياة الإنسان والبيئة إيجاباً وسلباً .
· وباختصار نحن في النهاية أمام تكامل و تمايز حضاري:
1. تكامل حضاري في البناء المادي ,
2. وتمايز حضاري في الإبداع والأداء الأخلاقي .
وتأسيسًا على ما تقدم فإنني أرى وأؤكد المرة تلو المرة , أن هناك حضارات متعددة , تتكامل في البناء المادي , وتتمايز في الأداء الأخلاقي , عرفت المسيرة البشرية حضارة العصر الحجري , فحضارة حقبة الفحم الحجري , ثم حضارة عصر البترول , ودخلت البشرية الحضارة الذرية , فالإلكترونية , والإشعاعية , وهانحن نلج الحضارة الجينية والباب سيبقى مفتوحاً , حتى تستكمل الأرض زينتها وزخرفها , ويأتي أمر الله سبحانه , حيث تكون نهاية رحلة الحياة الدنيا نسأل الله تعالى حسن الختام .
وتعاقبت على هذه الحضارات أمم وملل وثقافات , كل منها أدى دوره وساهم في قيام البناء الحضاري المادي عبر العصور , وترك بصماته الإيجابية أو السلبية على حياة الناس والمجتمعات والبيئة , حتى أننا نجد في داخل الحضارة الواحدة , بصمات إيجابية وأخرى سلبية , مثلما نجد في الحضارة الواحدة تنوع في اللمسات الإبداعية , فنحن في الحضارة الإسلامية لدينا لمسات حضارية عربية, وأندلسية , وأخرى هندية , وباكستانية , وتركية , وفارسية , وغيرها , وحتى في البلد الواحد عندنا تنوع لمسات إبداعية حضارية وفق العادات والتقاليد, وهذا التنوع في الإبداع ,والتنوع في الأداء , إنما مصدره التنوع الثقافي والأخلاقي , فلكل أمة ثقافتها , ولكل أمة مدنيتها , فالأمم تتكامل في المنتج المدني أو العمراني , وتتمايز في السلوك الثقافي والأخلاقي , وبهذا التصور لمفهوم الحضارة نكون قدمنا للناس بتقديري مفهومًا وسطًا لمعنى الحضارة , ربما ينهي حالة الاضطراب المحتدمة بشأنه على الساحة الثقافية العالمية. الاضطراب الذي يشكل-للأسف -مصدرًا للتضاد بين الحضارات .. ويؤسس لمقولة صراع الحضارات .. !
ثانيًا - الأداء الحضاري :
إن إشكالية الأداء الحضاري بتقديري هي الإشكالية الأهم والأخطر على حياة الناس والبيئة , والأداء الحضاري له شقان:
1. أداء إنتاج ( كمي ونوعي ),
2. وأداء تطبيق واستهلاك .
والثقافة بمحتواها القيمي والأخلاقي , هي التي تقرر بالنهاية هوية الأداء الحضاري بشقيه الإنتاجي والتطبيقي أو الاستهلاكي , إن كان أداءً إيجابيًا لصالح الإنسان وكرامته وسلامة البيئة , أو أداءً سلبيًا على الإنسان وكرامته , ومصدرًا لإفساد البيئة ومكنوناتها.
ونحن المسلمين نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى , قد استخلف الإنسان في الأرض بصفته إنساناً لمهمة عظيمة وجليلة , هي عمارة الأرض وإقامة العدل , فكل إنسان في هذا الكون مكلف بعمارة الأرض , تكليفاً وتشريفاً ربانياً , بصرف النظر عن هوية انتمائه العرقي , أو الجنسي , أو القومي , أو اللوني , أو الديني , وتبقى ثقافة الإنسان الدينية والمعرفية هي مصدر الاختلاف و التنوع في طبيعة بنية عمارة الأرض وهوية المجتمعات البشرية .. وعلى أساس من المفهوم الشمولي للثقافة , اقترح تعريفاً لمفهوم الحضارة في الإسلام , فأقول :
"الحضارة الإسلامية هي ثمرة كل جهد بشري يبذل لعمارة الأرض وفق منهج الاستخلاف الرباني "
ومنهج الاستخلاف الرباني يقوم على مرتكزين اثنين :
· مرتكز قيم ومبادئ وأخلاقيات ,
· ومرتكز ماديات ومهارات ووسائل .
ومرتكز القيم والمبادئ والأخلاقيات , يتمثل في قوله تعالى : " فاعلم أنه لا اله إلا الله " , وما يندرج تحته من قيم ومبادئ ومعايير وضوابط وأخلاق , وجاء جميع الأنبياء ليتحدثوا عن هذا المرتكز الأساس في منهج الاستخلاف الرباني , منذ آدم عليه السلام إلى نوح , وإبراهيم , فموسى , فعيسى , إلى أن ختم الأمر بسيدنا ورسولنا محمد عليه وعليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام , حيث يقول رسولنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :
"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله , وأخذ الناس يطوفون به ويقولون : ما أجمل هذا البناء , وما أحسنه , لولا موضع لبنة فيه , فأنا اللبنة وأنا خاتم الأنبياء" . تأكيداً منه عليه الصلاة والسلام , أن منهج الاستخلاف الرباني واحد , بشّر به الأنبياء والرسل جميعاً , كل بقدر ما كلف به وفق ظروف زمانه ومكانه.
أما مرتكز الماديات والوسائل والمهارات , فيتمثل في قوله تعالى :
" فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " , وما يندرج تحت معنى المشي من ماديات وسائل ومهارات .
إذاً نحن أمام منهج للاستخلاف في الأرض قوامه " العلم والعمل " , فنحن بين " فاعلم و فامشوا ", فإذا قامت التوازنية الدقيقة بين مبدأ " فاعلم " ومبدأ " فامشوا " قام المنهاج الصحيح لعمارة الأرض , وقامت الحضارة الآمنة العادلة , أما إذا حصل خلل بين هذين المرتكزين , كان خلل في السير الحضاري ، أي خلل في الأداء الإنتاجي , و خلل في الأداء التطبيقي أو الاستهلاكي للمنتج الحضاري , ونحن اليوم في تاريخنا المعاصر نعاني من خطورة الخلل في الأداء الحضاري بشكل عام, فهناك خلل في الأداء الإنتاجي , مثلما هناك خلل في الأداء الاستهلاكي, خلل في التعامل مع مرتكز ( فاعلم ) ,وخلل في التعامل مع مرتكز( فامشوا ) , فأمم أتقنت المشي في الأرض , وتفوقت في مهاراتها فاستطاعت بجدارة استثمار الكون ومكنوناته استثمارًا واسعًا, إلا أنها أخفقت في التعامل مع مرتكز ( فاعلم ) , أي مع القيم والمبادئ والأخلاق , مما وولد خللاً وعبثية في أدائها الإنتاجي التكنولوجي ( كماً وكيفاً ) , على حساب كرامة الإنسان وسلامة البيئة , وهناك أمم تميزت بحسن تعاملها مع مرتكز ( فاعلم ) , أي مع القيم والمثل والأخلاق , إلا أنها أخفقت وتخلفت في ميادين ( فامشوا ) , مما ولد خللاً كبيراً في موازين السير الحضاري في حياتها , انعكس سلبياً على أمن واستقرار ورفاهية شعوبها , فنحن أمام مشهد حضاري مضطرب غير متوازن .. جانب من المشهد يقدم لنا صورة مشرقة من تفوق الإنسان في ميادين الإبداع التكنولوجي , ولكن تتخللها تشوهات من الخلل في ميادين القيم والمبادئ والسلوكيات , والجانب الآخر من المشهد يقدم لنا صورة قاتمة من تخلف الإنسان في ميادين الإبداع التكنولوجي تتخللها إشراقات في ميادين القيم والمبادئ والسلوكيات ,فنحن إذًا أمام مشهد حضاري يحتاج إلى تصحيح .. تصحيح في بعث ورفع مستوى الإبداع التكنولوجي عند أقوام .. وبعث ورفع مستوى الاهتمام والالتزام بالقيم والسلوكيات عند أقوام آخرين .. والمشهد الحضاري يكتنفه كذلك خلل من نوع عام .. خلل وعبثية في الإنتاج .. وخلل وعبثية في الاستهلاك .. وهذا يعني أننا بحاجة لأن نصلح عبثية الأداء في الإنتاج , وعبثية الأداء في الاستهلاك والتطبيق, ويوم تتمكن البشرية من تصحيح الخلل , بإعادة التوازن في سيرها الحضاري بين مرتكز القيم والسلوكيات وبين مرتكز الماديات والوسائل والمهارات , ويوم تتمكن من تصحيح العبثية في الإنتاج والعبثية في الاستهلاك .. نكون قد وضعنا الأداء الحضاري البشري على المسار الصحيح , المسار الذي يحقق كرامة الإنسان , وسلامة البيئة , والتعايش العادل والآمن بين الأمم.
فمن المعلوم أن عبثية الإنتاج وعبثية الاستهلاك.. وعبثية عدم توخي مصلحة الإنسان وكرامته في الأداء الحضاري , لا تزال منذ القدم تمثل الخطر الأكبر الذي يهدد سلامة السير الحضاري , وينتكس بثمرات الجهد البشري الحضاري , ويجعلها مصدراً للهلاك والدمار والشقاء , بدل من أن تكون مصدرًا لبعث مقومات الحياة والبناء والتنمية والرفاهية. والتاريخ يؤكد ذلك والحاضر يؤيده ويصدقه.
فالتاريخ يحدثنا عن حضارات قامت وأبدعت وفق معطيات زمانها وظروفها , إلا أنها اندثرت وبادت , بسبب من خلل وعبثية في أدائها الإنتاجي,وخلل وانحدار في سلوكها وقيمها , مثل حضارة حمورابي , والحضارة البابلية , والكونفوشية , والمانوية , والفرعونية , والفارسية , واليونانية , والرومانية , ويحدثنا القرآن الكريم عن قوم عاد , وثمود , وقوم صالح وغيرهم , ممن أقاموا حضارات شامخة , وأشادوا صروحاً عمرانية فريدة , إلا أنهم ظلموا وطغوا وأفسدوا في الأرض , فانهارت دولهم , وهوت صروحهم فبادوا واندثروا , ولم تبق لهم باقية , إلا باقية صخرية أو مدونة حجرية تحكي للأجيال جوانب من قصة وجودهم , حيث يقول الله تعالى : " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " .
أما التاريخ المعاصر , فيقدم لنا شهادات من أفواه زعامات معروفة , تؤكد لنا أن أخطر ما يهدد المسيرة البشرية , هو اختلال الأداء الحضاري واختلال العلاقة بين عملية الإبداع التكنولوجي والأداء القيمي والسلوكي , فهاهو روزفلت الرئيس الأمريكي الأسبق يقول بشأن إشكالية الأداء :
" ليس ما نملك هو المهم من أجل أن نكون أمة عظيمة، ولكن المهم هي الطريقة التي نستخدم بها ما نملك"
أما جون فوستر دالاس فيقول:
" إن الأمر لا يتعلق بالماديات ، فنحن نمتلك أكبر إنتاج عالمي في الماديات , ولكننا بحاجة إلى إيمان قوي وصلب وفاعل ، وبدون هذا الإيمان سيكون كل ما نملك قليل " , مؤكداً أن قوة الأمة ليس بما تملك من إنتاج وترسانة نووية , بل قوتها الحقيقية في إيمانها وقيمها.
وجورباتشوف الرئيس الأسبق للإتحاد السوفيتي يقول في البروسترويكا:
" نحن وأمريكا نملك من المخزون النووي ما يكفي لتفجير الأرض عشر مرات " , سبحان الله وهل نحتاج إلى تفجيرها إلى أكثر من مرة ؟ هذا إن أصبح تفجيرها هدفاً وغاية حضارية مشتركة ذات يوم ؟؟؟!!! فلصالح من يا ترى تأتي هذه الزيادة في الإنتاج النووي , لتكون بمقدار تسع مرات عما نحتاجه لتفجير الأرض؟؟؟!!! . أليس هذا من عبثية الأداء في الإنتاج التكنولوجي , أوليس هذا من العبثية المركبة عندما يسخر البعض التكنولوجيا النووية لصناعة الموت والدمار والشقاء , بدل أن يسخرها لصالح الحياة والبناء والتنمية والرخاء , ويوم يبالغ في الانحراف فيسرف في صناعة منتج الهلاك أضعافاً مضاعفة , على حساب لقمة الغذاء , وحبة الدواء , وقطعة الكساء لمئات الملايين من الشعوب التي تعيش تحت خط الفقر والحرمان , بل على حساب معالجة أسباب العوز والبطالة والأمراض , التي يعاني منها الملايين من مواطني بلدان التضخم النووي, وبلدان ترسانات أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية. ,
إذاً نحن نواجه عبثاً في الإنتاج التكنولوجي , وعبثاً في الاستخدام والتطبيق , وهذا العبث التكنولوجي هو الذي يسيطر اليوم على المسيرة الحضارية , وهذا ما يؤكد أن الإشكالية الحضارية هي إشكالية أداء. فهناك اضطراب كبير في العلاقة بين العلم والقيم , فالعالم اليوم يتربع على قمة الإنتاج الصناعي والتكنولوجي , ولكن للأسف يعاني من انحدار وتدهور مدمر في أمنه واستقراره , وذلك بسبب من تخلف مرعب في الأخلاق والسلوكيات في ميادين الحياة, وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الهندي المشهور طاغور لصديق له من الغرب وهو يحاوره :
" لقد استطعتم أن تحلقوا في الهواء كالطيور، و أن تغوصوا في البحار والمحيطات كالأسماك ، ولكنكم للأسف إلى الآن لم تستطيعوا أن تمشوا كالإنسان في الأرض " , فالعالم اليوم يريد إنسانًا يمشي في الأرض وهو يدرك ما هو المطلوب لإقامة حياة بشرية آمنة .
ويقول مستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا المشهور :
" من الغريب المضحك أن البلاد والدول تنفق الملايين من الجنيهات لوقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها ولكن لا تنفق شيئاً من أجل ضبطها " .
أما الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون يقول في كتابه المشهور " الفرصة السانحة :
" في القرن العشرين خطا تقدمنا التكنولوجي خطوات أوسع بكثير من تقدمنا الأخلاقي والسياسي ، الأمر الذي ينبغي أن لا ندعه يحصل أو يستمر في القرن الحادي والعشرين , من أجل أن نكون شركاء في زيادة فرص السّلم , والحدّ من فرص الحروب ".
وللأسف جاء الأمر على عكس ما أراد نيكسون , فها نحن في القرن الحادي والعشرين نعاني من حروب عالمية مفتوحة الأجل والهدف ! ، تقتل وتدمر تحت مبررات وشعارات متنوعة ومبهمة .
أردت بحشد هذه الأقوال لزعماء من أنحاء العالم لتأكيد ما ذهبت إليه من أن الأزمة العالمية الراهنة هي أزمة أداء حضاري مدمر .. أزمة مدمرة في عبثية الإنتاج الحضاري .. وأزمة مدمرة في توحش وجنون الأداء الحضاري .. أجل نحن أمام جنون حضاري في الإنتاج .. وجنون حضاري في الأداء والتطبيق.. وللأسف يأتي هذا الجنون الحضاري على حساب كرامة الإنسان وقدسية حياته .. مثلما يأتي على حساب سلامة البيئة وصحة الإنسان وأمنه.
الإشكالية الحضارية عند المسلمين :
تحدثت فيما سبق -بشكل عام -عن الإشكالية الحضارية في المسيرة البشرية , ولكن ما هو إشكالنا الحضارية نحن المسلمين ؟
وبهذا السؤال نتحول بأنفسنا لنتحدث عن الذات, عن الخلل من داخلنا .. لاشك أن إشكالنا الحضاري هو إشكال أداء , شأننا في ذلك شأن بقية الأمم , وإشكالنا في الأداء الحضاري بشقيه الانتاجي والاستهلاكي .. يبدو لي من خلال التأمل والتفكر بأنه يتمثل بشكل رئيس في اضطراب مفاهيم العلاقة:
1. بين العقيدة والشريعة والرسالة ,
2. بين تدين الأفراد وتدين الدولة ,
3. بين التمايز العقدي للأمة , وبين مهمة المشترك العمراني مع الآخر.
أولاً-اضطراب فهم العلاقة بين العقيدة والشريعة والرسالة:
فنحن المسلمين نؤمن بأن الإسلام عقيدة وشريعة ورسالة , والعقيدة هي جوهر الدين والتدين .. وهي التي تمثل الخصوصية الدينية التي تميز المسلم ديانة واعتقادًا عن غيره من أتباع الأديان الأخرى , مثلما هو شأن العقيدة عند غير المسلمين , فهي التي تميزهم كذلك عن غيرهم من أتباع الديانات , وهذه الخصوصية العقدية هي أساس التميز الديني فبدونها أو باختلال قواعدها لا قيمة لمعنى الدين والتدين .. وبدون العقيدة كذلك تحبط الأعمال مهما عظمت وحسنت .. وتتحول إلى سراب لا يروي من عطش.. وتؤول إلى هباء لا يسمن ولا يغني من جوع.. وأساس العقيدة والاعتقاد في الإسلام .. هو توحيد الله تعالى بإلوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وأحواله " فليس كمثله شيء " .. والعقيدة تتطلب إفراد الله تعالى بالعبودية الخالصة له سبحانه وعدم الشرك به وامتثال أوامره جلّ شأنه .. وبالمقابل فإن لكل أتباع دين موقفهم المماثل تجاه عقيدتهم التي تميزهم عن غيرهم,وهذه القضية حسم الإسلام موقفه منها ، بنصين قرآنيين محكمين :
· " لكم دينكم ولي دين "
· " لا إكراه في الدين "
إذاً لا ينبغي أن نطيل الجدل مع الآخر حول قضية العقيدة , لأن الإسلام حسم إشكالها بعد أن قرر القاعدة الربانية الخالدة : " لكم دينكم ولي دينِ " وقرر بشكل حاسم وقاطع " أن الدين عند الله الإسلام " وأعلنها صريحة جلية " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " .. طبعًا يقابل هذا الحسم من قبل المسلمين حسم مماثل من قبل أتباع الديانات الأخرى فهم يصرون كذلك بأنهم على الدين الحق.. ويصرون أن دينهم هو طريق النجاة إلى الله وفق اعتقادهم .. لذا أرى أن نتحول بأنفسنا من دائرة الجدل مع الآخر بشأن العقيدة والاعتقاد إلى دوائر البحث عن المشترك في القيم والأخلاق الدينية.. وهذا ما سنفصل فيه فيما بعد .
والشريعة .. هي القواعد والأحكام التي تحكم السير العادل والآمن للإنسان في ميادين الحياة. . ووجدت الشريعة الإسلامية تتحدث عن أمرين رئيسين :
الأول - يتعلق بالأحوال الشخصية الدينية للإنسان , من طلاق وزواج وإرث وعلاقات أسرية إلى آخره , وهذه أيضًا قد حسم الإسلام موقفه منها , فأعطى للمواطنين غير المسلمين حق الاحتكام في هذه الأمور إلى شرائعهم , مما يؤكد عدم وجود مشكلة لغير المسلم بهذا الشأن ، وقد قرر الإسلام حق غير المسلم أن يتحاكم فيما يتعلق في أحواله الشخصية الدينية إلى شريعته إن شاء ,
والأمر الثاني من الشريعة :
يتعلق في المصالح العامة للمواطنين , والإسلام يقرر أن المواطنين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات في شؤون الحياة ومصالحها , وهنا نقول كذلك : لا مشكلة لغير المسلم مع الشريعة الإسلامية .
وأما الرسالة فهي بفهمي تمثل المبادئ والقيم والمنطلقات من منهج الإسلام , التي تنظم علاقة المسلم مع الكون والآخر .. وتنظم شؤون الحياة , وترسم للناس المسار الرباني المشترك من أجل:
· النهوض بمسؤوليات عمارة الأرض وصرف الفساد عنها, عملاً بقول الله تعالى : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " والتزامًا بقوله سبحانه : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيه اسم الله كثيرًا ".
· تحقيق التعارف بين الناس من أجل التعاون لتحقيق الأفضل للجميع , وفقاً لقول الله جلّ شأنه : " يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " .
وقد بدا لي من خلال تتبع مسألة عمارة الأرض في النصوص الدينية الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في الأرض من أجل عمارتها ، أنه سبحانه استخلفه بكونه إنساناً فحسب , بصرف النظر كما أسلفنا عن هوية انتمائه العرقي , أو القومي , أو الديني , أو الجنسي , أو اللوني , وتحدث القرآن في سياق الاستخلاف عن الأمانة عن قوله تعالى :
" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان "
إذاً فالإنسان وحده على الإطلاق هو الذي حمل هذه الأمانة , والعلماء اختلفوا في تفسير هذه الآية اختلافات واسعاً ، وصدر عنهم ما يزيد عن عشرين معناً بشأن هذه الآية ، ولكن في النهاية رجح أكثرهم أن المقصود من الأمانة هنا هي أمانة الاستخلاف في الأرض . فإذا كانت الأمانة هي أمانة الاستخلاف , فهي إذاً ليست أمانة في عنق المسلم فحسب ، ولكنها أمانة في عنق كل فرد من بني آدم بكل مللهم وأديانهم , وبالتالي يجب أن نتحدث عن هذه الأمانة , بصفتنا جميعاً من بني آدم ( رجالاً ونساءً ) حملّنا ربنا سبحانه وتعالى أمانة الاستخلاف ، كل حسب عقيدته وشريعته , فأنا بعقيدتي وشريعتي ، والآخر بعقيدته وشريعته , ولكن تجمعنا قيم ومبادئ ومسؤوليات أمانة منهج الاستخلاف الرباني .
وبعد .. إن كانت العقيدة كما مر معنا هي التي تمثل الخصوصية الدينية التي تميز المسلم عن غيره من أتباع الديانات والثقافات .. فإن الشريعة والرسالة بالمقابل قد أعطت مساحات من المشترك بين المسلم وغيره في ميادين الحياة .. وذلك لتحقيق المصالح المشتركة بين الناس جميعًا , ولدفعهم وحفزهم على التسابق في عمل الخير , كما هو بين في قوله تعالى : " أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا " ، فالله سبحانه أقام قاعدة التسخير والحاجة المتبادلة بين الناس, مثلما قرر مبادئ التعارف, والتدافع, والتنافس بينهم من أجل تحقيق الخير للبشرية جمعاء, مما هو اليوم بتقدير غير مفعّل على الأغلب في حياة المسلمين , مثلما هو غير مفعّل كذلك في حياة الناس أجمعين, فالتدافع الحضاري بين الناس غير مفعّل ، والتعارف البشري غير مفعّل ، والتساخر والتعاون بين الأفراد والمجتمعات غير مفعّل , والتنافس في فعل الخيرات غير مفعّل.
وفي إطار اهتمامي بهذا الأمر, وجدتني أقرأ وأتأمل قول الله سبحانه وتعالى :
" وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " 48/5 هذا خطاب للناس جميعا " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ".
ثم تتابع الآية في سردها لمراد الله " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم " ثم تأتي الغاية العظيمة والدعوة الربانية الجليلة :
" فاستبقوا الخيرات ".
ثم تختم الآية منبهة الجميع إلى أمر بغاية الأهمية والدلالة :
" إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ".
فلا تكثروا الجدل حول هذا الاختلاف في الشرائع ، بل اجعلوا هذه التنوع بشأنها مصدر إثراء .. ومصدر تعاون .. ومصدراً للتسابق في الخيرات " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات " .
وبعد هذا العرض المطول لمعاني ودلالات كل من دوائر العقيدة والشريعة والرسالة .. وتجلية طبيعة العلاقة والتكامل بينها .. لكونها تشكل مرتكز صحة واستقامة نهج الإنسان المسلم في ميادين الحياة .. وترسم السبيل المستقيم للنهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض .. أجل بعد هذا التوضيح بشأن تأكيد تمركز وتلازم وتكامل العلاقة بين العقيدة والشريعة والرسالة في الإسلام .. ننتقل للإجابة عن إشكالية اضطراب مفاهيم العلاقة بين العقيدة .. والشريعة .. والرسالة عند بعض المسلمين.
وجوابًا أقول: مما يؤسف له أن بعضًا من طلبة العلم , بل و بعضًا من علمائنا ومفكرينا , يعانون من خلل في التعامل مع منظومة منهج الإسلام المتكاملة والمتلازمة .. منظومة العقيدة والشريعة والرسالة .. خلل أحدث لديهم اضطرابًا في توازنية العلاقة والتكامل بين دوائر العقيدة , و الشريعة , و الرسالة , ويتمثل هذا الخلل بأنهم وسعوا حدود وظيفة دائرة العقيدة توسعًا مبالغًا فيه على حساب مساحات دائرتي الشريعة والرسالة .. حتى أصبحت دائرة العقيدة وعلى الأخص عقيدة " الكفر والإيمان " .. هي النافذة الوحيدة التي يطل منها هؤلاء على الناس من غير المسلمين .. وجعلوها شرطهم اللازم والوحيد لمشروعية التعامل والتعايش مع غير المسلمين .. مما أحدث عندهم توسعًا مخلاً في مسألة الولاء و البراء ، الذي أفرز بدوره ظاهرة التكفير وتعميماتها. الأمر الذي أصبح بحاجة ملحة منا لبذل الجهد لإعادة التوازن في فهمنا للعلاقة بين العقيدة , والشريعة , والرسالة , ولإعادة ترسيم الحدود الفقهية بكل علمية وموضوعية بين وظائف كل من هذه الدوائر الثلاثة , لتتضح للأجيال بكل دقة حدود وظيفة كل من العقيدة والشريعة والرسالة .. من أجل ألا تطغى مساحة دائرة على مساحات غيرها من الدائرتين الأخريين ولا تعطل مهامهما ومقاصدهما.. ومن أجل فك الارتباط المخل بين ما هو من خصوصيات التمايز العقدي والديني .. وبين ما هو من منطلقات التعايش والتافس الإنساني في ميادين إقامة الحياة .. ولتحقيق المصالح المشتركة بين العباد مع وجود الاختلاف والتنوع بينهم في العقائد والشرائع والغايات والمقاصد .. وبشأن تجلية هذه الغاية الإنسانية النبيلة .. قلت وأنا أخاطب جمعًا من العلماء والمفكرين والساسة في مؤتمر دولي حول حوار الحضارات عقد في جزيرة رودس – اليونان : كوننا أيها السادة نتحدث هنا عن حوار الحضارات , فهذا يعني أننا نؤمن بالتعددية الثقافية , لأن الثقافة هي مكون أساس من مكونات الحضارة , وكوننا نؤمن بالتعددية الثقافية , إذاً نحن نؤمن أيضا بالخصوصيات الثقافية , لأن الخصوصية الثقافية هي أساس التنوع الثقافي ، فبدون الخصوصية الثقافية لن يكون هناك تنوع ثقافي , ولو زالت الخصوصيات الثقافية لكان هناك ثقافة بشرية واحدة , فالتنوع الثقافي إذاً سببه الخصوصية الثقافية .
· ولكن هل نكتفي بهذا القدر من الفهم والاتفاق ؟
· أم أننا بحاجة إلى نقلة ثقافية أخرى في هذا الاتجاه ؟
· وما هي نوعية هذه النقلة ؟
· وما هو المطلوب منا تجاهها..؟
وجوابًا عن هذه التساؤلات أقول : إن النقلة النوعية الثقافية التي أنشدها.. تتمثل بالتحول بمفردات الخطاب الثقافي الإنساني:
· من الفردية إلى الجماعية,
· ومن القومية إلى الإنسانية,
· ومن الإقليمية إلى العالمية.
أما المطلوب منا تجاه ذلك .. فهو العمل الجاد للبحث معاً عن:
· ثقافة إنسانية مشتركة ,
· وتحديد مقومات هذه الثقافة الإنسانية المنشودة.
وبشأن هذه الغاية الإنسانية النبيلة .. قلت للمشاركين يومئذ: إن الإسلام قد اعتنى بهذه المسألة من وراء أربعة عشر قرنا, فوضع سبعة أعمدة كأساس لثقافة إنسانية مشتركة ، فكانت بتقديري المنطلقات الأساس لأول ميثاق عالمي في التاريخ البشري.. أطلقها رسول الإسلام سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب جموع المسلمين والناس جميعًا يوم الحج الأكبر, حيث قال عليه الصلاة والسلام :
1. أيها الناس إن ربكم واحد , مؤكدًا وحدة مصدرية الإيمان في الكون .
2. أيها الناس إن أباكم واحد, مؤكدًا وحدة الأسرة البشرية.
3. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام , مؤكدًا قدسية حياة الإنسان وممتلكاته .
4. أيها الناس إن ربكم قد حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرماً , مؤكدًا أن العدل أساس كل فضيلة , وأنه الحارس الأقوى والأضمن لأمن الأفراد والشعوب والمجتمعات.
5. أيها الناس إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم,مؤكدًا أهمية الأمن والسلام العالمي وسلامة البيئة , ومقررًا بأن ثقافة الأمن والسلام في حياة الناس ليست قانوناً فحسب بل هي في الإسلام قيمة دينية ووجدانية .
6. أيها الناس استوصوا بالنساء خيراً , إن للنساء عليكم حقاً ولكم عليهن حقا" , مؤكدًا التكامل المنصف بين حقوق وواجبات الرجل و المرأة, وتكامل مسؤولياتهما في ميادين الحياة .
7. أيها الناس إن الله قد حكم " أن لا ربا " تأكيداً على الأمن الاقتصادي , وعدم استغلال حاجة الفقراء والمحتاجين لصالح الأثرياء والجشعين.
فهذه الأعمدة السبعة تضعنا أمام مشترك ثقافي إنساني .. تؤكد وحدة مصدرية الإيمان للناس جميعاً ، ووحدة الأسرة البشرية ، وإقامة العدل ، وتكامل مسؤوليات المرأة والرجل ، وسلامة البيئة ، والأمن والسلام العالمي ، والأمن الاقتصادي ، أجل هذه سبعة أعمدة أو سبعة مرتكزات ومنطلقات , يطرحها الإسلام لتكون أساسًا لثقافة عالمية مشتركة ، وهذا بتقديري ما ينبغي أن يكون أساسًا ومرتكزًا لآفاق فهمنا-نحن المسلمين -لعظمة رسالة الإسلام ومقاصدها الإنسانية .
ثانيًا-اضطراب فهم العلاقة بين تدين الأفراد وتدين الدولة:
والإشكالية الدينية الثانية في منهجنا , في إطار إشكالية أدائنا الحضاري , هي إشكالية اضطراب الفهم بين مسؤوليات تدين الفرد , ومسؤوليات تدين الدولة , أو اضطراب مفاهيم فقه تدين الفرد , ومفاهيم فقه تدين الدولة , وبداية أقول :
· أن فقه تدين الأفراد غالباً يقوم على الأخذ بالتحوط والتشدد"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
· بينما تدين الدولة يدور حول تحقيق المصالح ومراعاة حال عموم الأمة " سيروا بسير أضعفكم ".
وبذلك يغلب على فقه تدين الأفراد الأخذ بالتشدد, بينما يغلب على فقه تدين الدولة الأخذ بالأيسر والرخص , وفي ميادين القتال فإن فقه الأفراد يميل إلى التضحية والفداء , بينما فقه الدولة يقوم على الأخذ بأسباب السلامة وحقن الدماء , وأضرب لذلك مثلاً من السيرة بموقفين جاءا في وقائع قصة صلح الحديبية وهما :
1. في طريقه صلى الله عليه وسلم متوجهًا إلى مكة معتمرًا .. عثرت ناقته القصواء .. فقال بعض من حوله لقد خلأت القصواء ..! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ما خلأت..! وما هو لها بخلق .. ولكن حبسها حابس الفيل .. ثم قال عليه الصلاة والسلام: والله لا تدعوني قريش اليوم إلى أمر أحقن به دماء الناس إلا وأجبتها عليه .. فالخضوع والاستجابة لأي أمر يحقن دماء الناس كان منهج رسول الله صلى عليه وسلم .. وهو ما ينبغي أن يكون نهج كل دولة مسلمة في ميادين الحياة .. وذلك يوم لا يكون اعتداء على المسلمين في دينهم وأرضهم وسيادة أوطانهم.
2. موقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حيال صلح الحديبية , وكيف أنه خاطب أبا بكر رضي الله عنه مستنكراً شروط الصلح , التي وقعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مفاوض قريش سهل بن عمر قائلاً : ألسنا بالمسلمين ؟ , أليس برسول الله ؟ لما نضع الدنية من أنفسنا ؟!
فيرد عليه أبو بكر الصديق : مه يا عمر إني أعلم أنه نبي , فيضطر عمر للذهاب إلى مخاطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة : ألست برسول الله ؟ ألسنا بالمسلمين ؟ لما نضع الدنية من أنفسنا ؟! فيشيح رسول الله بوجه عن عمر , تعبيراً عن رفضه لما ذهب إليه عمر – رضي الله عنه - من فهم لفقه هذا الصلح , وأمضى رسول الله صلحه مع القوم في إطار التفاصيل المعروفة لأهل العلم , وفي طريق العودة إلى المدينة المنورة , أنزل الله تعالى على نبيه – صلى الله عليه وسلم سورة الفتح , تأييداً لما وقع في صلح الحديبية , فأخذ عمر يردد أفتح هذا ؟! فيجيبه صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده إنه لفتح .. وفي رواية أخرى يجيبه عليه الصلاة والسلام مداعباً : أجل إنه فتح ورغم أنف عمر ..! مما ولد الندم فيما بعد عند عمر – رضي الله عنه -عما بدر منه يوم صلح الحديبية , فبقي طول حياته يردد : يومان يؤرقان عمر , يعني يوم الحديبية , واليوم الثاني , يوم أن حاول استغلال حاجة المرأة اليهودية , التي أحسن إليها وأكرمها , فدعاها للإسلام فأبت فخشي أن يكون تصرفه ذاك معها من الإكراه في الدين , رضي الله عنك وأرضاك يا أبا حفص , لقد كنت أواباً للحق , مثلما كنت صداعاً به , يخافك الشيطان ويهابك , فما سلكت فجاً قط إلا وسلك فجاً آخر ..
وبتأمل هذين الموقفين من الفهم بشأن صلح الحديبية.. موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ممثلاً للدولة .. وموقف عمر رضي الله عنه ممثلاً لإفراد الأمة .. موقف يمثله رأس الدولة المعصوم المؤيد والمسدد بالوحي .. والذي بشهادة الله تعالى لا ينطق عن الهوى.. الموقف الذي يقرر أن ما جاء في الصلح إنما هو فتح من الله .. وموقف من رجل هو في قمة هرم الخيرية في الأمة الإسلام .. موقف الإمام العادل الذي قال عنه سيدنا رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام : " لو كان نبي بعدي لكان عمر بن الخطاب " .. وهو الذي جاء القرآن الكريم موافقًا لرأيه في أكثر من مرة .. الموقف الذي يرى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن الصلح يمثل انتكاسة لعزة المسلمين .. وأنه دنية ينبغي على المسلمين ألا يرضوا بها .. بل عليهم رفضها ونقضها والتمرد عليها .. أجل بتأمل هذين الموقفين المتناقضين .. التناقض بين مفاهيم فقه الدولة ممثلاً برسول الله عليه السلام وبين مفاهيم فقه الأفراد ممثلاً بعمر رضي الله عنه.. لنا أن نتصور كم هي مساحة احتمالات حصول مثل هذا التناقض بين مفاهيم فقه الأفراد ومفاهيم فقه الدولة في زماننا المعاصر..!؟
لذا لا بد من العمل على إنهاء مثل هذا الخلل بين مفاهيم فقه تدين الأفراد , ومفاهيم فقه تدين الدولة , لينتظم صف الأمة وفق فهم راشد, لفقه الدولة والعلاقات الدولية وفق منهج الإسلام العظيم .
ثالثًا-اضطراب العلاقة بين فهم التمايز العقدي للأمة,وبين مهمة المشترك العمراني مع الآخر.
أما إشكاليتنا الدينية الثالثة في إطار إشكالية أدائنا الحضاري , هي إشكالية الاضطراب بين فقه التمايز العقدي للأمة , وفقه المشترك العمراني أو الحضاري بينها وبين الآخر , وهذه مسألة تحتاج بتقديري إلى بحث خاص بها , يعطي لها مساحةً كافيةً تتناسب مع أهميتها وخطورتها , وعلى أي حال سأقول كلمات معدودات بهذا الشأن , لعلها تلقي الضوء على أبعاد هذه المسألة المهمة.
لاشك أن الأمة الإسلامية مثل غيرها من الأمم , لها عقيدتها الدينية الخاصة بها , التي تتميز بها عن غيرها من العقائد الدينية والروحية , ولها كذلك تمايزها الثقافي في إطار التعددية الثقافية البشرية , ومن الاعتقاد في الإسلام أن حياة الإنسان كلها في عبادة الله .. ومن خلال تأملي في مسالة العبادة " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " رأيت أن مثل هذه الغاية الشاملة لخلق الجن والإنس لا يمكن تصورها والإحاطة بها إلا إذا وسعنا فهمنا أو فهم بعضنا لمعنى العبادة في الإسلام .. حيث أن الفهم الصحيح للعبادة لا يكون إلا مع الاعتقاد بأن عبادة الله تعالى ينبغي أن تشمل أداء وتصرفات وأفعال الإنسان في ميادين الحياة .. وعلى أساس من هذا الفهم لمعنى العبادة في الإسلام اجتهدت لأقول أن العبادة نوعان : عبادة روحية تتعلق بأركان العقيدة , وتتمثل في توحيد الله تعالى وعدم الشرك به , وإقامة الصلاة , وصوم رمضان , وأداء الزكاة , والحج إلى بيت الله الحرام في العام مرة على الوجوب , وتتكامل مع هذه العبادات عبادة من نوع آخر أسميها العبادة العمرانية أو العبادة الحضارية تتمثل بأداء الإنسان وممارساته في ميادين الحياة , فنحن إذاً أمام عبادتين في الإسلام:
· عبادة روحية,
· وعبادة عمرانية.
والعبادة العمرانية هي المعنية بالنهوض بمسؤوليات أمانة الاستخلاف في الأرض , وحيث أن الناس جميعاً مكلفون بمهمة الاستخلاف , إذاً نحن جميعاً شركاء بأداء مهمة الاستخلاف , وبما أن أداء مهمة الاستخلاف واجب رباني , فمن قام بها طاعة لله وامتثالاً لأمره فهو في عباد ة , وهذه العبادة مثل أي عبادة لها ثوابها في الآخرة , ولها جزاؤها ومنافعها في الدنيا , والعباد بحسب نياتهم وصحة اعتقادهم , فهم مع هذا النوع من العبادة على مرتبتين : مرتبة ينال أهلها معها ثواب الآخرة مقروناً بمنافع الدنيا , والمرتبة الثانية ينال أهلها معها منافع الدنيا كاملة غير منقوصة , ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب في الثواب " من كان يرد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لا يبخسون أؤلئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوافيها وباطل ما كانوا يعملون " وعلى أساس من هذا الفهم , تزول بتقديري إشكالية التمايز العقدي , في إطار المشترك العمراني بين الناس جميعاً , وتنتفي من جهة أخرى مفاهيم التناقض الوهمي عند بعضنا , بين التمايز العقدي الديني , وبين مسؤوليات التعاون مع الآخر للنهوض بمهمة أمانة المشترك العمراني , لتحقيق مراد الله تعالى في عمارة الأرض وإقامة العدل بين الناس.
v إشكال اضطراب مفاهيم التقدم .
وهذه أيضًا من القضايا المهمة التي تحتاج إلى أن نقف عندها لنجلي إشكالية علاقة الدين والتدين بمسألة التقدم والتخلف في ميادين الحياة .. حيث أن هناك مقولة تتردد على ألسن الكثيرين من الناس وهي : أن الغرب تقدم عندما فصل الدين الدولة .. فهل الدين عقبة أمام التقدم ..؟ أم ماذا ... ؟
لاشك أن الغرب تقدم عندما فصل الدين عن الدولة , وهذه حقيقة واقعة ولكن تحتاج لتجلية وهذا ما سيأتي لاحقًا, وفي المقابل هناك حقيقة أخرى لها ما يؤكدها ويصدقها وهي : أن المسلمين تقدموا يوم أن أقاموا التلازم والتكامل الجاد بين الدين والدولة, , ويوم أن احتضنوا الحضارات السابقة لهم .. فدرسوها ومحصوها فأخذوا الصالح والمفيد منها وحسنوه وطوروه .. فأشادوا بذلك صروحاً حضارية شامخة لا يبخسها إلا جاهل أو جاحد .. ثم نقلوا بأمانة ثمرات نتاجهم وإبداعاتهم الحضارية للناس جميعًا بدون انتقائية أو احتكار .. وهكذا كانوا جسرًا متينًا آمنًا وأميننًا في تواصل الحضارات وتكاملها وارتقائها .. وبعد فكيف يمكننا أن نحل هذا اللغز ؟
أناس التزموا الدين في منهج حياتهم فأفلحوا وتقدموا , وآخرون رأوا أن الدين مصدر تخلفهم ففصلوه عن حياتهم فتقدموا بعد تخلف .. ! فما هي علاقة الدين بمسألة التقدم والتخلف في ميادين الحياة ؟
أمة تقول أن الدين مصدر تقدمها ورقيها.. وأخرى تقول أن الدين مصدر تخلفها .. أين الحقيقة يا ترى ؟ أفيدونا رحمكم الله !
وأجيب قائلاً : إن مقولة أن الغرب فصل الدين عن الدولة , تحتاج بتقديري إلى إعادة نظر من قبل من يقول بها ويعتقد بصحتها , فالغرب بفهمي لم يفصل الدين عن الدولة ، ولكنه أبطل وأزاح المفاهيم الدينية المغلوطة من أمام مسيرة الحياة ومتطلباتها , الغرب فصل المعوقات الدينية التي استحدثتها الكنيسة ظلماً وعدواناً في وقت من الأوقات , ظناً منها أن عزل الناس عن الحياة وصرفهم عن الانشغال بها .. هو السبيل الأفضل لربطهم بالكنيسة واستمرار ولائهم لها .. ! وأنه الوسيلة الأنجع لضمان خضوعهم لمنهج الهيمنة والسلطوية الكهنوتية, فوضعت الكنيسة من أجل ذلك تعريفها المستهجن للدين من قبل كل ذي عقل ,كما جاء ذلك في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى في العلوم والآداب والفنون / الجزء المشتمل على كلمة الدين " La Grande Encyclopedie des Sciences, des Letters et des Arts, Articales: "Religion " حيث قالت :
· " الدين هو ما يشتمل على كل معلوم وكل سلطة لا تتفق مع العلم ",
· " الدين هو الطريقة التي يحقق بها الإنسان صلاته مع قوى الغيب العلوية ".
فقررت الكنيسة بذلك أن الدين هو كل ما يتصادم مع العلم .. وهو فقط لتنظيم علاقة الإنسان بعالم الغيب دون عالم الشهادة .. ولا شأن له بالحياة .. فأقامت بذلك جداراً وحاجزاً بين الدين والتعامل مع شؤون الحياة .. وعزلت أجيالها عن الأخذ بأسباب ووسائل التقدم الحضاري ، فجاء الرد بالثورة الصناعية التي تمردت على مثل هذه القيم الكهنوتية التي أحدثها سلطة الكنيسة , ونفض الغرب عن كاهله هذا الإرث البغيض , وحطم القيود الكهنوتية التي حبسته عن الحياة وميادين التقدم والارتقاء , إلا أنه من حهة أخرى بقي مرتبطًا بالكنيسة في وجدانه وقيمه الروحية وتقاليده العامة , ثم عادة السلطة الكهنوتية من قريب واستدركت على خطيئتها بما أحدثته ومارستها من مفاهيم كهنوتية خاطئة , مما يتصادم مع فطرة الإنسان ونواميس الحياة , فكانت سبباً في عزلتها عن ميادين السير الحضاري , وانعزال الكثرة الكاثرة من أتباعها عن سلطتها, ووجدت نفسها بذلك مهجورة ومعزولة عن أبناء الكنيسة , الذين ساروا بركب حركة العلم والصناعة التي استجابت لطموحاتهم وتحديات زمانهم , والذين لقبوا أنفسهم بالعلمانيين ردًا منهم على ( الظلاميين ) من رجال السلطة الكهنوتية على حد تعبيرهم , فبادرت الكنيسة الكاثوليكية وعقدت مؤتمرها الكهنوتي العالمي ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) لتستدرك على خطيئتها بشأن نظرتها تجاه الكون وحركة العلم , والذي استغرق الإعداد له ما يزيد عن سنتين من 1960 – 1962 , واستمر المؤتمر ذاته عبر دورات متتالية حتى نهاية عام 1965 م , حيث أصدر قراراته , ودساتيره , ومواقفه الدينية , من الأديان الأخرى , ومن العلمانية , حيث أعلنوا عن مصالحة دينية بين الكنيسة والعلمانية , ومما جاء في تقرير ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) بهذا الصدد : " أعاد المجمع الفاتيكان الثاني إلى الأذهان مقولة ( شعب الله ) و ( الكنيسة – جماعة المؤمنين ) التي لا تقتصر على رجال الاكليروس , بل تشمل خصوصاً على العلمانيين , وتقدر رسالتهم حق قدرها " معيدة بذلك للعلمانيين دورهم البارز والأساس في حياة الكنيسة وتاريخها , إنه المجمع الذي أولى العلمانيين اهتماماً كبيراً وفريداً , فأفرد لهم فصلاً في الدستور العقائدي ( الكنيسة ) , وقسماً لا يستهان به في الدستور الرعوي ( الكنيسة في عالم اليوم ) , وأصدر قـــراراً كاملاً يعيد إليهم اعتبارهم , ويؤكد رسالتهم المميزة , إلى أن يقول التقرير : ( فإن عمل العلمانيين الرسولي والخدمة الرعوية يكمل كل منهما الآخر) , ويقول التقرير في موطن آخر عن العلمانيين : ( وإنه لواسع جداً ميدان العمل الرسولي على الصعيدين الوطني والدولي , حيث يكون العلمانيون وكلاء الحكمة المسيحية ) , ويختم التقرير قائلاً : ( فليرحب الرعاة بهؤلاء العلمانيين بارتياح وشكر , وليحرصوا على أن تكون أوضاعهم الحياتية متوافقة مع مقتضيات العدالة والإنصاف والمحبة , وليحرصوا كذلك على أن تتوفر لهؤلاء العلمانيين الوسائل اللازمة لتثقيفهم , وبنيانهم الروحي , وتشجيعهم ). . وأعلن المجمع المسكوني عبارته التي تقول " العلمانيون جند من جنود الكنيسة بوسائل أخرى " . وبذلك أنهت السلطة الكهنوتية للكنسية الكاثوليكية عزلتها إلى حد ما عن قسم كبير من أبناء ديانتها , وطوت صفحة حقبة الصراع المرير مع العلمانية , التي تمردت بالأمس على قيودها الكهنوتية , المعوقة للسير في ميادين الحياة والإبداع والارتقاء , وأعادت إليها اعتبارها الديني الذي أسقطته عنها , بل وأوصت الرعاة الكهنوتيين - كما ذكر أعلاه - بهم خيراً , وبذلك يتأكد بأن العلمانية لم تنفصل قط عن الكنيسة وجدانياً وعقدياً وروحيناً , ولكن الكنيسة هي التي انحبست عن مناحي الحياة , ونأت بنفسها عن ميادين متطلبات فطرة الإنسان , أما العلمانية فقد مارست حقها المشروع بالتمرد على المفاهيم الخاطئة التي أحدثتها السلطة الكهنوتية لصالح الهيمنة , ولمقاصد أخرى لا مجال للتفصيل فيها في هذه العجالة .
أما نحن المسلمين .. فعندما تقدمنا كان ذلك بسبب تفعيلنا لقيم الدين والحياة معًا جنبًا إلى جنب, ولكوننا طبقنا بجدية مبادئ ومقاصد رسالة الإسلام التي تحثنا على البحث العلمي والإبداعي , وتدعونا إلى العمل من أجل تسخير مكونات الكون للنهوض بمسؤوليات عمارة الأرض , وقد ربط الإسلام ذلك كله بأساسيات الإيمان , وأدخله في دوائر الجزاء والثواب والعقاب , تأكيداً على التلازم والتكامل الأكيد بين محاريب العبادة الروحية , ومحاريب العبادة العمرانية والحضارية , والإسلام هو الدين الوحيد والمنهج الحياتي الفريد , الذي يكافئ الباحث المخطئ , تشجيعاً له على استمرارية البحث والنظر في كل ما يحقق عمارة الأرض , ويوفر الخير والرفاهة للعالمين , أما الباحث الناجح المبدع فيضاعف له الأجر والثواب تقديراً له على إبداعه , ودفعاً له على المضي في ميادين البحث والارتقاء , وبالمقابل عندما تخلفنا وتقاعسنا عن تفعيل قيم الإسلام ورسالته في الحياة , واكتفينا بالارتباط الوجدان والعقدي بالإسلام .. وانحبسنا بمحاريب العبادة الروحية .. وعزلنا أنفسنا عن محاريب العبادة العمرانية .. وعطلنا الحوافز الدينية والواجبات الربانية .. التي تدعونا وتأمرن للأخذ بأسباب البحث العلمي والتكنولوجي .. أصابنا ما أصابنا مما لا نحسد عليه من تخلف وهوان . إذاً مسألة التقدم والارتقاء الحضاري بتقديري تتعلقة بتفعيل ميادين الحياة , أو تفعيل مرتكز ( فامشوا ) في حياتنا, فإتقان مهارة المشي في الأرض .. هي معيار التنافس بين جميع الأمم في مهمة النهوض بمسؤوليات أمانة الاستخلاف في الأرض .
ومن جهة أخرى فنحن اليوم نعاني من إشكالية ظاهرة الاتهام المتبادل بيننا في البعد عن الإسلام , محاولة يائسة من بعضنا , للتستر أو تبرير خيبتنا وتخلفنا في ميادين الحياة , مثلما نواجه ظاهرة تعميم المؤامرة , والأخذ بمقولة التفسير التآمر المطلق للأحداث في حياتنا , لاشك أن المؤامرة موجودة , والفعل التآمري موجود , والمتآمرون ماضون في تطوير وسائل المؤامرة , ولا أحسب عاقلاً ينكر ذلك , ومن ينكر ذلك فهو إما غافل أو جاهل , إلا أن المرفوض هي ظاهرة الهوس التآمري , أو ظاهرة التفسير التآمري المطلق للأحداث , واتخاذ ذلك دريئة نخفي وراءها عجزنا عن المفاعلة الجادة مع تحديات زماننا وأحوالنا , وهكذا أصبح هوس المؤامرة , وتهمة البعد عن الله , المشجب الصلب الذي تعلق عليه تعاستنا وعجزنا وخيبتنا للأسف , ومن المؤسف والمضحك والمبكي بنفس الوقت , هو أن الذي يقول ويردد تهمة البعد عن الله , إنما يقصد في الغالب شخصاً آخر , وأنه شخصياً بريء من هذه التهمة الخطيرة التي يرمي بها غيره ، ولو وجه أحد له مثل هذه التهمة لثار وأزبد , وربما رد بعنف شديد على قائلها , إذاً هناك واحد آخر هو البعيد عن الله , وليس أنا وأنت في هذا المكان ، فنحن كلنا هنا قريبين من الله , والبعيد عن الله هو واحد آخر في مكان آخر , وطبعاً ذاك الآخر في المكان الآخر , يوجه التهمة لآخر غيره ربما نكون نحن في مكاننا هذا , لأنه بلسان حاله هو بريء كذلك من هذه التهمة , مثلما نحن وبلسان حالنا بريئون من هذه التهمة, وبالتالي فالأمة كلها وبلسان حالها متهمة بالبعد عن الله , وكلها بنفس الوقت بريئة من هذه التهمة. فتصوروا كم هي مخجلة هذه الحالة ؟ فالأمة كلها مع الله عندما يتحدث الإنسان منا عن نفسه ، وكلها بعيدة عن الله عندما يتحدث عن الآخر , وبالتالي فالأمة كلها متهمة وكلها بريئة , لا شك أنها حالة خطيرة ومخيفة.
ولتجلية هذه المسألة تعالوا لنراجع معاً الحديث النبوي الشريف الذي اتخذ منه بعض المسلمين مرتكزاً وحجة في الدلالة على صحة اتهام الأمة بالبعد عن الله , بل ويكاد هؤلاء البعض أن يحصر أسباب غثائية الأمة وتخلفها بمسألة تقهقر إخلاص العبودية لله .. استنادًا على ما جاء في هذا الحديث الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها , قال قائل أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : " لا بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل .. ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم .. وليقذفن في قلوبكم الوهن .. قالوا: وما الوهن يا رسول الله..؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ".
ويتضح جليًا من تساؤل أحد الصحابة عن سبب حالة الغثائية التي ستلحق بالمسمين قائلاً : أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ..؟ بأن الذي تبادر لذهن الصحابة تفسيرًا لتلك الحالة المؤلمة هي قلة عدد المسلمين .. إلا أن الجواب جاء مخالفًَا لما تبادر لأذهان الصحابة بشأن تفسير حالة غثائية الأمة بين الناس.. حيث أجاب عليه الصلاة والسلام قائلاً : " لا " " بل أنتم " (المسلمون ) يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل .
فالعلة إذاً في ضعف الأمة وهوانها على الناس يومئذ .. ليست قلة المسلمين بل هي غثائية منزلتهم ومكانتهم بين الأمم , و الجدل القائم اليوم بين المسلمين هو حول:
· ما المقصود بالغثائية ..؟
· أهي غثائية إيمان ..؟
· أم غثائية ساعد وسنان .. وغثائية تخلف في ميادين الحياة .. ؟
قطعًا وبكل تأكيد -بفهمي - هي غثائة تخلف في ميادين أسباب القوة والمنعة والإبداع .. وليست بحال غثائية إيمان وبعد عن الله , كما يحلو للبعض أن يفسر ويعلل حالة هوان الأمة وضعفها .. وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ويؤكده " بل أنتم يومئذ كثير " ،مما يؤكد أن المسلمين مع هذه الحالة سيكون عددهم كثير .. ولم يتضمن الحديث أي إشارة إلى تراجع الحالة الإيمانية عند المسلمين .. بل جاء في الأثر ما يبين بصراحة اعتزاز وإشادة رسول الله تعالى بإخوانه وأحبابه من المسلمين عبر الزمان .. حيث أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه وفحواه.. أنه قال ذات مرة لمن حوله من الصحابة : " أتدرون من إخواني ..؟ قالوا: نحن يا رسول الله .. ! قال: بل أنتم أصحابي .. أما إخواني فهم أولئك الذين يؤمنون بي دون أن يروني ووصفهم بأوصاف حميدة " .. فالمسلمون عبر الزمان من بعده عليه الصلاة والسلام هم إخوانه وأحبابه .. فليس من المستساغ بحال التشكيك بإيمانهم وإخلاص عبوديتهم لربهم تباركت أسماؤه .. لذا فإن حالة الهوان وحالة غياب مهابة الأمة من قلوب أعدائها– بفهمي- لا تتعلق بمسألة تراجع الإيمان في قلوب المسلمين وابتعادهم عن الله سبحانه .. بل تتعلق بمسالة الضعف والتخلف في ميادين الحياة .. وما يؤكد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم " فالمهابة لا تسقط من قلوب الأعداء إلا مع سقوط أسباب القوة والمنعة كما هو في قول الله تعالى:
· " أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله كان على شيء قدير " 165/3
· " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " 41/30
· " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ون رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون " 60 / 8
وحالة الوهن بالمقابل هي حالة إنتاجية .. تنتجها حالة سقوط مهابة الأمة وهوانها على الناس .. إذ مع حالة سقوط المهابة والضعف يبدأ ظهور حالة الوهن .. وذلك من خلال التبرير الخاطئ لعجز الأمة وأجيالها عن مواجهة التحديات .. ويبدأ الفهم المخل لفقه النوازل ينتشر ويتسع في أوساط الأمة .. وذلك من خلال التوسيع المجحف للقاعدة القرآنية الجليلة: " لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها " .. حيث يبدأ كل فرد من الأمة أمام الحالة المزرية من ضعف الأمة وتخلفها.. يبرر ويشرعن لنفسه ديانة حالة عجزه عن مواجهة التحديات الصعبة والمكلفة مع متطلبات الحياة .. وعجزه عن دخول ميادين التنافس مع الآخر في ميادين عمارة الأرض واستثمار خزائنها .. فينكفئ على ذاته والاهتمام بشؤونه الخاصة .. وينغمس بتوفير أسباب الرخاء والمتعة في حياته المعاشية وتنمو في نفسه ظاهرة : " حب الدنيا وكراهية الموت " .. وهو مطمئن لذلك ديانة تحت ظاهرة الفهم الخاطئ لقاعدة : " لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها " .. وأخذًا خاطئًا بالقاعدة الربانية الخالدة : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " .. فالغثائية إذًا هي غثائية التخلف عن المشي في الأرض , وهي غثائية التخلف في ميادين استثمار مكنونات الكون وفق ما أراد الله تعالى وأمر .. الغثائية هي غثائية هجر عبادة الله تعالى في محاريب سبر واستثمار مسخرات الكون .. إنها غثائية تعطيل مهمة واجب عمارة الأرض .. وغثائية العجز عن النهوض مسؤوليات الاستخلاف فيها.. وهذا ما عبرت عنه في مطلع هذا البحث بإشكالية الأداء الحضاري , ومرة أخرى أؤكد من جديد أن إشكالية هوان الأمة وضعفها ووهنها ليست إشكالية إيمان وبعد عن الله في الجانب الروحي والاعتقادي , إنما هي إشكالية تخلف وبعد عن أمر الله في تسخير مكنونات الكون .. وإشكالية افتقادنا للمهارة والإبداع في أدائنا الحضاري.. وغفلتنا عن تفعيلنا لقيم ومبادئ الإسلام .. التي هي من أهم مقاصدها إقامة الحياة " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " ، فالعلة في تخلفنا وهواننا على الناس تكمن في غثائية أدائنا وسيرنا في دروب الحياة.. وتكمن في غثائية تخلفنا في ميادين البحث العلمي وفي ميادين الإبداع والإنتاج التكنولوجي .. وليست بحال غثائية في ثوابت الإيمان والقرب من الله .. فهذا النوع من التعليل باتهام الأمة ببعدها عن الله .. إنما هو هروب من الاعتراف بالحقيقة المرة .. حقيقة تخلفنا وعجزنا وخيبتنا في ميادين الحياة .. حقيقة انحباسنا بمفاخر أمجادنا .. حقيقة فهمنا الخاطئ لمعنى الدين والتدين .. حقيقة الفهم الخاطئ للعلاقة بين مسائل الاعتقاد ومسائل تفعيل شؤون الحياة .. لذا فالتهمة ينبغي أن توجه إلى حالة أدائنا في ميادين الحياة, لا أن توجه إلى حالة الأمة الإيمانية وتبتل أجيالها المسلمة في محاريب العبادة الروحية .. فالأمة -ولله الحمد - في هذا الجانب على خير كبير وفضل عميم .. فهي على حال حميد في صلتها الروحية بربها وإخلاص العبودية له سبحانه , إلا أنها مقصرة ومتخلفة في صلتها مع ربها في محاريب العبادة العمرانية.. ومحاريب الأخذ بأسباب القوة والمنعة والارتقاء الحضاري , فهي تعاني من غثائية مخجلة في ميادين البحث والإبداع العلمي والتكنولوجي .. وبهذه الغثائية وبسبب من الركون إليها رتب الله تعالى على الأمة عقوبتين :
1. تلاشي مهابتها من قلوب أعدائها,
2. وهيمنة الوهن على قلوب أجيالها.
فهاتان العقوبتان لحقتا بالأمة بسبب من الغثائية ، غثائية السعي والمشي في مناكب الكون .. وغثائية المفاعلة والاستجابة لتحديات الحياة , وليست بحال بسبب غثائية في الإيمان .. أو غثائية في البعد عن الله كما يحلو للبعض أن يفهمها.. ليريح بذلك نفسه من عناء التأمل والتفكر والانهماك بهموم رفع كوابيس التخلف عن كاهل الأمة , وإزالة عوامل الخيبة من أمام طموحات أجيالنا في ميادين الحياة .. ولو أخذنا بمقولة غثائية الإيمان والبعد عن الله حسب رؤية من يحلو لهم ذلك, لوقعنا بحرج شديد في قراءة الكثير من مواقف ومراحل تاريخنا الإسلامي , الذي تكتنفه حالات عديدة من النجاح والارتقاء , فتاريخ الأمة الإسلامية مليء بواحات مزهرة .. ومزدان بلوحات مشرقة في مجال السبق العلمي والتقدم الحضاري .. وتكتنفه محطات متألقة في ميادين الإبداع والارتقاء العلمي والتكنولوجي في شتى مناحي العلوم .. ولا أحسب أحدًا يماري أن الأمة الإسلامية كانت في وقت من الأوقات المنارة الحضارية الوحيدة في المسيرة البشرية .. تؤمها الأجيال من كل الملل والثقافات لتنهل من معين علومها .. وتتلمذ في أحضان ميادينها التطبيقية.. وتتدرب في مختبراتها التجريبية .. هذه حقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل .. ويشهد لها القاصي قبل الداني .. ويعترف بها العدو والصديق على حد سواء .. وبعد:
· فهل تمّ كل ذلك التقدم والارتقاء العلمي والأمة الإسلامية في عزلة عن دينها .. ؟!
· وهل شمخت كل تلك الصروح الحضارية في تاريخ المسلمين وهم في قطيعة مع الله يا ترى .. ؟!
· وهل حصل كل ذلك الخير الذي عم الأرض والأمة سادرة عن عبادة ربها .. ؟!
لا أحسب منصفًا يفكر على هذا النحو الظالم الباطل .. ولا أحسب مبصرًا له صلة موضوعية بتاريخ الأمة الإسلامية يخوض بمثل هذا الجحود .. ويلوث لسانه وقلمه بمثل هذا الافتراء الأشر.
وبالمقابل لو أخذنا بمقولة غثائية الأمة في إيمانها وبعدها عن الله في تبرير حالة ضعفها وهوانها على الناس .. لوقعنا بحرج كبير ونحن نقرأ حالة الفتن التي مرت بها الأمة .. فنحن مررنا عبر تاريخنا بفتن التقى المسلمون بسببها بسيوفهم وسفكت دماؤهم بأيديهم , فهل يجرؤ أحد من المسلمين أن يتهم خيرة الصحابة بإيمانهم ووصفهم بغثائية القرب من الله بسبب ما وقع بينهم من فتن ؟
فتلك الفتن إذًا ما كانت لتكون إلا بسبب خلل واضطراب بمفاهيم الأداء السياسي عند بعض الصحابة في مسيرة تلك المرحلة , وبسبب خلل أصابهم في جانب من جوانب فقه إدارة شؤون الحياة ، فالصحابة على جلالة قدرهم وخصوصيتهم فهم بشر يصيبهم ما يصيب البشر من خلل وخطأ , وهكذا تبقى قضية التخلف والضعف والهوان في كل زمان مرتبطة بأسباب خلل ما يطرأ في التعامل مع منظومة مفاهيم فقه الحياة ، وبالتالي يجب ونحن نحاول قراءة حالة تخلفنا وضعفنا, أن نتحول بأنفسنا من جدلية تبادل التهم بشأن ضعف الإيمان والبعد عن الله , إلى موضوعية معالجة إشكالية تخلفنا في ميادين الأداء الحضاري, لقد نجحت أمتنا وتفوقت يوم أن كانت متفوقة في أدائها الحضاري المادي والثقافي , وعندما تخلفت عن أدائها الحضاري في ميادين الماديات والوسائل والمهارات , أصابها ما أصابها من الغثائية والوهن والهوان .. وهنا لا بد من وقفة مع مسألة التقدم واختلال واضطراب المفاهيم بشأنها .. فالتقدم في حياة الأمم نوعان :
1. تقدم مادي وإبداعي,
2. وتقدم أخلاقي وسلوكي.
والعلاقة بين هذين النوع من التقدم هي علاقة تحسين وتحصين .. فكل منهما يحسّن الآخر ويحصّنه .. ولا يشترط أن يكون أحدهما شرطًا أساسًا لوجود الآخر .. ولكنه شرط لتحسينه وتحصينه بكل تأكيد .. فمن الممكن أن يكون هناك تقدم أخلاقي وقيمي مع غياب أو تخلف في التقدم المادي والإبداعي .. ومع هذه الحالة يكون التقدم تقدمًا ضعيف الجانب ومهلهل الحصون مهدد من الخارج .. وفي المقابل يمكن أن يكون هناك تقدم مادي إبداعي مع غياب أو تخلف في التقدم الأخلاقي والقيمي .. ومع مثل هذه الحالة يكون التقدم تقدمًا متوحشًا مُهددًا بعوامل الانهزام , والانهيار , والزوال من داخله .. ألم تغب حديثًا من عالمنا المعاصر واحدة من أكبر إمبراطوريات الإنتاج العلمي والتفوق التكنولوجي .. وذلك بسبب من تدهور القيم في سيرها الحضاري .. وبسبب من تجاهلها للعالم الداخلي للإنسان ومكوناته الوجدانية.. كما عبر عن ذلك رئيسها الأسبق ميخائيل جورباتشوف. . ومن جهة أخرى .. يوم يتلازم ويتكامل ويتوازن التقدم المادي مع التقدم الأخلاقي في مسيرة الأمم .. فإن التقدم يكون تقدمًا آمنًا من داخله ومن خارجه .. بل يكون تقدمًا إنسانيًا رحيمًا ودودًا تشمخ به ومعه صروح العدل والسلام .. وتتألق به كرامة الإنسان وسلامة البيئة .. وتزدهر عل أساس منه التنمية والرفاهية والتعايش الآمن بين المجتمعات.
وبعد وفي إطار ما عرض من تصورات ومفاهيم بشأن مسألة معوقات السير الحضاري المعاصر , فإنني أحسب أن وجوب التعاون أصبح ملحاً بين علماء الأمة ومفكريها وساستها وحكمائها , من أجل إنهاء إشكالية أدائنا الحضاري , ليستقيم مع حقيقة مقاصد رسالة الإسلام , مثلما أن وجوب التعاون أصبح ملحًا كذلك مع غيرنا من عقلاء العالم ومفكريه وساسته وحكمائه , من أجل بلورة مقومات ثقافة عالمية مشتركة , تكون أساساً لأداء حضاري عالمي مشترك , يكون أكثر تلاؤما وأكثر انسجاماً مع إجلال حياة الإنسان , وصون كرامته , و احترام حريته , وحفظ سلامة البيئة , وليكون الأداء الحضاري العالمي كذلك جديراً بأن يحقق العدل والسلام العالمي .. وينمي التعايش البشري الآمن بين المجتمعات .
أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز سابقًا
![]()
نحن المشاركين الذين أتينا من دول متعددة، عربية وإفريقية وأوروبية وآسيوية وأمريكية إلى المؤتمر الدولي حول " الحضارات والتعدد الثقافي: أي حوار لأي تحالف ؟ " المنظم من طرف مجلس مدينة فاس والمركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من 23 إلى 25 نونبر 2007 بفاس، أرض التعايش وتوافق الثقافات والحوار الدائم التي ستعيش السنة المقبلة الذكرى 1200 سنة لتأسيسها. - متشبثين بالمبادئ والقيم الكونية المثمنة في قرارات منظمة الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ومنظمة المؤتمر الإسلامي المتعلقة بالحوار وتحالف وتآزر الحضارات والحفاظ على التعدد الثقافي. - واعين بمسؤوليتنا وواجبنا في ما يتعلق بمستقبل الإنسانية جمعاء المهددة بتحديات جديدة تتمظهر من خلال اللا تسامح وعودة الكراهية والعنصرية وجميع أنواع الظلاميات والعنف وتقهقر العدالة وعودة اللا مساواة واللا عدل. - وانطلاقا من النقاشات والحوارات الغنية والمفيدة وتبادل الآراء خلال أعمال مؤتمرنا هذا، قررنا أن نتوجه بهذا النداء إلى المجتمع الدولي والضمير الإنساني لنعيش معا. ذلك أن الحوار ضرورة وجودية للتعايش السلمي لاعتماد القيم الإنسانية الكونية ولا يمكن للحوار أن يبرر طموحات الهيمنة أو الدفاع عن المصالح الخاصة. - يستوجب حوار الحضارات إرادة حقيقية واحتراما متبادلا للأهداف والغايات التي ترسخ القيم والمبادئ الإنسانية التي تكون الجدع المشترك لكل الحضارات والثقافات والأديان. - يمثل الحوار شرط التساكن الآمن والدائم. أما التجاهل والفهم المغلوط للآخر يؤديان إلى المآسي والصراعات المستمرة. البديل هو أن نعمل الممكن والمستحيل في جميع المجالات لنتغلب على الجهل والتجاهل والأحكام القبلية، ونعمل على تشجيع تربية صلبة مبنية على المعرفة الدقيقة والموضوعية للأنا والآخر واحترام الخصوصيات الثقافية. الهدف من كل ما سبق هو أن نؤسس الآن لبناء حضارة إنسانية جديدة. إن الحوار يستوجب أن نعي أنه لا سلم دون عدل وعدالة. يجب على كل الفعاليات السياسية وفعاليات المجتمع المدني، كل واحد في ميدانه الخاص أن يعمل دون هوادة وبجميع الوسائل والسبل على المعالجة السليمة والعادلة للنزاعات، لاسيما تلك الواقعة في الشرق الأوسط. - إن الحوار الفعال للسلم يتوجب علينا المساهمة في إيجاد حلول نهائية للمشكل الفلسطيني، وذلك بتأسيس دولة فلسطينية حرة ومستقلة. - يستدعي الحوار الاعتراف بكونية الحق في الاختلاف، والحق في حياة مسؤولة والحق في التنمية واحترام الكرامة الإنسانية ومحاربة سياسة الكيل بمكيالين في العلاقات الدولية. - يستوجب الحوار الإصغاء للشباب وإشراكهم في الحياة العامة ودمجهم و تحسيسهم بأهمية الحوار حول تحالف الحضارات والثقافات لتشبيعهم بثقافة الحوار والسلم وقبول الآخر واحترام الاختلاف والنقد البناء والتعاون والتضامن بعيدا عن كل أشكال التطرف والعنف والإقصاء. - يستدعي الحوار الحركية وتنقل الأشخاص، وتبعا لذلك نثمن لحرارة مبدأ تحالف الحضارات الذي ينبني على القيم الإنسانية ومبادئ القانون والحق والاحترام والعدالة. - نعتبر أن هذا التحالف يجب أن يرتكز على قواعد القانون الدولي والقيم الحضارية المشتركة واحترام الآخر والديمقراطية السياسية والثقافية والدينية والأخذ بعين الاعتبار آفاق التفاهم والتعايش بين الشعوب والجماعات. - نلتزم من خلال هذا النداء بالإسهام بنجاعة في تمتين الحوارات وتطبيق أهداف التحالف بين الحضارات، ونهيب بجميع الفاعلين المعنيين لإدراج وتوسيع نظرية ملموسة وعملية في جميع الميادين وخاصة التربوية والإعلامية ومعرفة الآخر وقيم الاحترام والديمقراطية لتفعيل ندائنا "– لنعيش معا- " . - وإننا ننادي بمضاعفة المبادرات وأعمال المجتمع المدني، للحوار بين الحضارات والتنسيق بين مختلف المؤسسات الدولية وبخاصة الأمم المتحدة واليونسكو ومنظمة المؤتمر الإسلامي وذلك من أجل توطيد وتطوير ميكانيزمات الحوار والتواصل وإشعاع ثقافة السلام والتعايش. - نترجى من خلال هذا النداء أن يتم خلق وإبداع ميكانيزمات ومؤسسات في جميع الدول بغية محاربة جميع أنواع التمييز والخلط، والمساعدة على التبصر وألا نحمل الدين الإختلالات والانحرافات التي يتحمل مسؤوليتها السياسي والاقتصادي، وتسهيل الحوار والتعايش. وفي الختام، نحن المشاركين في هذا المؤتمر نقرر البقاء على اتصال كي نستمر في تبادل الآراء والدراسات والمناظرات للبحث عن حلول ناجعة للتنسيق بين جميع الفعاليات المعنية بإشكالية التعارف والتعايش والتساكن بين الأفراد والشعوب. وفي هذا الإطار سيتم خلق لجنة للتتبع والتنسيق. نحن المشاركين نعبر عن امتنانا بالمجهودات النبيلة التي أنعم بها علينا صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لخلق جو من التعايش والتقارب بين الحضارات والحوار بين الثقافات ونشكر جلالته جزيل الشكر لتكرمه بوضع هذا المؤتمر تحت عنايته ورعايته السامية. كما أننا نثمن مبادرة المنظمين الذين سهروا على إعداد هذا المؤتمر بفاس، هذه المدينة الغنية بحضارتها وتاريخها الأبدي. نجدد امتناننا واعترافنا إلى مجلس مدينة فاس والمركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية لإقامة وتنظيم هذا المؤتمر. والســـــــلام. حرر بفاس في 25 نونبر 2007 موافق 15 ذي القعدة 1428. |
|