مؤتمر حاشد لحوار الحضارات في مدينة فاس – المملكة المغربية

عقد المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الإستراتيجية والدولية.. بالتعاون مع مجلس مدينة فاس – المملكة المغربية .. مؤتمرًا عالميًا حول  "حوار الحضارات والتنوع الثقافي -أي حوار لأي تحالف ..؟ تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس .. في الفترة من 13 – 15 / 11 / 12428هـ الموافق 23 -25 / 11 / 2007م .. وشارك في المؤتمر عدد كبير من العلماء والمفكرين والباحثين ممثلون من ست وثلاثين دولة وخاطب المؤتمر في جلسة الافتتاح كل من :

 
1.  الأستاذ الدكتور عباس الجراري / مستشار صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
2.  الدكتورة ثريا جبران / وزيرة الثقافة المغربية.
3.  السيد حميد شباط / عمدة  ورئيس مجلس مدينة فاس.
4.  السيد روبرت جوردن / رئيس مركز جيمس بيكر للدراسات.. واشنطن.
5. الأستاذ الدكتور حامد الرفاعي / رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار .. جدة – المملكة العربية السعودية.
6.   والدكتور محمد الدويري رئيس جهة فاس ووالي ولاية جهة فاس
7.  القس مايكل أنجل أيونسو كيكسوت/ رئيس المعهد البابوي للدراسات العربية – الفاتيكان.
8.  والدكتور بولمان غرابي رئيس عمالة فاس.
9. الشيخ محمد علي التسخيري / أمين عام المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية – طهران.
10. كاهن أومون كيكي رئيس الطائفة اليهودية في فاس.
11. والدكتور كريستيان فالنتان / المستشار الخاص للرئيس عبدو ضيوف – السنقال.
12. الدكتور عبد الحق عزوزي / رئيس المركز المغربي متنوع التخصصات للدراسات الإستراتيجية والدولي.
13. السيد جون فرانسو تيبو/  سفير فرنسا في الرباط
14. السيد دومينيك بوديس / رئيس معهد العالم العربي في باريس.

وعقد المؤتمر جلستين عامتين .. وأربع جلسات عمل مغلقة ومتخصصة .. وقدمت في المؤتمر ما يزيد عن سبعين بحثًا .. وخاطب المؤتمر في جلسة الختام كل من :

 

                          

 

1.  الدكتور عباس الجراري.
2.  الأستاذ فهمي هويدي.
3.  السيد جيمس هوليفلد.
4.  السيد حميد شباط.
5.  الدكتور حامد الرفاعي.
6.  الشيخ محمد علي التسخيري.

وأصدر المؤتمر بيانًا تحت مسمى " إعلان فاس " وللمزيد من المعلومات يرجى الدخول على موقع المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الإستراتيجية والدولية www.cmiesi.ma

 

 

الأستاذ الدكتور حامد الرفاعي

كلمة الأستاذ الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي
رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
في حفل افتتاح
المؤتمر الدولي حول حوار الحضارات والتنوع الثقافي
12-15/ 11/ 1428هـ  الموافق  23  -25 / 11/2007م
المملكة المغربية  - فاس

الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم .. واصطفاه وكرَّمه بنعمة العقل والإرادة والاختيار.. وشرَّفه بالنهوض بمهمة أمانة الاستخلاف في الأرض.. وسخر له ما في السموات والأرض من أجل عمارتها وإقامة الحياة العادلة الآمنة في ربوعها.. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله.. وعلى آله وصحبه . . والصلاة والسلام على سيدنا المسيح وعلى أمه الطهور البتول سيدتنا مريم .. والصلاة والسلام على سيدنا موسى وعلى من اتبع النور الذي جاء به .. والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله ورسله.

·   معالي الأستاذ عباس الجراري مستشار صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله تعالى.

·   معالي الأخ الأستاذ عباس الفاسي / الوزير الأول.

·   معالي الأخ الأستاذ حميد شباط / عمدة مدينة فاس.

·   أصحاب السماحة والمعالي والنيافة والسعادة  .. الأخوة والأخوات.

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أما بعد:

فلا أحسب أحدًا -أيها السادة  -يجادل أن المشهد العالمي الراهن يُنبئ أن المسيرة البشرية

في خطر .. وأنها تعاني من تدهور مرعب في أمنها واستقرارها ..!

ولا أحسب أحدًا يماري إن قيل أن تدهور القيم .. واختلال قيم العدل .. واضطراب موازين الأخوة الإنسانية.. وازدواج معايير التعامل مع المسائل الحيوية لحياة الأفراد والمجتمعات .. تشكل المصدر الأساس للأزمة العالمية المعاصرة .. !

 

أيها السادة:

إن الأزمات العالمية المتتالية والمتنامية تنذر بمخاطر شمولية مدمرة – لا سمح الله-فنحن بحق في زمن العطسة الواحدة لزكام عالمي شامل .. ويا ليته زكام لهان الأمر وسهُل علاجه .. ولكنه وباء شمولي مهلك .. فنحن أمام جنون بشري وبيئي مدمر.. بدأ بجنون البقر .. ثم جنون الفواكه والخضراوات .. وجنون الأسماك والدواجن والطيور.. وجنون الهواء والماء .. وجنون الأوزون, وغاز الكربون , والانحباس الحراري .. فكل شيء حولنا أصبح مجنونًا.. والإنسان يبقى المسؤول الأول عن صناعة كل ضروب الجنون السالفة الذكر.. فنحن بحق بين جنونين جنون بشر وجنون بقر فهاهي البشرية تعاني من ضنْكٍ شديدٍ بما كسبت أيدي الناس إعراضًا عن ذكر الله.

 

أيها السادة

لا يخفى عليكم .. أن الأمن الإقليمي والأمن العالمي أمران متلازمان ومتكاملان .. وأن الأمن الإنساني ينبغي أن يكون كلاً لا يتجزأ.. وأن المواطنة الإقليمية والمواطنة العالمية تتكامل مسؤولياتهما وتتلازم .. ولكنَّ جهاتٍ إقليميةً ودوليةً ماضيةٌ في احتكار الأمن لصالح شعوبها وأوطانها.. على حساب أمن بقية شعوب العالم وسيادة أوطانها ..! وللأسف فإن بعض مثقفي تلك الجهات أصلوا لنظريتين خطيرتين مدمرتين.. الأولى " نظرية نهاية التاريخ " ليفرضوها سقفًا للإبداع البشري الذي يمثلون بزعمهم ذروته ويتحكمون بناصيته.. وما على بقية أهل الأرض إلا أن يختاروا لأنفسهم واحدة من اثنتين.. الإتباع والخضوع لنموذجهم الحضاري..أو العداوة والبغضاء ..!   أما الثانية فهي نظرية " حتمية صراع الحضارات ".. ليبرروا لأنفسهم منهجية عسكرة العلاقات الدولية.. من أجل بسط سيادتهم وهيمنتهم على مقدرات الشعوب والتحكم بمصالحها ....!

  

وبعد أيها السادة :

ما العمل .. ؟  وما هو السبيل لتصحيح هذه الحالة البشرية الشاذة .. ؟  إن مثل هذه الأسئلة أصبحت متداولة بين عقلاء وحكماء أتباع الديانات والثقافات والحضارات .. وهذا الملتقى الكريم الحاشد من علماء, ومفكرين, وأكاديميين, وسياسيين, وإعلاميين.. الذي ينعقد من أجل تأصيل مفاهيم وقيم التنوع الثقافي والحوار بين الحضارات.. وبقصد تعزيز مقاومة ثقافة الغلو والتطرف .. وإنهاء ظاهرة التفرد الثقافي والحضاري في مصير مصالح الشعوب والمجتمعات.. لجدير بأن  يبلور رؤية جادة للمساهمة في حركة التصحيح والترشيد العالمي .

 

أيها السادة:

لقد تحدثنا على مدار عقود عديدة .. ولا زلنا نتحدث مؤكدين إيماننا بأهمية ووجوب الحوار بين الأديان, والثقافات, والحضارات .. وتحدثنا كذلك عن إيماننا باحترام تنوع الثقافات والخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمعات .. وأخيرًا طرحنا شعار التحالف بين الثقافات والحضارات .. ولعمري إنه لشعار جميل وجذاب ومغري ..! ولكن ما هي أسس هذا التحالف..؟ وما هو المشترك الثقافي البشري الذي يقوم به..؟ من يملك قرار تفعيل مثل هذا التحالف ..؟  ما هي الآليات لوضع هذا التحالف موضع التنفيذ ..؟ تساؤلات كثيرة تُطرح علينا وعلى القيادات الثقافية, والدينية, والفكرية ,والسياسية في العالم .. وإني لأرجو لمؤتمرنا هذا أن يوفق في التعامل مع هذه الأسئلة ومقاصدها الجليلة.

 

أيها السادة:

فإنه يشرفني باسم المنتدى الإسلامي العالمي للحوار.. الذي ينسق بين ما يزيد عن مائة منظمة إسلامية عالمية في ميادين الحوار.. ومقره مدينة جدة – المملكة العربية السعودية .. أن أقترح المنطلقات التالية مساهمة في بلورة ميثاق عالمي لتعايش بشري عادل وآمن:

1.   تعزيز قيم الإيمان والأخلاق في تربية الأجيال,

2.   فك الربط المخل في فهم الدين بين مسائل الاعتقاد ومسائل تصريف شؤون حياة الناس ومصالحهم,

3.   ترسيخ قيم العدل ,ووحدة المعايير في ثقافة الأفراد والمجتمعات,

4.   تأكيد مبدأ الأخوة الإنسانية,

5.   التأكيد بأن الأسرة المؤسسة على الزواج الشرعي هي المرتكز الأقوى لأمن المجتمعات,

6.   تفعيل التكامل المنصف بين مسؤوليات الر جل والمرأة في ميادين الحياة,

7.   إجلال قدسية حياة الإنسان وكرامته,

8.   صون سلامة البيئة وعدم إفسادها والإفساد فيها,

9.   التلازم بين القيم والأخلاق وبين حركة الإنتاج العلمي والتكنولوجي شرط أساس لحضارة آمنة,

10. المنتج العلمي والتكنولوجي السلمي أرث بشري يُحرّم احتكاره,

11. الناس شركاء في ثروات الكون على أساس من احترام حق التملك ومشروعية الانتفاع المتبادل,

12. وضع حد لظاهرة عسكرة العلاقات الدولية وسباق التسلح.

13. تحريم تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل.. وتدمير المخزّن منها.. واستئصالها من الأرض كافة.

وبعد .. أسأل الله تعالى أن يعيننا .. ليصب كل واحد منا ولو قطرة ماء.. لإطفاء الهولوكوست العالمي المتأجج.

وختامًا أعبر عن خالص شكري وتقديري للمملكة المغربية ملكًا,وحكومة,وشعبًا .. والشكر والتقدير موصل للقائمين على أمر تنظيم هذا المؤتمر الجليل.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أ. د. حامد بن أحمد الرفاعي
رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
     أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز سابقًا

 

 

" معوقات السير الحضاري في حياة الأمم "
بحث الأستاذ الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي
رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
للمشاركة في
مؤتمر حوار الحضارات والتنوع الثقافي
13 – 15 / 11 / 1428هـ الموافق  23 - 25 / 11 / 2007م
فاس – المملكة المغربية

الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم .. واصطفاه وكرَّمه بنعمة العقل والإرادة والاختيار.. وشرَّفه بالنهوض بمهمة أمانة الاستخلاف في الأرض.. وسخر له ما في السموات والأرض من أجل عمارتها وإقامة الحياة العادلة الآمنة في ربوعها.. والحمد لله رب العالمين الذي كرَّم أمتنا فبوأها مواقع الوسطية بين الأمم .. وشرَّفها بمهمة الشهود الحضاري عل الناس .. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين إمامنا وحبيبنا وقرة أعيننا نبينا ورسولنا الهادي البشير سيدنا محمد بن عبد الله رافع لواء العالمية العادلة في الأرض .. ورائد العولمة الراشدة بين الناس .. وأصلي وأسلم على آل بيته الأخيار الأطهار .. وعلى جميع صحابته الغر الميامين الأبرار. . والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله ورسله.

 

مقدمة:

لا أحسب أحدًا يماري أن السير الحضاري في حياة الأمم يعاني اليوم من خلل كبير .. !

·   أليست غالب المجتمعات البشرية تعاني من تدهور خطير في أمنها واستقرارها..؟

·   أليس الرهب والخوف والرعب يحيق بالناس من كل جانب ويحيل حياتهم إلى جحيم ..؟ 

· أليست حياة الناس في سقم وقلق وقد فقدت البيئة سلامتها وعافيتها وحنانها , فأصبحت متوحشة يخافها الناس ويخشون أمراضها وأوبئتها المتنوعة .. ؟ 

· ألسنا نصحو وننام على أخبار القتل والدمار مما لم تعد جهة في الأرض في منجى منه ومنأى عنه .. ؟

· أليست البشرية في ضنك شمولي رغم التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل في شتى ميادين الحياة ..؟

·   أليس هذا يؤكد أن المسيرة الحضارية العالمية تعاني من انتكاسة مدمرة .. ؟

·   فما هو نوع هذه الانتكاسة في سيرنا البشري المعاصر ..؟ 

·   ما هي أسبابها ومقوماتها .. ؟ 

·   وكيف التعامل معها ..؟

هذه التساؤلات تحتاج لأن نتعامل معها بجدية وإخلاص لعلنا نحقق خطوة ما باتجاه التصحيح والترشيد ! ولعلنا نوفق ليصب كل منا ولو قطرة ماء لإطفاء هذا الهولوكست العالمي الشامل المدمر!

وسأحول في هذا البحث المختصر -بعون الله وتوفيقه - تشخيص هذه الانتكاسة الحضارية .. وأن أحدد أسبابها الرئيسة .. وأميط اللثام عن معوقات السير الحضاري في حياة الأمم ..  ومن ثم وضع مقومات ملامح منهج راشد .. لتحقيق سير حضاري بشري آمن .  

بعد تأمل وتفكر طويل ومضني في الحالة العالمية الراهنة, وفيما تلقاه المجتمعات الدولية من عنت ومخاطر.. بحثًا عن السبيل الناجع لإخراج المسير البشرية من الأزمة الحضارية التي تعاني منها , وسعيًا لتحديد مقومات منهجية تصحيح وترشيد .. وتطلعًا إلى تحديد مسؤولية الأمة الإسلامية في المساهمة في عوامل التصحيح والترشيد .. أجل بعد هذا التأمل وجدت أن مصدر الخلل الكبير في السير الحضاري البشري يعود لأسباب متعددة يمكن ردها إلى أمرين اثنين رئيسين هما:

 

1.  اضطراب مفهوم الحضارة لدى الكثير من الأجيال البشرية,

2.  اختلال معايير الأداء الحضاري في المجتمعات .

 

ولتوضيح طبيعة هذين الأمرين.. لكونهما المعوقين الأساسين في عملية السير الحضاري المعاصر.. رأيت من المناسب أن أجلي -من وجهتي نظري -مفهوم  كل من :

·       مصطلح الحضارة ,

·       والأداء الحضاري المتوازن.

 

أولاً -مفهوم مصطلح الحضارة :

تحدث الناس كثيراً عن الحضارة ولا يزالون , وسيبقى الحديث عن الحضارة في تجدد دائم , لأن هذا المصطلح كما أحسبه , مصطلح موسوعي ليس من السهل الإحاطة به إحاطة كاملة , فهو يحمل معاني فلسفية , و ثقافية , ومادية , وعلمية , وروحية , و دينية .  والناس عندما يتعاملون مع هذا المصطلح , فإن كلاً منهم يتعامل معه من وجهة نظره الثقافية , وعلى أساس من  تكوينه الوجداني والتربوي , وبالتالي جاءت الرؤى واسعة ومتعددة , مما أفرز صيغًا كثيرة  لمعنى الحضارة , وقد حاولت حصر ما وقع منها تحت يدي , فبلغت ما يقرب من مائة تعريف , وضعها مفكرون وعلماء من المسلمين وغيرهم من مختلف أنحاء العالم , مما يعني أن مصطلح الحضارة لم تستقر حالته على مفهوم واحد عند الناس , ولا يزال الموضوع يتسع للمزيد من التأمل والتفكر عبر الزمان والمكان ، وهذا بتقديري أمر إيجابي , لأنه يشكل مصدراً للتجديد والمفاعلة , التي تعطي فرصة للإنسان , ليبقى دائم البحث عن الأفضل . ومن جانبي فقد بدا لي أن إشكالية مصطلح الحضارة في دوائر الفهم عند المسلمين مصدرها:

 

·   التداخل المخل بين مفاهيم الثابت والمتغير في النص الديني من جهة,

·   واضطراب مفهوم العلاقة بين الروحي والمادي بمفهوم العبادة في الإسلام من جهة أخرى.

 

لا شك أن النصوص الدينية الصحيحة من الكتاب والسنة ينبغي أن تكون موضع إجلال والتزام, ولكن الإشكالية القائمة هي في اضطراب الرؤى في فهمها, وفي منهجية إسقاط دلالاتها على الواقع ,  فتجد مثلاً أن هناك تناقضاً كبيراً واضطراباً شديداً عند البعض , في فهم النص الديني وفي منهجية إسقاطه على الواقع فيما يتعلق بعلاقتنا مع الآخر, وهذا ما سيأتي تفصيله فيما بعد .

     

1.     نماذج من صيغ فهم المسلمين لمصطلح الحضارة :

·  وأبدأ بابن خلدون ، وقد اخترت جملاً تمثل بتقديري خلاصة رؤيته بهذا الشأن , حيث  يقول : أن الحضارة هي الزائد على الضرورة من العمران , أي أن هناك ضرورة لا تدخل في الحضارة, فالحضارة تبدأ من حيث الزيادة , ويؤكد العلاقة الوثيقة بين نشوء الحضارة وولادتها وبين نشوء الدولة القوية ، فلا وجود لحضارة مع غياب دولة قوية , ثم يقول: إن الدين مؤسس فاعل في نشوء الحضارة . هذه تقريبا خلاصة أفكار ابن خلدون الأساسية في قضية الحضارة .. وطبعًا من وجهة نظري تبقى أفكارًا يؤخذ منها ويرد .

·  ومن التاريخ المعاصر نأخذ رؤية مالك بن نبي , الذي تجده وهو يتحدث عن الحضارة  يؤكد فكرة موسوعية المصطلح , حيث قال : الحضارة تعرّف من حيث جوهرها , ومن حيث تكوينها , ومن حيث أداؤها , ومن حيث وظيفتها , ومن حيث علاقاتها مع المجتمع والآخر, وطرح معادلة حضارية تؤسس لبلورة وجهة نظره لمفهوم الحضارة , ومعادلته الحضارية تقوم على العلاقة بين الإنسان والتراب والزمن:

الإنسان + تراب + الزمن = حضارة

 

وأثارت هذه المعادلة اهتمامي بشأن موضوع الحضارة منذ عام 1971 ميلادي , يوم أن استمعت إلى مالك بن نبي -يرحمه الله تعالى - وهو يتحدث عن مفهوم الحضارة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة , وكان بينه وبين سيد قطب - يرحمه الله تعالى - خلاف بشأن مفهوم الحضارة , فسيد قطب يرى أن الإسلام هو الحضارة ، ولا يصح أن يطلق اسم الحضارة على أي فعل أو منتج بشري غير مقترن بمنهج الإسلام , أما مالك بن نبي فيرى أن الحضارة هي منتج كل تفاعل بشري مع التراب , وبين هذا التوسع غير المحدود لمعنى الحضارة عند مالك , و بين ذلك التخصيص المحدد عند سيد لمعناها , وجدت من الممكن التفكير بشكل آخر , وما حفزني على هذا التفكير , المعادلة الكيميائية التي كتبها يومئذ مالك بن نبي , على سبورة المدرج الجامعي الذي كان يقدم محاضرته من على منبره , ليوضح للحضور خطأ سيد قطب في حصر الحضارة بالمنتج الإسلامي دون غيره , والمعادلة كما يلي :      

 

هيدروجين + أكسجين + شرارة = ماء

 

ثم علق قائلاً إن التفاعل بين عنصري الهيدروجين والأكسجين يتم بواسطة فعل شرارة محرضة , حيث ينتج عن هذا التفاعل الماء الذي تعرفونه وتشربونه ,وأحسبه قال إنه ماء الحياة , ثم تابع ليقول : أن المعادلة الحضارية شبيهة بهذه المعادلة , إلا أن عناصرها من نوع أخر :

 

تـــراب+ إنـسان + الزمن = حضارة

 

طبعا وبحكم تخصصي الكيميائي , وجدت أن مثل هذا التبسيط لمعادلة تكوين الماء من الهيدروجين والأكسجين مخل للغاية ، فالعملية أكثر تعقيداً من ذلك , وبالتالي فإن القياس عليها بمعادلة :

" تراب + إنسان + زمن =  حضارة "  يكون مخلاً كذلك،  وفي نهاية المحاضرة استأذنته بالتعليق على ما جاء فيها , حيث قلت : إن هذه المعادلة الكيميائية التي طرحتها , هي أحد حالات التفاعل بين الهيدروجين والأكسجين وهي ثلاث حالات , لا شك أن الهيدروجين العادي , في تفاعله مع الأكسجين العادي , وفي شروط مناسبة يعطي الماء العادي( ماء الحياة ) كما عبرت ،  ولكن إذا غيرنا الشروط واستبدل الهيدروجين بأحد نظائره , فإن نتائج التفاعل ستتغير ,  لتكون واحدًا من مركبين أحدهما يسمي ( الماء الأكسوجيني ) , والآخر يسمي ( الماء الثقيل ) , وكتبت على السبورة المعادلات التالية :

 

·   أكسجين + الهيدروجين العادي + شروط مناسبة = الماء الطبيعي الصالح للحياة.

·   الأكسجين + نظير الهيدروجين* + شروط خاصة =  الماء الثقيل.

·   أكسجين + نظير الهيدروجين** + شروط محددة = الماء الأكسوجيني.

 

إذاً فتفاعل الأكسجين مع الهيدروجين مع تغير الشروط وتغير نظائر الهيدروجين , ينتج ثلاث أنواع من الماء , كلها مفيدة , ولكن هناك ماء واحدًا الذي يمتلك الصفات الكاملة الصالحة لإقامة الحياة وديمومتها , وهو الماء العادي ماء الشرب , وبالتالي إذا أردنا أن نطبق هذه المعادلة , على تفاعل الإنسان مع التراب , أو على الأصح مع المادة , لأن التراب أحد أنواع المادة , وقلت له دعنا نعدل المعادلة الحضارية لتكون على النحو التالي :

 

·   الإنسان + المادة  + تنوع في المنهج =  تنوعاً حضارياً

 

حيث أن المنهج هو الذي يصوغ سلوكية الإنسان , ويؤسس وجدانه وكفاءاته ومهاراته وهو يتعامل مع المادة, فهناك إنسان سوي وآخر منحرف , ومخطئ ومصيب , وإنسان مسؤول وآخر عابث , وإنسان عالم وآخر جاهل , وإنسان ماهر مبدع وآخر تقليدي.. وإنسان منتج وآخر مستهلك .. والإنسان بهذا التنوع من المواصفات ,  هو الذي سيؤثر في النهاية على سير المعادلة , وهو الذي سيتحكم بطبيعة وهوية نتاجها الحضاري, نعم هناك تنوع حضاري , وأنا معك وأؤيدك بأن كل تفاعل بشري مع المادة ينتج  أثرًا حضاريًا ، ولكنها ليست سواء , فهناك حضارة خيّرة , وهناك حضارة أكثر خيرية , وفي المقابل هناك حضارة شريرة , وهناك حضارة مسالمة , وحضارة متوحشة عدوانية , فأردت بذلك أن أبين أنني لست مع سيد قطب فيما ذهب إليه (  بأن لا حضارة مع غير الإسلام " وأنني لست كــذلك معك وأنت " تساوي بين الحضارات".

أجل فأنا مع التنوع الحضاري, ومع أن هناك علاقة مشتركة بين الحضارات, ولكن الحضارات ليست سواء, فثار وغضب وضرب على المنبر بيده , ولذت بالصمت أمام ثورته التي فاجأني بها , وانقسم الحضور إلى فريقين  , كل فريق انحاز إلى  أحد الرأيين , وتشجعت لما رأيت  التأييد لما عرضت من أفكار , وبدأت مشواري مع الحضارة , و كتبت بعدها مقالة بعنوان " كيمياء الحضارة " , كانت أول مقالة لي حول الحضارة ومفاهيمها , حيث تحدثت عن كيمياء الحضارة في النفس البشرية , وفي المجتمع , وانطلقت اهتماماتي بمفهوم الحضارة .

 

ثانيًا -نماذج من الفهم الغربي للحضارة:

· وأختار منها تعريف أوزولد شبنقلر الألماني , الذي تحدث كثيراً عن الحضارة  , وقال كلاماً موضوعياً ودقيقاً وعميقاً , وخلاصة ما قاله في النهاية : إن لكل حضارة دستوراً أخلاقياً , يتجلى في العقيدة وقوة النفس , وإن الدستور الحضاري لا يتمحور حول العقل , بل يتمحور حول الوجدان ، وركز على الوجدان البشري وعلى السلوك البشري , في قضية المفهوم الحضاري , وجعل العقل تابع للوجدان , على خلاف ما يقوله الآخرون , بأن العقل أولاً والوجدان ثانياً .

 

·  والنموذج الآخر هو رؤية آرنولد توينبي حول الحضارة , وكما هو معروف فإن توينبي عالم اجتماع كبير على طريقة ابن خلدون , ففي سياق التحدث عن النظرية الاجتماعية , تحدث عن الحضارة, وعرّف الحضارة على أنها وحدة من وحـدات التاريخ , فيقول : إن التاريخ وحدات , والحضارة هي وحدة تاريخية , ثم يتحدث عن نشوء الحضارة , فيطرح فكرة الاستجابة والتحدي , فقال :

 

" إن الاستجابة للتحديات عند الإنسان , فردًا أو مجتمعًا هي سبب نشوء الحضارة "

 

 فما دامت هذه الاستجابة قائمة مع التحديات , كانت الحضارة واستمرت وتطورت , حتى إذا ضعفت الاستجابة للتحديات , وقف الإبداع البشري , وتعثر سير الحضارة , وتحولت النخبة المبدعة , إلى نخبة مسيطرة على الناس بالقوة , لأنها أحسّت بأنها هي التي أبدعت الحضارة , ثم عجزت عن الاستمرار أو ملت أو تعبت ,  فتبدأ بالتعويض عن عجزها في الاستمرار في ميادين الإبداع الحضاري , من خلال فرض ثمرة إبداعها الحضاري على الآخر بالقوة , ثم يقول : ومع هذه الحالة تبدأ مرحلة سقوط الحضارة .

وهذا يعني بوضوح أن افتتان المبدع بثمرة إبداعه ، ثم انحباسه في أبهة إنتاجه الحضاري , ومن ثم محاولته فرض تراثه الإبداعي على الآخر بالقوة ، تعبيراً عن عجزه في متابعة الإبداع , أو تعبيراً عن الإعجاب بالذات  وعظمة التفوق والاستعلاء على الآخر ,  إنما هي بداية السقوط الحضاري ,  لا شك أن مثل هذا التحليل , يعبر عن عمق في التفكير , وله دلالاته الموضوعية عبر التاريخ البشري, وهانحن نعايش ما يؤكده ويصدقه في تاريخنا المعاصر .

 

وبعد هذه الرحلة مع مفهوم الحضارة ,وجدت أنه من الواجب .. ومن الاستجابة للتحديات .. أن يفكر أحدنا في بلورة رؤية جديدة بشأن مصطلح الحضارة .. رؤية تتصل بالماضي وتستفيد منه , وتستجيب لتحديات الحاضر وتلبي احتياجاته وطموحاته ..  وبنفس الوقت تؤسس للمستقبل وتستشرف متطلباته ..  وفي هذا السياق سألت نفسي سؤالاً فقلت:

 

لو أردنا في ضوء ما تقدم من أفكار أن نضع تعريفاً للحضارة فماذا يمكن أن نقول ؟

 

ومع انشغالي في بلورة إجابة عن هذا السؤال  , وجدت أن الغرب يتحدث عن الحضارة بعبارة (Civilization), ونحن ترجمنا هذه  العبارة إلى "حضارة ", وهذه ترجمة غير صحيحة بالمعنى الحرفي والترجمة الحرفية للعبارة هي " المدنية ", ومن جهة أخرى وجدت فريقًا آخر من الغرب , يعبر عن الحضارة بعبارة " Culture" أي ثقافة. فهناك إذًا مدرستان لمفهوم الحضارة عند المفكرين الغربيين , مدرسة تعبر عن الحضارة بمصطلح  " Civilization  " أي المدنية , والمدرسة الثانية تعبر عنها بمصطلح " Culture  " أي الثقافة , وما بين المدرستين طبعاً حوار وجدل مستمر , و هنا بدأت أتأمل مصطلحنا العربي " حضارة "  والذي جاء كما هو معلوم من التحضر ومن الحضور والاستقرار , عكس البداوة والتنقل وعدم الاستقرار.  فأحسست أن المصطلح العربي ( حضارة ) هو المصطلح الأنسب للتعبير عن حالة تفاعل وتعامل  الإنسان مع مكنونات الكون من حوله واستثمارها لصالح حياة الإنسان وكرامته واستقراره وتنمية مصالحة, فكلمة حضارة بالعربية تعبر عن حالة بناء مركبة من ( بناء اجتماعي ثقافي , وبناء مادي عمراني ) , وبكلمة أخرى إنها تعبير عن حالة تكامل ما بين  البناء الوجداني والبناء المادي للإنسان .. أو حالة تكامل ما بين البناء الأخلاقي  والبناء الإبداعي عند الإنسان .. وبشكل أعم فإن عبارة " حضارة " بالعربية تعبر عن حالة تكامل بين البناء  الثقافي والبناء العمراني في حياة الناس . وبذلك يكون المصطلح العربي قد عبر عن مقاصد المدرستين الغربيتين ( مدرسة الثقافة , ومدرسة المدنية أي العمران ) , ويقدم للبشرية مصطلحاً يغنيها إن شاءت عن الجدلية المحتدمة بشأن الحضارة بين الثقافة والمدنية , فمصطلح الحضارة عندنا يشتمل على المصطلحين معاً ( الثقافة و المدنية ) أو ( الثقافة والعمران ) , وبالتالي اقترحت من قبل وأجدد الاقتراح اليوم أن يكون تعريف الحضارة بشكل عام حسب تقديري وفهمي :

 

" هي ثمرة كل جهد بشري يبذل لعمارة الأرض وفق ثقافة ما "

 

بمعنى أن لكل أمة منهجها الاجتماعي , ولكل أمة كفاءاتها ومهاراتها المادية , أو بعبارة أخري , فإن لكل أمة ثقافتها ومدنيتها الخاصة بها , والثقافة والمدنية عاملان متكاملان في إقامة البناء الحضاري لكل أمة ,  وأحسست أن هذه الرؤية لمفهوم الحضارة , تطرح علينا سؤالين مهمين :

 

1.  هل نحن أمام حضارات بشرية متعددة .. أم حضارة بشرية واحدة ؟

2.  وما هو المشترك الحضاري بين الأمم  ؟

 

في سياق المقترح السالف الذكر للحضارة , أرى أن الحضارة تقوم على مرتكزين اثنين :

·       مرتكز ثقافي ,

·       ومرتكز مدني أو عمراني.

 وحيث أن لكل أمة ثقافتها الخاصة بها , ولها كفاءاتها ومهاراتها وإبداعاتها المادية المتميزة بها , فنحن لا شك أمام وحدات حضارية متنوعة , ومصدر التنوع هنا بتقديري هو التنوع الثقافي ,فالثقافة هي المصدر الأساس في صياغة مهارة الأمة , وبعث حوافزها الإبداعية المادية ,والثقافة هي مصدر أساس لسلوك   وارتقاء ممارساتها الحضارية .. وهنا أطرح سؤالين أحسبهما على درجة عالية من الأهمية :

 

1.   هل نحن أمام وحدات حضارية إبداعية متكاملة ؟

2.   أم أننا أمام وحدات حضارية إبداعية منعزلة لا صلة بينها ؟

 

في إطار الرؤية المتشكلة في ذهني عن مفهوم الحضارة , وفي ضوء ما اقترحت آنفًا من تعريف للحضارة يمكنني القول :

· أن الحضارة من حيث شقها المادي هي نتاج بشري تراكمي , فلكل أمة لها إضافتها الحضارية المادية في عملية البناء المادي للحضارة البشرية.

· إلا أن البناء الحضاري المادي البشري ككل , تكتنفه وحدات حضارية متميزة تمثل البصمات الحضارية الإبداعية لكل أمة من الأمم , وتكتنفه كذلك وحدات من حالات أداء حضاري قيمي, يعكس ثقافة كل أمة ومنهجها وسلوكها الحضاري .

· أي أننا أمام بناء حضاري مادي تراكمي , يمثل الإرث الحضاري المادي البشري المشترك , تكتنفه وحدات حضارية إبداعية, و تكتنفه سمات وممارسات أخلاقية في الأداء الحضاري البشري, تشهد لكل أمة بنوع هويتها الحضارية , وطبيعة أثرها الحضاري في حياة الإنسان والبيئة إيجاباً وسلباً .

·   وباختصار نحن في النهاية أمام تكامل و تمايز حضاري:

 

1.  تكامل حضاري في البناء المادي ,

2.  وتمايز حضاري في الإبداع والأداء الأخلاقي .

 

وتأسيسًا على ما تقدم فإنني أرى وأؤكد المرة تلو المرة , أن هناك حضارات متعددة , تتكامل في البناء المادي , وتتمايز في الأداء الأخلاقي , عرفت المسيرة البشرية حضارة العصر الحجري , فحضارة حقبة الفحم الحجري , ثم حضارة عصر البترول , ودخلت البشرية الحضارة الذرية , فالإلكترونية , والإشعاعية , وهانحن نلج الحضارة الجينية والباب سيبقى مفتوحاً , حتى تستكمل الأرض زينتها وزخرفها , ويأتي أمر الله  سبحانه , حيث تكون نهاية رحلة الحياة الدنيا نسأل الله تعالى حسن الختام .

وتعاقبت على هذه الحضارات أمم وملل وثقافات , كل منها أدى دوره وساهم في قيام البناء الحضاري المادي عبر العصور , وترك بصماته الإيجابية أو السلبية على حياة الناس والمجتمعات والبيئة , حتى أننا نجد في داخل الحضارة الواحدة , بصمات إيجابية وأخرى سلبية , مثلما نجد في الحضارة الواحدة تنوع في اللمسات الإبداعية , فنحن في الحضارة الإسلامية لدينا لمسات حضارية عربية, وأندلسية , وأخرى هندية , وباكستانية , وتركية , وفارسية , وغيرها , وحتى في البلد الواحد عندنا تنوع لمسات إبداعية حضارية وفق العادات والتقاليد, وهذا التنوع في الإبداع ,والتنوع في الأداء , إنما مصدره التنوع الثقافي والأخلاقي , فلكل أمة ثقافتها , ولكل أمة مدنيتها , فالأمم تتكامل في المنتج المدني أو العمراني , وتتمايز في السلوك الثقافي والأخلاقي , وبهذا التصور لمفهوم الحضارة نكون قدمنا للناس بتقديري مفهومًا وسطًا  لمعنى الحضارة , ربما ينهي حالة الاضطراب المحتدمة بشأنه على الساحة الثقافية العالمية. الاضطراب الذي يشكل-للأسف -مصدرًا للتضاد بين الحضارات .. ويؤسس لمقولة صراع الحضارات .. !

 

ثانيًا - الأداء الحضاري :

إن إشكالية الأداء الحضاري  بتقديري هي الإشكالية الأهم والأخطر على حياة الناس والبيئة , والأداء الحضاري له شقان:

 

1.  أداء إنتاج ( كمي ونوعي ),

2.   وأداء تطبيق واستهلاك .

 

والثقافة بمحتواها القيمي والأخلاقي , هي التي تقرر بالنهاية هوية الأداء الحضاري بشقيه الإنتاجي والتطبيقي أو الاستهلاكي , إن كان أداءً إيجابيًا لصالح الإنسان وكرامته وسلامة البيئة , أو أداءً سلبيًا على الإنسان وكرامته , ومصدرًا لإفساد البيئة ومكنوناتها.

ونحن المسلمين نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى , قد استخلف الإنسان في الأرض بصفته إنساناً لمهمة عظيمة وجليلة , هي عمارة الأرض  وإقامة العدل , فكل إنسان في هذا الكون مكلف بعمارة الأرض , تكليفاً وتشريفاً ربانياً , بصرف النظر عن هوية انتمائه العرقي , أو الجنسي , أو القومي , أو اللوني , أو الديني , وتبقى ثقافة الإنسان الدينية والمعرفية هي مصدر الاختلاف و التنوع في طبيعة بنية عمارة الأرض وهوية المجتمعات البشرية  ..  وعلى أساس من المفهوم الشمولي للثقافة , اقترح تعريفاً لمفهوم الحضارة في الإسلام , فأقول :

 "الحضارة الإسلامية هي ثمرة كل جهد بشري يبذل لعمارة الأرض وفق منهج الاستخلاف الرباني "

ومنهج الاستخلاف الرباني يقوم على مرتكزين اثنين :

 

·       مرتكز قيم ومبادئ وأخلاقيات ,

·       ومرتكز ماديات ومهارات ووسائل .

 

ومرتكز القيم والمبادئ والأخلاقيات , يتمثل في قوله تعالى : " فاعلم أنه لا اله إلا الله  " , وما يندرج تحته من قيم ومبادئ ومعايير وضوابط وأخلاق ,  وجاء جميع الأنبياء ليتحدثوا عن هذا المرتكز الأساس في منهج الاستخلاف الرباني , منذ آدم عليه السلام إلى نوح , وإبراهيم , فموسى , فعيسى , إلى أن ختم الأمر بسيدنا ورسولنا محمد عليه وعليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام , حيث يقول رسولنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :

"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله , وأخذ الناس يطوفون به  ويقولون : ما أجمل هذا البناء , وما أحسنه , لولا موضع لبنة فيه , فأنا اللبنة وأنا خاتم الأنبياء" .  تأكيداً منه عليه الصلاة والسلام , أن منهج الاستخلاف الرباني واحد , بشّر به الأنبياء والرسل جميعاً , كل بقدر ما كلف به وفق ظروف زمانه ومكانه.

 

 أما مرتكز الماديات والوسائل والمهارات , فيتمثل في قوله تعالى :

" فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " , وما يندرج تحت معنى المشي من ماديات وسائل ومهارات  .

إذاً نحن أمام منهج للاستخلاف في الأرض  قوامه " العلم والعمل " , فنحن  بين  "  فاعلم  و فامشوا ",  فإذا قامت التوازنية الدقيقة بين مبدأ " فاعلم " ومبدأ " فامشوا " قام المنهاج الصحيح لعمارة الأرض , وقامت الحضارة الآمنة العادلة  , أما إذا حصل خلل بين هذين المرتكزين , كان خلل في السير الحضاري ، أي خلل في الأداء الإنتاجي , و خلل في الأداء التطبيقي أو الاستهلاكي للمنتج الحضاري , ونحن اليوم في تاريخنا المعاصر نعاني من خطورة الخلل في الأداء الحضاري بشكل عام, فهناك خلل في الأداء الإنتاجي , مثلما هناك خلل في الأداء الاستهلاكي, خلل في التعامل مع مرتكز ( فاعلم ) ,وخلل في التعامل مع مرتكز( فامشوا ) , فأمم أتقنت المشي في الأرض , وتفوقت في مهاراتها فاستطاعت بجدارة استثمار الكون ومكنوناته استثمارًا واسعًا, إلا أنها أخفقت في التعامل مع مرتكز ( فاعلم ) , أي مع القيم والمبادئ والأخلاق , مما وولد خللاً وعبثية في أدائها الإنتاجي التكنولوجي ( كماً وكيفاً ) , على حساب كرامة الإنسان وسلامة البيئة , وهناك أمم تميزت بحسن تعاملها مع مرتكز ( فاعلم ) , أي مع القيم والمثل والأخلاق , إلا أنها أخفقت وتخلفت في ميادين ( فامشوا ) , مما ولد خللاً كبيراً في موازين السير الحضاري في حياتها , انعكس سلبياً على أمن واستقرار ورفاهية شعوبها ,  فنحن أمام مشهد حضاري مضطرب غير متوازن .. جانب من المشهد يقدم لنا صورة مشرقة من تفوق الإنسان في ميادين الإبداع التكنولوجي , ولكن تتخللها تشوهات من الخلل في ميادين القيم والمبادئ والسلوكيات , والجانب الآخر من المشهد يقدم لنا صورة قاتمة من تخلف الإنسان في ميادين الإبداع التكنولوجي  تتخللها إشراقات  في ميادين القيم والمبادئ والسلوكيات ,فنحن إذًا أمام مشهد حضاري يحتاج إلى تصحيح ..  تصحيح في بعث ورفع مستوى الإبداع التكنولوجي عند أقوام .. وبعث ورفع مستوى الاهتمام والالتزام بالقيم والسلوكيات عند أقوام آخرين .. والمشهد الحضاري يكتنفه كذلك خلل من نوع عام .. خلل وعبثية في الإنتاج .. وخلل وعبثية في الاستهلاك .. وهذا يعني أننا بحاجة لأن نصلح عبثية الأداء في الإنتاج , وعبثية الأداء في الاستهلاك والتطبيق, ويوم تتمكن البشرية من تصحيح الخلل , بإعادة التوازن في سيرها الحضاري بين مرتكز القيم والسلوكيات وبين مرتكز الماديات والوسائل والمهارات , ويوم تتمكن من تصحيح العبثية في الإنتاج والعبثية في الاستهلاك ..  نكون قد وضعنا الأداء الحضاري البشري على المسار الصحيح , المسار الذي يحقق كرامة الإنسان , وسلامة البيئة , والتعايش العادل والآمن بين الأمم.

فمن المعلوم أن عبثية الإنتاج وعبثية الاستهلاك.. وعبثية عدم توخي مصلحة الإنسان وكرامته في الأداء الحضاري , لا تزال منذ القدم تمثل الخطر الأكبر الذي يهدد سلامة السير الحضاري , وينتكس بثمرات الجهد البشري الحضاري , ويجعلها مصدراً للهلاك والدمار والشقاء , بدل من أن تكون مصدرًا لبعث مقومات الحياة والبناء والتنمية والرفاهية.  والتاريخ يؤكد ذلك والحاضر يؤيده ويصدقه.

 

فالتاريخ يحدثنا عن حضارات قامت وأبدعت وفق معطيات زمانها وظروفها , إلا أنها اندثرت وبادت , بسبب من خلل وعبثية في أدائها الإنتاجي,وخلل وانحدار في سلوكها وقيمها , مثل حضارة حمورابي , والحضارة البابلية , والكونفوشية , والمانوية , والفرعونية , والفارسية , واليونانية , والرومانية , ويحدثنا القرآن الكريم عن قوم عاد , وثمود , وقوم صالح وغيرهم , ممن أقاموا حضارات شامخة , وأشادوا صروحاً عمرانية فريدة , إلا أنهم ظلموا وطغوا وأفسدوا في الأرض , فانهارت دولهم , وهوت صروحهم فبادوا واندثروا , ولم تبق لهم باقية , إلا باقية صخرية أو مدونة حجرية تحكي للأجيال جوانب من قصة وجودهم , حيث يقول الله تعالى : " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " .

 

أما التاريخ المعاصر , فيقدم لنا شهادات من أفواه زعامات معروفة , تؤكد لنا أن أخطر ما يهدد المسيرة البشرية , هو اختلال الأداء الحضاري واختلال العلاقة بين عملية الإبداع التكنولوجي والأداء القيمي والسلوكي , فهاهو روزفلت الرئيس الأمريكي الأسبق  يقول بشأن إشكالية الأداء :

" ليس ما نملك هو المهم من أجل أن نكون أمة عظيمة، ولكن المهم هي الطريقة التي نستخدم بها ما نملك"

 أما جون فوستر دالاس فيقول:

" إن الأمر لا يتعلق بالماديات ، فنحن نمتلك أكبر إنتاج عالمي في الماديات , ولكننا بحاجة إلى إيمان قوي وصلب وفاعل ، وبدون هذا الإيمان سيكون كل ما نملك قليل " , مؤكداً أن قوة الأمة ليس بما تملك من إنتاج وترسانة نووية , بل قوتها الحقيقية في إيمانها وقيمها.

 وجورباتشوف الرئيس الأسبق للإتحاد السوفيتي يقول في البروسترويكا:

" نحن وأمريكا نملك من المخزون النووي ما يكفي لتفجير الأرض عشر مرات " , سبحان الله وهل نحتاج  إلى تفجيرها إلى أكثر من مرة ؟  هذا إن أصبح تفجيرها هدفاً وغاية حضارية مشتركة ذات يوم ؟؟؟!!!  فلصالح من يا ترى تأتي هذه الزيادة في الإنتاج النووي , لتكون بمقدار تسع مرات عما نحتاجه لتفجير الأرض؟؟؟!!! . أليس هذا من عبثية الأداء في الإنتاج التكنولوجي , أوليس هذا من العبثية المركبة عندما يسخر البعض التكنولوجيا النووية لصناعة الموت والدمار والشقاء , بدل أن يسخرها لصالح الحياة والبناء والتنمية والرخاء , ويوم يبالغ في الانحراف فيسرف في صناعة منتج الهلاك أضعافاً مضاعفة , على حساب لقمة الغذاء , وحبة الدواء , وقطعة الكساء لمئات الملايين من الشعوب التي تعيش تحت خط الفقر والحرمان , بل على حساب معالجة أسباب العوز والبطالة والأمراض , التي يعاني منها الملايين من مواطني بلدان التضخم النووي, وبلدان ترسانات أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية. ,   

إذاً نحن نواجه عبثاً في الإنتاج التكنولوجي , وعبثاً في الاستخدام والتطبيق , وهذا العبث التكنولوجي هو الذي يسيطر اليوم على المسيرة الحضارية , وهذا ما يؤكد أن الإشكالية الحضارية هي إشكالية أداء. فهناك اضطراب كبير في العلاقة بين العلم والقيم , فالعالم اليوم يتربع على قمة الإنتاج الصناعي والتكنولوجي , ولكن للأسف يعاني من انحدار وتدهور مدمر في أمنه واستقراره , وذلك بسبب من تخلف مرعب في الأخلاق والسلوكيات في ميادين الحياة, وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الهندي المشهور طاغور لصديق له من الغرب وهو يحاوره :

" لقد استطعتم أن تحلقوا في الهواء كالطيور، و أن تغوصوا في البحار والمحيطات كالأسماك ، ولكنكم للأسف إلى الآن لم تستطيعوا أن تمشوا كالإنسان في الأرض " , فالعالم اليوم يريد إنسانًا يمشي في الأرض وهو يدرك ما هو المطلوب لإقامة حياة بشرية آمنة .

ويقول مستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا المشهور :

" من الغريب المضحك أن البلاد والدول تنفق الملايين من الجنيهات لوقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها ولكن لا تنفق شيئاً من أجل ضبطها " .

 أما الرئيس الأمريكي الأسبق  نيكسون يقول في كتابه المشهور " الفرصة السانحة :

" في القرن العشرين خطا تقدمنا التكنولوجي خطوات أوسع بكثير من تقدمنا الأخلاقي والسياسي ، الأمر الذي ينبغي أن لا ندعه يحصل أو يستمر في القرن الحادي والعشرين , من أجل أن نكون شركاء في زيادة فرص السّلم , والحدّ من فرص الحروب ".

 وللأسف جاء الأمر على عكس ما أراد نيكسون , فها نحن في القرن الحادي والعشرين نعاني من حروب عالمية مفتوحة الأجل والهدف ! ، تقتل وتدمر تحت مبررات وشعارات متنوعة ومبهمة .

 

أردت بحشد هذه الأقوال لزعماء من أنحاء العالم لتأكيد ما ذهبت إليه من أن الأزمة العالمية الراهنة هي أزمة أداء حضاري مدمر .. أزمة مدمرة في عبثية الإنتاج الحضاري .. وأزمة مدمرة في توحش وجنون الأداء الحضاري .. أجل نحن أمام جنون حضاري في الإنتاج .. وجنون حضاري في الأداء والتطبيق.. وللأسف يأتي هذا الجنون الحضاري على حساب كرامة الإنسان وقدسية حياته .. مثلما يأتي على حساب سلامة البيئة وصحة الإنسان وأمنه.

 

الإشكالية الحضارية عند المسلمين :

تحدثت فيما سبق  -بشكل عام -عن الإشكالية الحضارية في المسيرة البشرية , ولكن ما هو إشكالنا الحضارية نحن المسلمين  ؟

وبهذا السؤال نتحول بأنفسنا لنتحدث عن الذات, عن الخلل من داخلنا ..  لاشك أن إشكالنا الحضاري هو إشكال أداء , شأننا في ذلك شأن بقية الأمم , وإشكالنا في الأداء الحضاري بشقيه الانتاجي والاستهلاكي ..   يبدو لي من خلال التأمل والتفكر بأنه يتمثل بشكل رئيس في اضطراب مفاهيم العلاقة:

 

1.  بين العقيدة والشريعة والرسالة ,

2.  بين تدين الأفراد وتدين الدولة ,

3.  بين التمايز العقدي للأمة , وبين مهمة المشترك العمراني مع الآخر.

 

أولاً-اضطراب فهم العلاقة بين العقيدة والشريعة والرسالة:

فنحن المسلمين نؤمن بأن الإسلام عقيدة وشريعة ورسالة , والعقيدة هي جوهر الدين والتدين .. وهي التي تمثل الخصوصية الدينية التي تميز المسلم ديانة واعتقادًا عن غيره من أتباع الأديان الأخرى , مثلما هو شأن العقيدة عند غير المسلمين , فهي التي تميزهم كذلك عن غيرهم من أتباع الديانات , وهذه الخصوصية العقدية هي أساس التميز الديني فبدونها أو باختلال قواعدها لا قيمة لمعنى الدين والتدين .. وبدون العقيدة كذلك تحبط الأعمال مهما عظمت وحسنت .. وتتحول إلى سراب لا يروي من عطش.. وتؤول إلى هباء لا يسمن ولا يغني من جوع.. وأساس العقيدة والاعتقاد في الإسلام .. هو توحيد الله تعالى بإلوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وأحواله " فليس كمثله شيء " .. والعقيدة تتطلب إفراد الله تعالى بالعبودية الخالصة له سبحانه وعدم الشرك به وامتثال أوامره جلّ شأنه .. وبالمقابل فإن لكل أتباع دين موقفهم المماثل تجاه عقيدتهم التي تميزهم عن غيرهم,وهذه القضية حسم الإسلام موقفه منها ، بنصين قرآنيين محكمين :

 

·   لكم دينكم ولي دين  "

·    " لا إكراه في الدين "

 

إذاً لا ينبغي أن نطيل الجدل مع الآخر حول قضية العقيدة , لأن الإسلام حسم إشكالها بعد أن قرر القاعدة الربانية الخالدة : " لكم دينكم ولي دينِ " وقرر بشكل حاسم وقاطع " أن الدين عند الله الإسلام " وأعلنها صريحة جلية " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " .. طبعًا يقابل هذا الحسم من قبل المسلمين حسم مماثل من قبل أتباع الديانات الأخرى فهم يصرون كذلك بأنهم على الدين الحق.. ويصرون أن دينهم هو طريق النجاة إلى الله وفق اعتقادهم .. لذا أرى أن نتحول بأنفسنا من دائرة الجدل مع الآخر بشأن العقيدة  والاعتقاد إلى دوائر البحث عن المشترك في القيم والأخلاق الدينية.. وهذا ما سنفصل فيه فيما بعد .

 

والشريعة .. هي القواعد والأحكام التي تحكم السير العادل والآمن للإنسان في ميادين الحياة. . ووجدت الشريعة الإسلامية تتحدث عن أمرين رئيسين :

الأول - يتعلق بالأحوال الشخصية الدينية للإنسان , من طلاق وزواج وإرث وعلاقات أسرية إلى آخره , وهذه أيضًا قد حسم الإسلام موقفه منها , فأعطى للمواطنين غير المسلمين حق الاحتكام في هذه الأمور إلى شرائعهم , مما يؤكد عدم وجود مشكلة لغير المسلم بهذا الشأن ، وقد قرر الإسلام حق غير المسلم أن يتحاكم فيما يتعلق في أحواله الشخصية الدينية إلى شريعته إن شاء ,

والأمر الثاني من الشريعة :

يتعلق في المصالح العامة للمواطنين , والإسلام يقرر أن المواطنين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات في شؤون الحياة ومصالحها ,  وهنا نقول كذلك : لا مشكلة لغير المسلم مع الشريعة الإسلامية .

 

وأما الرسالة فهي بفهمي تمثل المبادئ والقيم والمنطلقات من منهج الإسلام , التي تنظم علاقة المسلم مع الكون والآخر .. وتنظم شؤون الحياة , وترسم للناس المسار الرباني المشترك من أجل:

· النهوض بمسؤوليات عمارة الأرض وصرف الفساد عنها, عملاً بقول الله تعالى :  " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " والتزامًا بقوله سبحانه : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيه اسم الله كثيرًا ".

·  تحقيق التعارف بين الناس من أجل التعاون لتحقيق الأفضل للجميع ,  وفقاً لقول الله جلّ شأنه : " يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " .

وقد بدا لي من خلال تتبع مسألة عمارة الأرض في النصوص الدينية الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في الأرض من أجل عمارتها ، أنه سبحانه استخلفه بكونه إنساناً فحسب , بصرف النظر كما أسلفنا عن هوية انتمائه العرقي , أو القومي ,  أو الديني , أو الجنسي , أو اللوني ,  وتحدث  القرآن في سياق الاستخلاف عن الأمانة عن قوله تعالى :

" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان "

إذاً فالإنسان وحده على الإطلاق هو الذي حمل هذه الأمانة , والعلماء اختلفوا في تفسير هذه الآية اختلافات واسعاً ، وصدر عنهم ما يزيد عن عشرين معناً بشأن هذه الآية ، ولكن في النهاية رجح أكثرهم أن المقصود من الأمانة هنا هي أمانة الاستخلاف في الأرض . فإذا كانت الأمانة هي أمانة الاستخلاف , فهي إذاً ليست أمانة في عنق المسلم فحسب ، ولكنها أمانة في عنق كل فرد من بني آدم بكل مللهم وأديانهم , وبالتالي يجب أن نتحدث عن هذه الأمانة , بصفتنا جميعاً من بني آدم ( رجالاً ونساءً ) حملّنا ربنا سبحانه وتعالى أمانة الاستخلاف ، كل حسب عقيدته وشريعته , فأنا بعقيدتي وشريعتي ، والآخر بعقيدته وشريعته , ولكن تجمعنا قيم ومبادئ ومسؤوليات أمانة منهج الاستخلاف الرباني .

 

وبعد .. إن كانت العقيدة كما مر معنا هي التي تمثل الخصوصية الدينية التي تميز المسلم عن غيره من أتباع الديانات والثقافات .. فإن الشريعة والرسالة بالمقابل قد أعطت مساحات من المشترك بين المسلم وغيره في ميادين الحياة ..   وذلك لتحقيق المصالح المشتركة بين الناس جميعًا , ولدفعهم وحفزهم على التسابق في عمل الخير , كما هو بين في قوله تعالى :  "  أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا  " ، فالله سبحانه أقام قاعدة التسخير والحاجة المتبادلة بين الناس, مثلما قرر مبادئ التعارف, والتدافع, والتنافس بينهم من أجل تحقيق الخير للبشرية جمعاء,  مما هو اليوم بتقدير غير مفعّل على الأغلب  في حياة المسلمين , مثلما هو غير مفعّل كذلك في حياة الناس أجمعين, فالتدافع الحضاري بين الناس غير مفعّل ، والتعارف البشري غير مفعّل ، والتساخر والتعاون بين الأفراد والمجتمعات غير مفعّل , والتنافس في فعل الخيرات غير مفعّل.

وفي إطار اهتمامي بهذا الأمر, وجدتني أقرأ وأتأمل قول الله سبحانه وتعالى :

 " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " 48/5  هذا خطاب للناس جميعا " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ".

 ثم تتابع الآية في سردها لمراد الله  " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم " ثم تأتي الغاية العظيمة والدعوة الربانية الجليلة :

 " فاستبقوا الخيرات ".   

ثم تختم الآية منبهة الجميع إلى أمر بغاية الأهمية والدلالة :

" إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ".

فلا تكثروا الجدل حول هذا الاختلاف في الشرائع ، بل اجعلوا هذه التنوع بشأنها مصدر إثراء .. ومصدر تعاون .. ومصدراً للتسابق في الخيرات " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات " .

وبعد هذا العرض المطول لمعاني ودلالات كل من دوائر العقيدة والشريعة والرسالة .. وتجلية طبيعة العلاقة والتكامل بينها .. لكونها تشكل مرتكز صحة واستقامة نهج الإنسان المسلم في ميادين الحياة .. وترسم السبيل المستقيم للنهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض .. أجل بعد هذا التوضيح بشأن تأكيد تمركز وتلازم وتكامل العلاقة بين العقيدة والشريعة والرسالة في الإسلام .. ننتقل للإجابة عن إشكالية اضطراب مفاهيم العلاقة بين العقيدة .. والشريعة .. والرسالة عند بعض المسلمين.

وجوابًا أقول: مما يؤسف له أن بعضًا من طلبة العلم  , بل و بعضًا من علمائنا ومفكرينا , يعانون من خلل في التعامل مع منظومة منهج الإسلام المتكاملة والمتلازمة .. منظومة العقيدة والشريعة والرسالة .. خلل أحدث لديهم اضطرابًا في توازنية العلاقة والتكامل بين دوائر العقيدة , و الشريعة , و الرسالة , ويتمثل هذا الخلل بأنهم وسعوا حدود وظيفة دائرة العقيدة توسعًا مبالغًا فيه على حساب مساحات دائرتي الشريعة والرسالة .. حتى أصبحت دائرة العقيدة وعلى الأخص عقيدة " الكفر والإيمان " .. هي النافذة الوحيدة التي يطل منها هؤلاء على الناس من غير المسلمين .. وجعلوها شرطهم اللازم والوحيد لمشروعية التعامل والتعايش مع غير المسلمين .. مما أحدث عندهم توسعًا مخلاً في مسألة الولاء و البراء ، الذي أفرز بدوره ظاهرة التكفير وتعميماتها. الأمر الذي أصبح بحاجة ملحة منا لبذل الجهد لإعادة التوازن في  فهمنا للعلاقة بين العقيدة , والشريعة , والرسالة , ولإعادة ترسيم الحدود الفقهية بكل علمية وموضوعية بين وظائف كل من هذه الدوائر الثلاثة , لتتضح للأجيال بكل دقة حدود وظيفة كل من العقيدة والشريعة والرسالة .. من أجل ألا تطغى مساحة دائرة على مساحات غيرها من الدائرتين الأخريين ولا تعطل مهامهما ومقاصدهما.. ومن أجل فك الارتباط المخل بين ما هو من خصوصيات التمايز العقدي والديني .. وبين ما هو من منطلقات التعايش والتافس الإنساني في ميادين إقامة الحياة .. ولتحقيق المصالح المشتركة بين العباد مع وجود الاختلاف والتنوع بينهم في العقائد والشرائع والغايات والمقاصد .. وبشأن تجلية هذه الغاية الإنسانية النبيلة ..  قلت وأنا أخاطب جمعًا من العلماء والمفكرين والساسة في مؤتمر دولي حول حوار الحضارات عقد في جزيرة رودس – اليونان : كوننا  أيها السادة نتحدث هنا عن حوار الحضارات , فهذا يعني أننا نؤمن بالتعددية الثقافية , لأن الثقافة هي مكون  أساس من مكونات الحضارة , وكوننا نؤمن بالتعددية الثقافية , إذاً نحن نؤمن أيضا بالخصوصيات الثقافية , لأن الخصوصية الثقافية هي أساس التنوع الثقافي ، فبدون الخصوصية الثقافية لن يكون هناك تنوع ثقافي , ولو زالت الخصوصيات الثقافية لكان هناك ثقافة بشرية واحدة , فالتنوع الثقافي إذاً سببه الخصوصية الثقافية .

 

·       ولكن هل نكتفي بهذا القدر من الفهم والاتفاق  ؟

·       أم أننا بحاجة إلى نقلة ثقافية أخرى في هذا الاتجاه ؟

·       وما هي نوعية هذه النقلة ؟

·       <