



إشكالية مصطلح العلمانية
ومن إحدى إشكاليات العلاقة مع الآخر على المستوى الإقليمي والعالمي ..والتي تشكل مصدرًا من مصادر الخلل الأمني إقليميًا وعالميًا .. إشكالية مصطلح العلمانية ومفاهيمها .. لذا وجدت من الواجب تقديم رؤية بشأن هذه المسألة , أطرحها للتأمل والمدارسة لعلنا ننهي أزمة فكرية , من أبرز أزماتنا الثقافية المعاصرة .. ولعله من المفيد أن أقدم بين يدي ذلك لمحة موجزة , عن فهمي لظهور مصطلح العلمــــانية في الثقافة البشـــرية في القـــرون الوســـطى والمعاصرة .. وقد ظهر مصطلح العلمانية على وجـــه التحديد في القـرن السادس عشر الميلادي .. حيث تمرد الغرب المسيحي على الكنيسة .. وأعلن ثورته الإصلاحية على تعاليم الكنيسة .. التي قيدت حياته وحبستها في تعاليم كهنوتية , حالت دونهم وميادين الحياة وتطويرها ودون سبر أغوار الكون , وتسخيرها لصالح الإنسان ومتطلبات حياته .. وذلك عبر تعاليم كهنوتية جعلت العلم على نقيض مع الدين ومفاهيمه .. فكان الرد بالثورة العلمية الصناعية التي تمردت على الكنيسة .. وفصلت سلطانها عن مسيرة الحياة الدنيوية حيث برزت مقولة " فصل الدين عن الدولة" والتي تقرر فيما تقرر: أن الغرب ما كان له أن يتقدم ويتحرر من قيود التخلف .. وما كان له أن يمزق حجب الظلام من حوله .. إلا بفصل الدين عن الدولة .. وهذه حقيقة واقعة وواضحة , اعتصم المثقف الغربي بها واعتبرها بوصلة حياته وسيره الحضاري , وعشقها غير الغربيين وطربوا لها فاتخذوها سبيلاً راشدًا , وجعلوها أنشودتهم الحضارية الوطنية , دون أن يتأملوا واقعًا وحقيقة أخرى , لها ما يؤكدها ويصدقها وهي : أن المسلمين وعلى أساس من التلازم والتكامل بين الدين والدولة , تقدموا في تاريخهم , وأشادوا صروحاً حضارية شامخة, ولربما أيضاً حققوا شيئاً من ذلك في بعض جوانب مشرقة من واقعهم المعاصر, نعـــم لـــم يتأملوا هذه الحقيقة في المسيرة الحضارية الإسلامية, حقيقة تلازم الدين والدولة .. ولم يحاولوا فك طلاسم هذا اللغز.. أناس من البشر التزموا فيم دينهم فأفلحوا في حياتهم وتقدموا , وآخرون فصلوا أنفسهم عن الدين فتقدموا بعد تخلف .
ما حقيقة دور الدين في ميادين الحياة ؟
أمة تقول أن التزامها بالدين كان مصدر تقدمها ورقيها , وأخرى تقول أن فصل الدين عن حياتها كان مصدر تقدمها وارتقائها .
أين الحقيقة يا ترى ؟ أفيدونا رحمكم الله !
وأجيب وبالله التوفيق وهم المستعان سبحانه : إن مقولة أن الغرب فصل الدين عن الدولة , تحتاج بتقديري إلى إعادة نظر من قبل من يقول بها , فالغرب بفهمي لم يفصل الدين عن الدولة ، ولكنه فصل وأبطل المعوقات الدينية المستحدثة في دين الله أمام مسيرة الحياة ومتطلباتها , المعوقات التي استحدثتها الكنيسة - ظلماً وعدواناً في تلك الحقبة على التعاليم الربانية التي جاء به المسيح عليه الصلاة والسلام , فشرعت الكنيسة تعريفًا للدين مستهجنًا من قبل كل ذي عقل ولب , حيث قالت :
" الدين هو الطريقة التي يحقق بها الإنســان صلاته مع قوى الغيب العلــوية "
" وأن الدين هو ما يشمل على كل معلوم وكل سلطة لا تتفق والعلم"
وواضح من هذا التعريف للدين بنظر الكنيسة أنها حصرت الدين بعالم الغيب , وأنه يتصادم مع العلم والبحث العلمي.. والكنيسة لجأت لمثل هذا التعريف المستهجن , ظناً منـــها أنـــه السبيل الأفضل لربـــط النـــاس بالكنيسة, وضمان استمرار ولائـــهم لها, وخضوعهم لمنهج الهيمنة الكهنوتية , فأقامت بذلك جداراً وحاجزاً بين الدين والتقدم الحضاري لحياة الناس من حولها ، فجاء الرد الطبيعي والمنطقي بالثورة الصناعية .. التي تمردت على القيم اللاهوتية التي أحدثتها سلطة الكنيسة , وبذلك نفض الغرب عن كاهله هذا الإرث البغيض , وحطم القيود الكهنوتية التي حبسته عن الحياة وميادين التقدم والارتقاء , إلا أنه بقي مرتبطا بالكنيسة في وجدانه وقيمه الروحية وتقاليده العامة , ثم عادت السلطة الكهنوتية واستدركت على خطيئتها بما أحدثته ومارستها من مفاهيم كهنوتية خاطئة , بعد ما أدركت أنها تتصادم مع فطرة الإنسان ونواميس الحياة , وأنها كانت سبباً في عزلتها عن ميادين السير الحضاري , وابتعدت الكثرة الكاثرة من أتباعها عن سلطتها, ووجدت نفسها بذلك مهجورة ومعزولة عن أبناء الكنيسة , الذين ساروا بركب حركة العلم والصناعة , التي استجابت لطموحاتهم وتحديات زمانهم , ولقبوا أنفسهم " بالعلمانيين " ردًا منهم على ( الظلاميين ) من رجال السلطة الكهنوتية على حد تعبيرهم , وأخذت الكنيسة تبحث عن سبل تستدرك من خلالها عل خطيئتها , وراحت تراجع موقفها من العلمانيين وتتودد إليهم وتعقد معهم ندوات حوار.. وقد رحب بعض قادة العلمانيين بتراجع الكنيسة عن تعاليمها المضادة للعلمانية ومسائل الحياة وتطورها .. والكنيسة الكاثوليكية من جانبها عمدت إلى إجراءات عملية , تصحح بها تلك الخطيئة الكبـرى في تاريخها.. فعقدت مؤتمرها الكهنوتي العالمي( المجمع المسكوني الثاني ) لتستدرك على خطيئتها بشأن نظرتها تجاه الكون وحركة العلم , والذي استغرق الإعداد له ما يزيد عن سنتين من 1960 – 1962 , واستمر المؤتمر ذاته عبر دورات متتالية حتى نهاية عام 1965 م , حيث أصدر قراراته ودساتيره , ومواقفه الدينية , من الأديان الأخرى , ومن العلمانية حيث أعلنوا عن مصالحة دينية بين الكنيسة والعلمانية , ومما جاء في تقرير ( المجمع المسكوني الثاني ) بهذا الصدد :
" أعاد المجمـــع الفاتيكاني الثــاني إلـى الأذهـــان ( شعــب الله ) و
( الكنيسة – جماعة المؤمنين ) , التي لا تقتصر على رجال الاكليروس , بل تشمل خصوصًا على العلمانيين , وتقدر رسالتهم حق قدرها , معيدة إليهم دورهم البارز والأساس في حياة الكنيسة وتاريخها ,إنـه المجمع الذي أولى العلمانيين اهتمــامًا كبيرًا وفريــدًا , فأفرد لهم فصلاً في الدستور العقائدي ( الكنيسة) , وقسمًا لا يستهان به في الدستور الرعوي (الكنيسة في عالم اليوم وقـــرارًا كامــــلاً يعيد إليهم اعتبــارهم , ويؤكد رسالتهم المميزة "
إلى أن يقول التقرير :
" فإن عمل العلمانيين الرسولي والخدمة الرعوية يكمل كل منهما الآخر" .
ويقول التقرير في موطن آخر عن العلمانيين : " وإنه لواسع جداً ميدان العمل الرسولي على الصعيدين الوطني والدولي , حيث يكون العلمانيون وكلاء الحكمة المسيحية " .
و يقول كذلك وفي نفس السياق :
" العلمانيون جند من جنود الكنيسة ولكن بوسائل أخرى "
ويختم التقرير قائلاً : " فليرحب الرعاة بهؤلاء العلمانيين بارتياح وشكر, وليحرصوا على أن تكون أوضاعهم الحياتية متوافقة مع مقتضيات العدالة والإنصاف والمحبة , وليحرصوا كذلك على أن تتوفر لهؤلاء العلمانيين الوسائل اللازمة لتثقيفهم , وبنيانهم الروحي , وتشجيعهم ".
وبذلك أنهت السلطة الكهنوتية الكنسية الكاثوليكية عزلتها عن أبناء ديانتها , وطوت صفحة حقبة الصراع المرير مع قسم كبير من العلمانيين , التي تمردت بالأمس على قيودها الكهنوتية , المعوقة للسير في ميادين الحياة والإبداع والارتقاء , وأعادت إليها اعتبارها الديني الذي أسقطته عنها , بل وأوصت الرعاة الكهنوتيين - كما ذكر أعلاه - بهم خيراً , وبذلك يتأكد بأن العلمانية لم تنفصل قط عن الكنيسة وجدانيًا وعقديًا وروحينًا , ولكن الكنيسة هي التي حبست نفسها عن الحياة , وعن متطلبات فطرة الناس وانعزلت , أما العلمانيون فقد مارسوا حقهم في التمرد على المفاهيم الخاطئة التي أحدثتها السلطة الكهنوتية لصالح هيمنتها الكنسية على حساب إقامة الحياة وحق الناس في التقدم والارتقاء , وإذ قلت آنفَا أن الكنيسة الكاثوليكية قد أنهت مشكلتها مع قسم كبير من العلمانيين .. لأن هناك قسم من العلمانيين رفضوا إعادة التزاوج مع الكنيسة .. لاقتناعهم الجازم بأن الكنيسة ستبقى مصدر الجمود والتخلف .. ولذلك لا سبيل للتعايش معها ولا بد من المضي في الانفصال عنها وبلورة منهج للحياة يغاير منهج الكنيسة وفلسفتها.. فنحتوا مصطلح الحداثة ردًا على الماضوية وتحــديًا لفلســــفة المحافظين والجمـــود والتقوقع في كل ما هو ماض وقديم .. وهكذا ظهرت العلمانية بقبعة جديدة وبمسمى جديد هو تيار الحداثة .. وتلقف المثقفون في الغرب المصطلح الجديد , وارتاحوا له وطربوا لطروحاته , وانتعشت الحداثة وذاع صيتها في الآفاق.. واستقبل الوافدون الشرقيون من العرب والمسلمين القادمون للدراسة في أوروبا , وعلى الأخص في فرنسـا حيث ساحة انتعاش الحداثيين , ومعقل فكرتهم وفلسفتهم .. وتجددت مشكلة الكنيسة مع العلمانية عبر الحداثيين .. ونحن في المشرق العربي والإسلامي , وصلتنا الحــداثة مثلما وصلتنا العلمانية من قبل .. حيث نقل المسغربون من العرب والمسلمين فلسفة الحداثة بأبشع معانيها وتطرفها إلا ما ندر من العقلاء , الذين بقوا متوازنين في التعامل معها , من منطلق التجديد والتطوير لمناحي الحياة بعيدًا عن محتواها العقدي الإلحادي .. ومرت الحداثة المتطرفة بما مرت بها أمــها ومرضــعتها العلمانية المتطرفة .. حيث ازدهرت إلى حين , ثم بدأ بريقها يخفت , وأخذت هامتها بالانحناء , وهاهي في انحــدار وفي ذبول , وأحسبها تعاني من ســـكرات المــوت والتلاشي .. أم الحداثة المؤمــنة المتبصرة .. القائمة علـــى مبدأ التجديد والتطوير والارتقاء في ميادين الحياة .. في إطار التلازم مع فطرة الإنسان ومتطلباته الروحية والوجدانية .. وفي إطار من التكامل مع القيم والمبادئ والمثل الدينية .. فهي في تقديري في انتعاش واتساع مطرد .. وستجد نفسها في تحالف , وفي تناسق فطري وميداني مع دين الله ورسالته الخالدة الداعية إلى تثوير الأرض , واستكشاف خزائنها , وتوظيف مكنوناتها , لصالح الحياة وكرامة الإنسان .
ونحن المسلمين في المقابل عندما تقدمنا , كنّا نفعّل قيم الدين والحياة , ونفعّل مبادئ ومقاصد رسالة الإسلام , التي تحثنا على البحث العلمي والإبداع , وتدعونا إلى العمل من أجل تسخير مكونات الكون , للنهوض بمسؤوليات عمارة الأرض , وقد ربط الإسلام ذلك كله بأساسيات الإيمان , وأدخله في دوائر الجزاء والثواب والعقاب , تأكيداً على التلازم والتكامل الأكيد بين محاريب العبادة الروحية , ومحاريب العبادة العمرانية , والإسلام هو الدين الوحيد والمنهج الحياتي الفريد , الذي يكافئ الباحث المخطئ في ما بحث , تشجيعاً له على استمرارية البحث والنظر , في كل ما يحقق عمارة الأرض , ويوفر الخير والرفاهة للعالمين , أما الباحث الناجح المبــدع فيضاعف لــه الأجــر والثـواب تقديرًا له على إبـــداعه , وتشجيـــعًا له على المضي في ميــادين البحث والإبداع والارتقــاء :
" من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر "
البخاري ومسلم
وعندما تخلفنا وتقاعســـنا عن تفعيل قيـــم الإسلام ورسالته في الحياة , واكتفينا بالارتباط الوجدان والعقدي , والتعبدي الروحي بدين الإســـلام , على غـــرار ما أرادته الكنيســـة لأتبـــاعها بالأمس , وعطلنا الحوافز الدينية والدعوة الربانية للأخذ بأسباب البــحث العلــمي والتكنـــولوجي , أصابنا ما أصابنا مما لا نحسد عليه.
إذًا المسألة بتقديري متعلقة بتفعيل ميادين الحياة , أو تفعيل مرتكز ( فامشوا في مناكبها ) في الحياة , هذا المرتكز الذي ينبغي أن يكون الرهان المشترك بين جميع الأمم , من أجل النهوض بمسؤوليات أمانة الاستخلاف في الأرض , فالأرض " لا تمطر ذهبًا ولا فضة " كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخليفة الراشد رضي الله عنه وأرضاه ولكن :
" قل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "
فالله سبحانه وتعالى لا يحابي أحدًا :
" فمن يعمل مثقال ذرة خيــرًا يرى ومن يعمل مثقال ذرة شــرًا يرى "
" من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب "
فالقضـــية إذًا .. قــضية مشي أو لا مشي .. مســـألة عمل أو لا عمـل ..
حالة كـــفاءة أو لا كـــفاءة .. موضوع مـــهارة أو لا مهارة .. وليس كما يتصـــور البعض أنها عملية تقوى واستقامة فحسب .. فالغثائة والتخــلف وفقــدان الوزن الحضاري والتكنولوجي .. ســـببه ومصـــدره التخلف عن الحرث في ميادين الحياة .. وفي الحديث الشريف :
" يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كم تتداعى الأكلة إلى قصعتها " قال قائل : أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله .. ؟
فيجيب الرسول صلى الله عليه وسلم :
" بل أنتم يومئذ كثير "
إذًا العلة في هذا الضعف والمهانة بين الأمــم ليســـت قلة المسلمين " فهم يومئذ كثير " ,وبالفعل نحن اليوم ولله الحمد كثير, ولكن العلة كما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :
" ولكنكم غثاء كغثاء السيل "
العلة إذًا في غثائيتنا .. في انعدام وزننا الإبداعي والإنتاجي في ميادين الحياة .. العلة في تعطيل وهجران محاريب العبادة العمرانية في مناكب الكون وآفاقه .. والعلة كل العلة في التخلف عن تسخير ما سخر لنا , واستثمار ما أودع لنا من مكنونات في خزائن الكون وآفاقه , التي جعلها الله للإنسان يملكها ويوظفها لصالح حياته وتحديات زمانه بالعلم والمهارة والإبداع .. والعلة كذلك في أدائنا الحضاري والمسلكي مع ما نملك من إمكانات وقدرات مادية الذي أصابه خلل وزلل :
" أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "
فالعلة والقضية هي قضية خلل وغثائية في الأداء .. فإشكالية التخلف في حياتنا هي إشكالية خلل في أدائنا وتعاملنا مع قيم ومبادئ الإسلام .. إشكالية
خلل في التوازن بين أدائنا في محاريب العبادة الروحية , وأدائنا في محاريب العبادة العمرانية .. وبسبب من هذا الخلل كانت غثائية حالنا بين الأمم .. وبسبب هذه الغثائية رتب الله علينا عقوبتين :
1. نزع مهابتنا من قلوب الأمم,
" ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم "
2. وقذف الوهن والخور في قلوبنا,
" وليقذفن في قلوبكم الوهن "
قيل وما الوهن يا رسول الله .. ؟ قال عليه الصلاة والسلام :
" الوهن حب الدنيا وكراهية الموت "
هاتان عقوبتان نعاني منهما اليوم بسبب غثائية أدائنا في ميادين الحياة , وبسبب تعطيلنا وهجراننا لمحاريب العبادة العمرانية في
مناكب الكون وآفاقه.
فإشكالية التخلف والتقدم إذًا ليس حلها مناط بفصل الدين عن الدنيا , أو بفصل الدين عن الدولة .. إنما حلها والتغلب عليها مرتبط بتفعيل العلاقة التـوازنية بين البنــاء الروحي والبنــاء المادي لثقافة الإنسان وتكوينه الوجداني .. ومنوطة بإقامة توازن وتكامل وتلازم بين الثقافة الدينية , والثقافة المادية لسلوك الإنسان .. وإن إهمال أو تجاهل مثل هذا التوازن في التكوين التربوي للإنسان .. سيجنح به إلى حالة من حالات التطــرف في مسيرة البناء الحضاري البشري .. وهــذا بالفعل ما حدث في المسيرة البشرية عبر التاريخ .. وهذا ما حدث في التاريخ المعاصر .. حيث أفرز مثل هذا التجاهل للجانب الوجداني والديني لتربية الإنسان إلى ظهور إمبروطرية سياسية إلحادية .. تتبنى الإلحاد رسميًا وتصف الدين بأنه أفيون الشعوب .. مثلما أفرز تطرفًا ثقافيًا موازيًا في الاتجاه العلماني .. حيث نشأت مدارس وتوجهات علمانية إلحادية ترفض الدين رفضًا قاطعًا .. وهكذا تبلور في العالم مدرستان علمانيتان رسميتان .. مدرسة علمانية إلحادية كان يقودها الاتحاد السوفيتي ســـابقًا .. ومدرســة علـــمانية إيمانية تقـــودها أمريكا اليوم والغرب بعامة .. ويتخلل هاتين المدرستين تياران ثقافيان شعبيان علمانيان .. تيار ثقــافي علماني إلحادي .. وتيار ثقافي علماني إيماني .. وقد سقطت الإمبراطورية العلمانية الإلحادية , وكان سبب سقوطها " إهمال البعد الوجداني والروحي لبناء الفرد " كما عبر عن ذلك زعيمها الأسبق الرئيس ميخائيل جورباتشوف في كتابه الشهير " البيروستريكا " .. مما ترك آثارًا سلبية على تقدم واستمرارية التيار العلماني الثقافي الإلحادي الشعبي .. وأحسبه يعاني اليوم من سكرات الموت والفناء .. لأن الإلحاد متناقض مع طبائع الأشياء ومتصادم مع التكوين الفطري للإنسان .. أما التيار العلماني الإيماني فليس بينه وبين الدين مشكلة .. إلا في المساحة المتبقية من الخلل في التوازن بين البناء الوجداني الديني , والبناء المادي لثقافة الإنسان وتكوينه التربوي .. أو في الخلل الذي لا يزال قائمًا عند بعض المتطرفين , من العلمانيين والمتدينين بشأن اضطراب مفاهيم العلاقة الإيجابية بين الدين والدنيا في ميادين الحياة .. هذا بشكل عام على المستوى العالمي .. أما على المستوى العربي والإسلامي فأحسب أن المشكلة باستثناء نفر قليل من المتطرفين من المسلمين الذين لا يزالون يصرون على التسمية التصنيفية " إسلاميون وعلمانيون " في إطار الأمة الواحدة والهوية الواحدة والمصير الواحد والغايات والأهداف الواحدة , أجل المشكلة العلمانية لم تعد ذات بال , وهي في طريقها إلى الزوال والمسألة مسألة وقت .. تحتاج إلى تأمل حكيم من كلا الجانبين الوهميين " الإسلامي والعلماني " .. وأقول وهمي لأن المسألة بتقديري مسألة مزاج وعناد .. وقلت مرة لأحد شبابنا المتدين وهو يشن حملة قاسية على شخص , واصفًا إياه بالعلمانية والانحراف الديني وينعته با" ؟! " , فقلت له يا أخي العزيز على رسلك .. فإن فلان هذا الذي تصفه با " ؟! " , فأنا أعرفه فهو أستاذ كبير ومفكر ومتدين ولا يقطع الصلاة .. ولو قست حاله على حال العلمانيين الإلحاديين المعروفين في العالم لعينته إمامًا في أحد مساجد هذا البلد.
بقلم
من كتابه ( شركاء ... لا أوصياء ) الفصل الثاني عشر