




|
|
من اليمين السيدة جينا القنصل الأمريكي في جدة - السفير الأمريكي روبرت جوردن - الدكتور حامد الرفاعي - مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الديموقراطية وحقوق الانسان السيد لورني كرانير وقد استقبل الاستاذ الدكتور حامد الرفاعي الوفد الأمريكي في منزله بمدينة جدة ، وكان موضوع اللقاء يدور حول عدة قضايا من أهمها الإسلام والليبرالية |
إشكالية الديمقراطية
لا شك أن الديمقراطية اليوم تحظى بمكانة مرموقة في الساحة العالمية , فهي تتربع على عرش إمبراطورية القطب العالمي الأوحد .. فهي مذهبه الاجتماعي .. ونبراسه الســــياسي.. وهويتـــه الثقافية.. ونهجـــه الحضاري.. وهـــي رسالته المجيدة للعالمين .. يصادق ويوادد من يقبلها ويلتزمها.. ويحارب ويخاصم من يرفضها ويرغب عنها بسواها .. مما جعلها رغباً ورهباً معشوقة الساسة والمفكرين .. يتنافس في حبها القاصى مع الداني – إلا من أبا – وهم قليل .. فأمست سيدة الموقف والآمر الناهي في مسيرة الأمن البشري وتصريف مصالحة .. وتهافت العشاق أتباع الملل والثقافات والحضارات في طلب ودها والانتساب إليها .. أو التشرف بإثبات نسبها إلى ديانته وثقافته .. وذهب كثير من المسلمين هذا المذهب .. فأخذوا يدللون على شرف نسبتها إلى الإسلام ومنهجه العظيم فقالوا " بديموقراطية الإسلام " وأن الإسلام هو صاحب السبق بالتزام منهج الديموقراطية وشرعتها مرددين عبارة " لا مشاحة في الاصطلاح " فالإســـلام هو الديموقراطية .. والديموقــــراطية هي الإسلام .. وكتبوا في ذلك كتباً , ودبجوا مقالات أشادوا بالديموقراطية ونعمتها وبـــركاتها .. وأنــها المجدد المنقذ والمخلّص الأمين للبشرية من درن الضلالة والتيه .. ومن أسباب التخلف والفساد .
وهذا المشهد الدرامي المتألق اليوم في المسرح الدولي بشأن الديموقراطية , يستدعي مـــن الذاكرة مشهــــداً درامي ســـابق تناول حـــالة معشوقة ســابقة ذات حسن وجمال .. اجتاحت موجة عشقها والافتتان بسحرها الأوساط الفكرية , والسياسية والاقتصادية , والاجتماعية فـــــي الخمسينيات , والستينيات , من القـــــرن المنصــــرم اسمها " الاشتراكية " , قيل في مدح محاسنها وسحر جمالها ونمنمة فساتينها الحمراء القانية أجـــود الشـعر وأبلغ النثر.. وبكل الأقلام الثقافة اليسار منها والوسط , وبعض اليمين .. ولم تخلو الساحة من إسلاميين عشقوا وهاموا بسحر تلك الحسناء الشرقية الفاتنة , بل لعلهم كانوا أكثــر الناس عشــقاً وافتناناً وأبلغهم عاطفة تجاهها, وأكثرهم غيرة بما يخص نسبها , فسارع البعض إلى تبنيها واحتكار نسبها فكتب يقول " باشتراكية الإسلام " , وصدحت أم كلثوم تنشد مترنمة " الاشتراكيون أنت إمامهم " معتزة وفخورة بأن نبي الإسلام ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو إمام الاشتراكيين في الأرض , ومرت الأيام وشاخت الحسناء وذبل عودها وخفت بريقها وبليت فساتينها .. ثم هوى صنمها وأفل نجمها .. ولعق الشعراء شعرهم وبلع بلغاء النثر نثرهم وأسقط في أيديهم .. طبعاً أنا لا أذكّر بهذه الحالة من باب الشماتة أبداً , فأنا لست من الشامتين وما هو لي بخلق .. لقد قلت في كتابي الإسلام والنظام العالمي .. إنه ليؤلموني ويحزنني سقوط الاتحاد السوفياتي – رغم التناقض العقدي والثقافي معه - وغياب إمبراطورية ساهمت مساهمة فعالة في البناء الحضاري البشري المعاصر .. وكنت أتمنى أن ترشد تلك الحضارة, وأن يعاد النظر في نهجها الثقافي الحضاري , لتكون منسجمة ومتسقة مع فطرة الإنسان , ومكوناته الروحية , والوجدانية , وقد سقطت وتمزق جمعها, وذهبت ريحها , وذلت هيبتها بسبب من إهمالها وتجاهلها للعالم الداخلي للفرد , وروحه , ووجدانه , وقد عبر عن هذه الحقيقة المرة الرئيس السوفيتي المعروف ميخائيل جورباتشوف , في كتابه الشهير البيروستريكا وهو يحاول الاستدراك على الحالة السوفيتية المترنحة بعد فوات الأوان , وفي الوقت الضائع للأسف حيث يقول :
" ومهمتنا الرئيسة اليوم هي أن نرفع من روح الفرد , ونحترم عالمه الداخلي , ونعطيه قوة معنوية ,ونحن نسعى لأن نجعل كل قدرات المجتمع الفكرية وكل إمكاناتنا الثقافية تعمل من أجل تشكيل شخص نشط اجتماعياً , غني روحياً, ومستقيم , وحي الضمير "
أجل أنا لست شامتاً, وأنا أذكّر بحالة المعشوقة الاشتراكية وقد أفل نجمها وأحرج عشاقها , وقد ذكرت موقفي الحزين من سقوط الاتحاد السوفيتي – رغم التناقض العقدي والثقافي معه – تأكيـــداً علـــى غياب نزعـــة الشماتة عندي بهذا الشأن وغيره , لأنني اعتقد أن المسلم في نهجه وسلوكه وثقافته, ينبغي أن يكون دائماً مع البناء, ومع الترشيد والتطوير لكل فعل حضاري , وليس مع نزعة الهدم والدمار والاستئصال للغير .. لأن الحضارة بالنهاية تبقى إرث بشــري , وتبقى مصلحة ومكتسب بشري , ينبغي ترشيد المعوج منها وتنمية المستقيم وتطويره ,
وأردت من استذكار حالة الاشتراكية مع عشاقها .. لأقول لعشاق الديموقراطية اليوم على رسلكم .. الهوينة الهوينة أيها السادة .. أحبوا حبيبكم هوناً ما عسى يكون عدوكم يوماً ما .. وابغضوا عدوكم هوناً ما عسى أن يكون حبيبكم يوماً ما .. طبعاً وللإنصاف فأنا هنا لا أساوي بين الاشتراكية والديموقراطية .. فلا شك أن الفارق بينهما ليس بقليل .. ولكن أقول : مثلما أن الاشتراكية ليست شراً مطلق فالديموقراطية أيضاً ليست خيراً مطلق .. ومثلما أن الاشتراكية عــلى عـــورها لا تخلو من إيجابيات .. فإن الديموقراطية على ما فيها من خير, لا تخـــلو مـن سلبيات ومنغصات .. وذات يـــوم جرى حوار بيني وبين معالي المستر لورين كرنير مساعد وزير خارجية أمريكا السابق " كولن باول " يرافقه وفد كبير يتكون من :
حيث تم اللقاء في جدة يوم الاثنين 21 جمادى الأولى 1424 هـ الموافق 21 تموز 2003 م مع كامل الوفد من الساعة الحادية عشـــرة صبــاحاً وحتى الواحـــدة ظهراً , وبعـــد تبادل كلمات المجاملة والترحيب , بادرني رئيس الوفد المستر لورين قائلاً :
ما هي العلاقة من وجهة نظركم بين الإسلام والديموقراطية ..؟ فقلت له إن مثل هذه المقارنة المباشرة بين الإسلام والديموقراطية فيها شئ من الخلل .. قال وما خللها .. ؟
قلت :
وعلى أساس من ذلك , فليس من الموضوعية بمكان أن تعقد مقارنة بين جزء من نظام مع نظام آخر , فالجزء لا يمكن أن تتضح مفاهيمه إلا عبر موقعه من نسيج النظام الذي ينتمي إليه , ومن هنا ستكون المقارنة على النحو الشائع بين أوساط الكثير من المثقفين المسلمين وغيرهم مخلة ومضرة بالجانبين " الإسلام , والديموقراطية " .. وهذا هو الخلل , وهذه علة اعتبار مثل هذه المقارنة المباشرة بين الإسلام والديموقراطية من الأخطاء الشائعة .
قال : وما هي المقارنة الصحيحة من وجهة نظرك .. ؟
قلت :
المقارنة تكون الصحيحة إذا عقدت بين الإسلام , وبين اللبرالية , باعتبار أن كلاً منهما نظام شامل في نظرته وقيمه , وكذلك تكون المقارنة صحيحة إذا عقدت بين الأجزاء المتقابلة من النظامين .
قـال : ما هو الجزء من نظام الإسلام الذي يقابل الديمقراطــية في النظام الليبرالي .. ؟
قلت :
هذا السؤال صحيح وموضوعي ,ولكن قبل أن أجيبك . دعني من فضلك أعرض فهمي للنظام الليبرالي , فإن وافقتني على فهمي فسأنتقل للإجابة على سؤالك المهم .. فرحب بذلك .
قلت : الليبرالية وبفهمي المتواضع تتكون باختصار من :
ثم قلت : فهل هذا الفهم صحيح ومقبول عندكم .. ؟
قال :
إنه مقبول جداً .. بل أستطيع أن أقول ربما يعجز الكثير من الليبراليين أن يقدموه بمثل هذا " الإيجاز البارع " على حد تعبيره .
قلت :
دعني بالمقابل أن ألخص لكم فهمي عن نظام الإسلام .
قال :
يسعدني ذلك وأن محتاج لأفهم ما هو نظام الإسلام .. ؟
قلت :
إن نظام الإسلام وباختصار كذلك يتكون بشكل عام من :
فهل الأمر بهذا الشكل واضح لديكم أم تحتاجون لتفصيل أكثر ..؟
قال: إن الأمر واضح وأشكرك على هذا التلخيص المركز .
قلت : الآن أجيبك على سؤالك .. فقاطعني قائلاً :
الجواب واضح إن ما يقابل الديموقراطية من وجهة نظركم هي البيعة .
قلت : نعم .. لأن كل من البيعة والديموقراطية عقد اجتماعي , وهنا أستطيع القول : أن عقد أدائكم الاجتماعي يتوافق مع عقد أدائنا الاجتماعي بنسبة كبيرة قد تصل إلى 80 % .
قال : مندهشاً أحق ما تقول .. ؟
قلت : نعم وهذا ليس كرم عربي .
قال : ولكن ما علة الفرق بين العقدين بنسبة 15 %
قلت :
هذا الفـرق جاء بسبب عقد الإيمان , الذي تجاهلتموه في عقدكم الاجتماعي .. أما نحن فلازلنا ملتزمين به , لأننا نعتقد ونجزم أنه العقد الأســاس والمهم في حياتنا , ونصر على التمسك والاعتصام به , لأنه أســـاس ترشـــيد وضــــبط صــحة أدائنا الاجتماعي والحضاري , وهناك سبب آخر للفارق بين عقد أدائنا الاجتماعي وعقد أدائكم الاجتماعي يتعلق بالخصوصيات الثقافية.
قال : إذا المشترك بيننا كبير .. ؟
قلت نعم .. ؟
قال : ولما هذا الخلل في علاقاتنا إذاً .. ؟
قلت : لأسباب متعددة منها :
وجرى حوار طويل , ودخلنا في تفاصيل دقيقة , لا يتسع هذا البحث لذكرها والخوض فيها, ولكن سأذكر أبرز ما جاء فيها كما يلي :
قال المستر ميشيل بارملي المستشار الخاص للمستر ورن : ولكن كيف تطبق البيعة ؟
قلت : إن نظام الإسلام لم يحدد صيغة ما للتطبيق , وترك هذا الأمر للأمة لتحدده بالتراضي فيما بينها عبر الزمان والمكان , لأن الإسلام يركز على المبادئ والأهداف , ويدع الوسائل والآليات لخيارات الشعوب , وفق مقتضيات أحوالها وحاجاتها مع تغير الزمان والمكان .
قال المستر ورن: ولكن من الذي يملك صلاحيات تقرير خيار الأمة بهذا الشأن ؟
قلت : ولي الأمر " الحاكم " وأهل الحل والعقد ( أهل الخبرة والعلم والاختصاص ) .
قال : ولكن من الذي يحدد أهل الحل والعقد ؟
قلت : هذا خيار مفتوح أمام ولي الأمر يمكن أن يكون بالتزكية أو بالترشيح,أو بالتعيين, أو غيره, وفق ما تقتضيه حالة الأمة ومصلحتها.
قال المستر ورن : ما المقصود بأهل الحل والعقد..؟
قلت : هم أهل الاختصاص المؤهلون للبحث والقرار.
قال : لو طلب منك أن تطرح خطة وآلية لاختيار أهل الاختصاص وفق الظروف الاجتماعية الراهنة . فما هي أبرز ملامح وخطوات هذا المشروع ..؟
قلت : إن شرائح الاختصاص في أي مجتمع اليوم , هي أهل التخصصات لعلمية المتنوعة , وأهل الخبرات والمهارات التطبيقية , على سبيل المثال : هناك سياسيون , واقتصاديون , وتربيون , واجتماعيون , وماليون , وتجار , وصناع , إلخ , وبنظري فإن ملامح الآلية تتلخص بما يلي :
قال: ما اسم مؤسسة أهل الحل والعقد في الإسلام ؟
قلت : مجلس الشورى أو أي مجلس آخر , فالمسميات ليست مشكلة في منهج الإسلام , المهم هو كيف نحقق الغايات والأهداف.
قال : وهل قرارات مجلس الشورى ملزمة للحاكم ؟
قلت : القرارات في نظام الشورى في الإسلام نوعان :
1. قرارات تتعلق بالمسائل المرتبطة بثوابت الشريعة الإسلامية وهذا النوع ملزم للأمة بكاملها أي لولي الأمر والشعب .
2. قرارات تتعلق بالمسائل الاجتهادية المستجدة , وهذه لولي الأمر أو الحاكم بشأنها حق الترجيح بينها وبين غيرها من الاجتهادات , التي تتوفر لديه من باقي مؤسسات الدولة , ومجالسها الاستشارية العليا المتخصصة .. مثلما له الحق في التعديل أو التأجيل وفق مقتضيات المصلحة العليا للأمة .
قال : ماذا تقصد بحق الترجيح للحاكم .. ؟
قلت : من حيث المبدأ هو يقابل حق " الفيتو" للرئيس الأمريكي تجاه بعض قرارات الكونجرس , ولكن مع الفارق .
قال : وما هو الفارق ..؟
قلت : فارق حضاري , وفارق إجرائي , فحضارياً أرى أن عبارة " ترجيح " أكثر دماثة واحتراماً لمصدر القرار , وإجرائياً فيها معنى الالتزام والموافقة من حيث المبدأ على القرار المعروض, إلا أن هناك ما هو أنسب - بنظر الحاكم المسلم - لمصلحة الأمة, والأنسب هنا لها معاني عديدة " الأنسب زماناً , الأنسب مكاناً , الأنسب أداءً , الأنسب صياغة .. إلخ" , بينما عبارة " فيتو " فيها نزعة القسوة في الرد والاعتراض , وفيها القطع في الإجراء , وعلى أي حال نحن العرب نقول : لا مشاحة بالاصطلاح.
قالت المسز اليازبت دوقان :
ولكن لماذا تصرون على استمرار العلاقة بين الدين والدولة ؟ أليس هذا مما يسبب تقييد حركة تطوركم وعدم قبول الآخر ؟
قلت : إنني أتفهم خلفية سؤالك المقدر يا سيدتي , لقد كانت لكم مشكلة كبرى ومعقدة مع تعاليم الكنيسة , لأنها تعاليم تتصادم مع طبيعة الأشياء , ومع حوافز الإبداع والتجديد والتطور والارتقاء, وهذا ما ولد حالة من الصراع بين طموحاتكم في الحياة , وبين تعاليم الكنيسة وجمودها , أما نحن فلنا مع الإسلام مشكلة من نوع آخر, فالت متلهفة : وما هي ..؟ قلت : إننا – للأسف - دون مستوى تعاليم الإسلام وحوافزه بهذا الشأن , حيث أن تعاليم الإسلام تلح باستمرار على العلم والإبداع والتطوير والارتقاء , في كافة ميادين الحياة على مستوى الأرض وعلى مستوى جميع الكواكب والأفلاك , بل الدين الإسلامي جعل ذلك من أقرب القربات وأجل العبادات عند الله .. فالعبادة في الإسلام نوعان :
· عبادة روحية .
· وعبادة عمرانية ( أي إقامة الحياة وتسخير ما في الكون لصالح الإنسان ) .
وأن مرضاة الله تعالى لا تتحقق إلا بالتكامل الدقيق بي العبادتين الروحية والعمرانية , والمسلم مؤاخذ على التقصير في العبادة العمرانية , مثلما هو مؤاخذ على التقصير في العبادة الروحية . . وهذا هو مصدر إصرارنا على استمرار العلاقة والتلازم بين الدين والدولة . . وهل من العقل أو من الموضوعية بمكان , أن يفصل الإنسان حياته عن مصدر ما يحفزه ويدعوه ويطالبه باتباع العلم وإيجاد المهارات , والسعي الجاد في ميادين الإبداع التكنولوجي والارتقاء في كافة ميادين الحياة ؟
فقالت : وما هو دور المرأة في ذلك كله ؟
قلت : المرأة والرجل في الإسلام شريكان في المسؤولية على أساس من التكامل المنصف بينهما في ميادين الحياة , ووفق ضوابط وقواعد تحكم هذه الشراكة فيما يحقق مقاصدها , على الوجه الذي لا يخل بقيم الأمة وهوية نهجها الحضاري , والأسرة أول المؤسسات الاجتماعية , التي تتحقق وتتبلور من خــلالها صـيغة التكامل المنصف , بين مسؤوليات الرجل والمرأة , لأن الأسرة في الإسلام مؤسسة أساسية من مؤسسات المجتمع المدني , بل هي النواة الطيبة لمجتمع صالح .
قال المستر لورين : وماذا عن حركة الإصلاح والتغيير ؟
قلت : أنا أفضل عبارة التجديد والتطوير .
قال : لماذا ؟
قلت : لأنها أكثر موافقة لواقعنا ومنهجنا .. فالتجديد والتطوير عندنا ليس حاجة طارئة في حياتنا , ولا حالة استثنائية لأمر طارئ ,إنه مبدأ ديني ونهج تشريعي دائم ( إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للمسلمين أمر دينهم ) .. والإسلام هو النظام الوحيد الذي يكافئ الباحث المبدع ولو أخطأ تشجيعاً منه على البحث والإبداع , وتضاعف له المكافأة في حالة النجاح تشجيعاً له على الاستمرار والارتقاء .
قلت للمستر لورن : ولكن ماذا عن التجديد والتطوير عندكم ..؟
قال : وماذا تقصد ؟
قلت : أما آن الأوان لإعادة النظر في نظمكم ووسائلكم التي مضى عليها عقود عديدة دون تغيير أو تطوير ؟
أما آن الأوان لمراجعة الفلسفة اللبرالية بحد ذاتها ..؟
أما آن الأوان لمراجعة الديموقراطية والبرلمانية ووسائلهما ..؟ أليست بحاجة إلى تطوير وتحسين وتكييف مع المستجدات الاجتماعية , والسياسية , والأخلاقية , والحضارية بعامة , على المستويات الإقليمية منها والدولية.
قال : لا شك أنها تساؤلات موضوعية وعلمية ونحن بحاجة إلى التعامل معها , ولكن هل لديك ملاحظات محددة ..؟
قلت مداعباً : الفاتورة طويلة وتحتاج لمتسع من الوقت .
قال : من حيث الوقت أنت محق ونحن بالفعل لدينا مواعد عديدة ومتتالي , ولا أخفي عليك لقد قررنا إلغاء بعضها لما لمسناه من فائدة في الحوار معكم , قلت : شكراً معالي الزميل هذه شهادة أعتز بها وأنا بدوري كنت سعيداً ومرتاحاً لأسئلتكم الني أتاحت لي توضيح ما ارتحتم له , قال : لدينا نصف ساعة معكم فاذكر لنا باختصار مثالين من ملاحظاتك تجاه نهجنا لنعود لباقي تساؤلاتنا.
قلت : لدي نقاط مختصرة هي :
o لا زلتم تهملون أو تتجاهلون البعد الديني والقيمي في مضامين عقدكم الاجتماعي , وهذا بتقديري يعكس سلبيات على أدائكم الحضاري,
o هناك إسراف بل أستطيع القول هناك تجاوز لمبدأ حرية الاختيار ,من خلال التأثير على الناخب عمر حملات الانتخاب المطولة , وما يرافقها من مغريات لاستمالة الناخب وتوجيه إرادة اختياره لصالح جهة ما ,
o جعلتم مساواة مطلقة بين أصوات الناخبين في القضايا المصيرية للأمة , قال : ماذا تقصد ..؟ قلت : هل يعقل أن يكون صوت معاليكم - ليس كإنسان - بل كفاءة وخبرة مرموقة يتساوى مع صوت رجل عادي بكفاءة متواضعة بل أحياناً بدون كفاءة في تقرير وحسم الموقف بشأن مسألة تتعلق باختيار من الأصلح للأمة , أو في حسم أمر يتعلق بقضية مصيرية للأمة ..؟ قال : هل تريدنا أن نأخذ بمبدأ أهل الحل والعقد ..؟ قلت : هذا خياركم .. ربما تجدوا ما هوا أفضل , فالمهم هو إعادة النظر .
o أما المسألة الأخيرة فإني أنصح بإعادة النظر بقانون الإباحية الاجتماعية المعروف عندكم , والذي أغرق المجتمع الأمريكي بشتى أنواع الجريمة على حد تعبير وزير خارجيتكم الأسبق " جيمس بيكر " .
قال :أشكركم على ملاحظاتكم الجريئة,وصدقني أنها ستكون موضع عناية واهتمام,وماذا تقترح من أجل المزيد من التعارف ..؟
قلت : استمرار الحوار المباشر والموضوعي بيننا , وتبادل وجهات النظر بكل شفافية ومصداقية واحترام بعيداً عن وسطاء السوء .. فالتعارف المباشر يبقى أبلغ وأقدر على تحقيق الفهم المتبادل الصحيح , بعيداً عن التفسيرات والتأويلات الخاطئة , التي غالباً ما يلجأ إليها الوسطاء ولا سيما وسائل الإعلام المغرضة أو المأجورة , وهذا النوع من الإعــلام المعادي لعلاقاتنا الاستراتيجية للأسف , له دوره السلبي المـؤثر في أوساط المجتمع الأمريكي , فبتقديري أن ساحة المشترك بيننا من حيث المقاصد كبيرة, وأن الوسائل والآليات ينبغي أن تبقى مرتبطة بطبيعة المجتمعات وتنوع خصوصياتها الثقافية, ونتحمل معاً مسؤولية تنمية وتوسعة مساحة المشترك بيننا عبر الحوار الموضوعي والمباشر.
فرحب معاليه بوجهة النظر المقترحة , ثم عدنا للاستكمال المقارنة بين الإسلام واللبرالية أو بين البيعة والديمقراطية , التي قطعت بسبب استفساراتهم التي ذكرناه آنفاً , حيث قلت للوفد : لو تأملنا المكونات الأساس لكلا النظامين , نستطيع بسهولة أن نجد نقاط الوفاق ونقاط الاختلاف ومن جهة أخرى يمكننا اكتشاف الأرضية المشتركة بين النظامين وهذا يعطينا الفرصة لتطوير وتعزيز نقاط الاتفاق,وتفهم نقاط الاختلاف , بالشكل الذي لا يجعلها عائقاً في سبيل تحقيق المصالح المشتركة لأتباع النظامين .
وبعد هذا التفصيل الموجز يمكن لمن يريد المقارنة .. أن يعقدها بين النظامين ككل " الإسلام .. واللبرالية " , أو بين الأجزاء المتقابلة من كل منهما مثل عقد مقارنة بين كل من :
· الرؤيتين العامتين للنظامين تجاه الكون والحياة .
· المرجعيتين التشريعيتين لكل منهما .
· البيعة والديمقراطية " العقدان الاجتماعيان لدى النظامين ".
· الشورى والبرلمانية " مؤسستي التشريع ورعاية التطبيق لدى النظامين " .
وبذلك تكون المقارنة دقيقة وموضوعية من وجهة نظرنا .
فقال المستر لورن: دعنا نعقد مقارنة بين البيــــعة والديمقراطية.
قلت :
الديمقراطية كما يعرّفها أهلها هي :
· حكم الأغلبية .
· أو حكومة : يكون الشعب فيها هو صاحب السلطة العليا .
· أو حكم الشعب بالشعب .
في ضوء ما تقدم من تعريفات للديموقراطية , يمكن أن نخلص إلى أن الديموقراطية " عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم ", بين الشعب كمصدر للتشريع , وبين الحاكم كجهة تنفيذية .
أما البيعة :
فهي حكم الشعب وفق شرعة الله تعالى , على أساس من عقد الإيمان , ليقوم الحاكم المفوض من الشعب بتصريف وتنظيم حياة الناس , وتحقيق مصالحهم على أساس من شرعة الله , ووفق ميثاق التعاقد بينه وبين الشعب " الدستور أو نظام الحكم " .
وهذا يعني أن البيعة " عقد إيماني وعقد اجتماعي " , إي أنه عقد مركب من عقدين اثنين هما :
1. عقد إيمان : وهو عقد بين الله تعالى وبين الأمة " الشـعب والحاكم " يلتزم الجميع على أساسه بتطبيق شريعة الله .
2. عقد أداء : وهو عقد بين الشعب والحاكم لتحقيق مصالح الأمة وفق عقد الإيمان , ووفق ميثاق العاقد بينهما أي " الدستور أو نظام الحكم "
ومن خلال تأمل ما سبق ذكره , عن الديموقراطية والبيعة من مفاهيم يمكن بسهولة التعرف على نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف بينهما :
vلاشك أن الديموقراطية من حيث المبدأ قد حققت مساحات كبيرة من الخير في حياة المجتمعات التي تعاملت معها بجدية وإخلاص .
vالديموقراطية تلتقي مع البيعة في عقد الأداء(العقد الاجتماعي) .
vالديموقراطية تطبق ما يقرب من 80% من البيعة ( عبر عقد الأداء ).
vالديموقراطية تفترق عن البيعة بغياب ( عقد الإيمان ).
vغياب عقد الإيمان في الديموقراطية ينشئ الفوارق التالية بينها وبين البيعة :
· الديموقراطية حكم مطلق للشعب .. بينما البيعة حكم مطلق لله بأداء وتنظيم بشري .
· الشعب هو مصدر التشريع في الديموقراطية .
· أما مصدر ثوابت التشريع في البيعة هو الله جلّ شأنه ورسوله , وللأمة أن تجتهد وتشرع وتستنبط وتطور ما تحتاجه من نظم ومبادئ لتحقيق مصالحها, فيما لا يتناقض مع ثوابت الشريعة.
· الحاكم في الديمقراطية مسؤول أمام الشعب فقط .
· الحاكم في البيـــعة مسؤول أمام الله تعالى , ثم أمام الشعب عن تطبيق الشريعة , وتطبيق ميثاق عقد الأداء , وذلك عبر التناصح والتشاور والتعاون بينهما .
· علاقة الحاكم مع الشعب في الديمقراطية علاقة تنفيذية فقط.
· بينما علاقة الحاكم مع الشعب في البيعة , علاقة تكامل في المسؤوليات على أساس من التشاور والتناصح بينهما, لتحقيق مصالح الأمة على أساس من عقد الإيمان , ووفق عقد الأداء بينهما " الدستور " .
· في الديمقراطية الأغلبية هي التي تقرر على الإطلاق ما هو الحق وما هو الباطل في حياة الأمة
· بينما في البيعة , فإن ثوابت الشريعة , هي الحكم الفصل الأساس بشأن تقرير ما هو حق , أو ما هو باطل في حياة الأمة , أما الأغلبية فيأخذ برأيها ويلتزم في المسائل الاجتهادية , مما هو أقرب إلى روح نصوص الشريعة ومقاصدها العليا, أما إذا جاءت الأكثرية إلى جانب اجتهاد يتعارض مع ثوابت الشريعة ومقاصدها غلا اعتبار له , ولا يعتد برأيها.
· هناك فوارق أخرى بين الديموقراطية والبيعة لا يتسع المجال لتناولها وقد طال بنا الحوار , إلا أنني أختم بما يلي:
vالديمقراطية يمكن أن تكون أكثر نفعاً وسلاماً إذا اعتمدت والتزمت القيم الدينية والأخلاقية .
v لذا نطالب المجتمعات الليبرالية , أن تعيد النظر في مسألة تجاهلها لعقد الإيمان , والعمل على تدعيم الديموقراطية بالقيم الربانية , والضوابط الدينية والأخلاقية , والقرآن الكريم قد وجه مثل هذه الدعوة من قبل أربعة عشر قرناً ونيف لأتباع الأديان الأخرى :
· يقول الله تعالى : " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " المائدة 66 / 5
· ويقول الله جل شأنه:" قل يأهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم" المائدة 68/5
vوالمسلمون بالمقابل بحاجة ماسة في غالب بلدانهم , للتعامل بمزيد من الجدية والإخلاص والموضوعية مع البيعة , وضوابطها الشرعية , وتطوير وسائل وآليات ومهارات عقد الأداء , ليحققوا المزيد من العدل والأمن والرخاء لمجتمعاتهم ,
طبعاً وللعلم والتوثيق التاريخي فإن هذا الحوار دام ساعتين متواصلتين .
وبعد أردت بتجلية العلاقة بين البيعة والديمقراطية , إزالة اللبس الشائع لدى الكثير من المفكرين بشأن هذه المسألة , وهم يحاولون إيجاد علاقة بين الديمقراطية كمنهج وافد, وبين أصالة هوية الأمة الإسلامية ومنهجها في الحياة , فمنهم من يحاول إيجاد مكان للديمقراطية في الإسلام فيقول : ( الديمقراطية هي العدالة الاجتماعية ) , وآخر يقول : الديمقراطية هي الإسلام " فالإسلام ديمقراطي " , وثالث يقول : الديمقراطية هي الشورى ( فالحكم الشوري , يقابل الحكم الديمقراطي " , ورابع يحسم الأمر فيقول : " الشورية هي الديمقراطية " , ويرد على ذلك آخرون فيقولون : لا الإسلام ليس هو الديمقراطية , وليست الديمقراطية هي الشورى , الإسلام شئ آخر , إلا أن الديمقراطية لها موقع في الإسلام فدعون نقول : " الديمقراطية في الإسلام " , ويعارضهم زملاء من داخلهم فيقولون : الديمقراطية ســـمة ومقصد إســــلامي فالأفضـــل أن نقول : " ديمقراطية الإسلام " , ويطل فريق من نوع آخر فيقول : لما هذه الدوخة ؟ ولما هذه المماحكة ؟ دعونا من الاختلاف في المصطلحات ولنأخذ بالجوهر , فما دام أن الديمقراطية نظام ناجح ومجرب وحقق الخير لغيرنا , فدعون نأخذ بها وكفى الله المؤمنين القتال , فيرد فريق قائلاً : ينبغي أن تعلم أن الأخذ بالديموقراطية على إطلاقها , يلزمه فيما بعد التزام معايير جذورها الثقافية, وسلوكياتها الأخلاقية, وفلسفتها الاجتماعية والحضارية, فالديمقراطية ليست نظاماً مقتد من صخر أصم , إنها منهج يتبع نظاماً وفلسفة متكاملة مع ذاتها لها قيمها ومعاييرها الخاصة بها , فمن أراد أن يأخذ بجزء منها لزمه موضوعياً وعملياً الأخذ بكامل المنظومة الفلسفية , وإلا أخضع نفسه لعملية استنساخ خاطئة , تأتي بمولود نكد يشقي به أهله , ويزيدهم تعاسة وخيبة.
وأمام هذه الحالة المائجة وهذا الموقف المضطرب من الديمقراطية , وبعد تأمل كبير وجدت أن الأمر ميسور فهمه وميسور تصوره , لوعدنا إلى جذور فلسفة النظام اللبرالي , ومحاضن ولادته اليونانية , لتمكنا مــن معـــرفة ولادة الديمقراطية ( كعقد اجتماعي ) , ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم , من أجل تحقيق مقاصد اللبرالية , وفلسفتها الاجتماعية بعامة , فاللبرالية كما هو معلوم وباختصار شديد – أرجو ألا يكون مخلاً - قامت على نزعة وفكرة تعظيم وتقديس حرية الإنسان , وعبارة ليبر (Liber ) في اليونانية معناها إله الحرية , ومن معانيه عند قدماء اليونان ( إله الجنس ) .. ومن هنا يبدوا جاءت فلسفة الإباحية الجنسية في المنهج اللبرالي , ثم جاءت فكرة التعاقد بين الحاكم والشعب , لتضبط جموحات الحرية المطلقة التي هي روح ومرتكز الفلسفة اللبرالية,والتي رسّخوها بسلوكيات الأفراد وتكوينهم التربوي , بعد أدركوا خطورة مقولة الحرية المطلقة , فالحاكم يبقى إنسان, فإذا لم تضبط حريته ونزواته فسيكون وبالاً على الشعب ومصالحة, ومع تطور آليات وقواعد ضبط مقولة الحرية المطلقة , برزت في الأوساط الغربية عبارة جميلة ومنصفة تقول : " حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر " .
ومن جهة أخرى , قرروا في إطار العقد الاجتماعي مبدأ حرية التخاصم, والتعارض, والتناقض في الرأي , وأحدثوا مؤسسة تنظم مبدأ التخاصم والتناقض سموها " Parliament “ وعبارة برلمان مأخوذة من جذرها الإغريقي واللاتيني " Parley “ وعبارة " بارلي " تعني التحاور بين متخاصمين, أو عدوين , وهذا هو منشأ فلسفة المعارضة, أو الصراع في المنهج البرلماني , فالتعارض,والتناقض,والتخاصم هو سمة وأصل العلاقة بين البرلمانيين في الأداء البرلماني السليم , والتوافق والانسجام مؤشر خلل في الأداء أو تراجع في مبدأ الحرية وتنوع الرأي والتضاد !
أما الإسلام فقد قرر ابتداءً مبدأ الحرية المنضبطة , وشرّع جملة من القواعد الأخلاقية لتضبط هذا المبدأ وتنظمه , ولتبقى حرية الفرد منضبطة بحدود مصالح حرية الآخرين والمجتمع بعامة , واعتبر الإسلام الحرية المطلقة تمرد,واعتداء على الضوابط وحرية ومصلحة الآخر , وانا شخصياً ومن خلال تأمل مبدأ الحرية,وآليات ممارستها على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول , أقول : أن الحرية المطلقة مفسدة ومهلكة مطلقة .
ولكون الإسلام هو منهج الرب العليم اللطيف الخبير بخلقه , فقد أقام نظامه على قواعد وأخلاقيات , تنزهه عن من مثل هذه التناقضات والعبثيات – التي تعاني منها غالب النظم الأخرى - وتأصل لحالة وجدانية إيمانية , تجعل مرضاة الله تعالى هي غاية الإنسان المؤمن,وبوصلة توجيه سلوكياته في ميادين الحياة, مثلما أصل نظام الإسلام قاعدة التلازم والتكامل بين مصلحة الفرد والمجتمع, وقرر مبدأ التعاون والتناصح بين أفراد المجتمع حكاماً ورعية من أجل تحقيق المصلحة العامة,والتنافس في تحسينها وتطويرها, وشرّع لتحقيق هذه الغايات النبيلة السامية مبدأ الشورى بين فعاليات الأمة, لتتعاون وتتنافس باتجاه الأفضل للجميع , وعلى أساس من هذا التشاور, والتناصح, والتعاون, تقوم منهجية الشورى وآليات أدائها.
فالشورى والتشاور: هي عملية تأمل وتدارس الآراء والتصورات المطروحة من أعضاء مجلس الشورى, للوصول إلى الأفضل في تحقيق الغاية المشتركة, وهي مرضاة الله تعالى عبرتحقيق مصلحة الأمة , وانطلاقاً من هذه الروح تنتفي نزعة التعارض والتصادم, التي تقوم عليها فلسفة النهج البرلماني في النظام اللبرالي , وبعبارة أخرى مختصرة: فإن الشورى تقوم على التناصح بينما البرلمانية تقوم على التناطح , والشورى تنزع إلى التسامح بينما البرلمانية تؤثر التفاضح , والشورى تعمل من أجل تكامل المكاسب في تحقيق المصلحة , بينما تعمل البرلمانية على أساس التنازع والتفرق في المكاسب في تحقيق المصلحة , ومن معاني الشورى في اللغة "العسل " فالتشاور إذاً يقتضي التعاسل والتحاسن في القول ¸لا التلاعن والتفاحش بالقول , كما هو للأسف شأن الساحات البرلمانية في النظام الديمقراطي, ولعلك أيها القارئ الكريم استمعت مثلما استمع الملايين من بني البشر لأحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية , وهو يقول للأمريكيين مقللاً من شأن منافسه في انتخابات الرئاسة : إن كلبتي فلانة تفهم بالسياسة أكثر من فلان ..؟
وبعد – ورغم هذه الفوارق بين المنهجين - أحسب أنه على أساس من احترام الخصوصيات الدينية والثقافية , وعلى أساس من الموضوعية والشفافية , ينبغي أن تقوم العلاقة بين أتباع منهجي أو عقدي الديمقراطية والبيعة , لتكتشف آفاق الفهم المشترك , والتعاون البناء , لتحقيق المصالح المشتركة , والتعايش العادل والآمن بين المجتمعات , في إطار من الاحترام المتبادل , وعدم انتهاك السيادة السياسية والثقافية للأوطان , وعدم التدخل في الخصوصيات الحضارية للأمم . وكلمة أخيرة لابد منها , للتأكيد والتنويه بأن نظام الإسلام يقوم في كل مناحيه على مبدأ التعاقد فالتعاقدية هي جوهر وسمة منهج الإسلام , فالإيمان بالله مسألة تعاقدية " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " , والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء يه من عند ربه يقوم على التعاقد:
"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم " 10/الفتح
والزواج تعاقد :
" وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذنا منكم ميثاقاً غليظاً " 21 / النساء
والبيع والشراء تعاقد , وكل العلاقات في تصريف شؤون الحياة بين الأفراد والجماعات تقوم على التعاقد :
" ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أم كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا..الآية " 282 / البقرة
وأكد الإسلام على احترام والتزام العقود والمواثيق :
" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " 1 / المائدة
والعقد هو ميثاق تراضي بين المتعاقدين , أفراداً كانوا , أو جماعات , أو مجتمعات , أو دولاً , والقبول والتراضي والتعاقد عليه في المعاملات, هو قمة العدل والاحترام , وهو مبعث الاطمئنان والاستقرار , وصارف للظنون والريبة والنسيان , وضامن للحقوق وأقوم وأقسط بين الناس .
وبعد : فإن نظاماً هذا شأنه في إقامة وجدان أتباع , وفي نهجه , وفي آلياته , وفي قواعده وسلوكياته , وفي كل مناحي مقاصده, يقوم على التراضي والتعاقد , ليس مصلحة فحسب بل ديانة وتعبداً وتقرباً من الله , أجل إن نظاماً هذا شأنه في تأسيس تنظيم حياة الناس , على أساس من التعاقد والتراضي , إنه لجدير بحق أن يتبع وجدير بأن تتعرف الإنسانية إلى عدله وإحسانه , وإن أمة تؤمن بهذا النظام , ورب هذا النظام , ورسول هذا النظام , ثم تنام عن تفعيل قيمه ومبادئه وضوابطه في حياتها , وتنحجب عن تبليغه للناس من خلال واقع تعيشه , ونهج حكيم في التعريف به , لهي بلا شك أمة ظالمة لنفسها , وظالمة للناس من حولها , وقد حرمت أجيالها , وحرمت أجيال البشرية كلها , من عدل ربها ونهجه القويم .. أللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كبيرا .. أللهم تب علينا واغفر لنا .. وأهدنا سبلك سبل الراشد .
بقلم
الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي