الحوار الإسلامي المسيحي
الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه .. وبعد
يقول الله تعالى (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )) الأحزاب 36
لقد حدد الله سبحانه ثوابت وأصول وقيم وآداب الإسلام ، ليقيم الناس حياتهم ويصرفوا شؤون دنياهم على أساس من ذلك وعلى أساس من توحيد الله واخلاص العبودية له كما فـــــي قــوله تعالى (( أن اعبدوا الله مالكم من اله غيره )) المؤمنون 32 ، وكذلك قوله تعالى (( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا )) النساء 36 ، فتوحيد الله تباركت أسماؤه وتسامت صفاته هو القضية التي يصلح ويستقيم بها ما بعدها ، وهو أساس ومصدر ثوابت الإسلام وقيمه .. كما في قوله تعالى (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) النساء 48
أتم الله تعالى نعمائه على العباد ، بابتعاث رسول الهدى سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم شاهدا عليهم ومبشرا بينهم ونذيرا ، وليكتمل بما جاء به دينهم ومنهج حياته الذي ارتضاه لهم ربهم جل شأنه ، فالإسلام هو جماع وتمام وكمال ما جاء به الأنبياء والرسل ، فهو دين الله الشامل الكامل الجامع المانع  كما في قوله تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) المائدة 3
الإسلام .. منهج الله ونظامه وأحكامه وتشريعاته لعمارة الأرض ، واقامة العدل والأمن والرخاء والسلام بين العباد ، فهو الرسالة الربانية العالمية للناس كافة حيث يقول الله تعالى (( قل يا أيها الناس اني رسول الله إليكم جميعا )) الأعراف 158
لقد قضت إرادة الله جل شأنه ومشيئته أن تختتم الرسالات والنبوات برسولنا ورسول الناس جميعا نبينا الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، فلا نبي ولا رسول بعده . إنما مجددون وعلماء ومصلحون ، يحملون واجبات مسؤولية التجديد والإصلاح واقامة دين الله وتبليغ رسالة الإسلام للناس جميعا .. كما هو قول الله تعالى (( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين )) الأحزاب 40 ، ولقول رسوله صلى الله عليه وسلـــــــــــم (( إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للمسلمين أمر دينهم )) .
المسلمون ( خير أمة ) مكلفون بالخروج إلى الناس والتحرك لتبليغ الإسلام إليهم جميعا .. قال تعالى (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )) آل عمران 11
المسلمون ( الأمة الوسط ) شرفهم ربهم وبوأهم مواقع الوسطية بين الناس .. حيث يقول الله تعالى (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )) البقرة 143
المسلمون ( أمة الشهود ) كلفهم ربهم وانتدبهم لشرف مهمة الشهود على الناس .. كما في قوله تعالى (( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول عليكم شهيدا وتكونوا شهداء على الناس )) الحج 78 .
المسلمون ( أمة دعوة وهداية ) مأمورون بالدعوة إلى الله يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر على أساس من قيم الإيمان بالله حيث يقول الله تعالى (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )) آل عمران 104
المسلمون ( أمة الحجة والبرهان ) يحاججون ويرغبون ويجادلون بالتي هي أحسن ، كما في قوله تعالى (( أاله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )) البقرة 111 .
المسلمون ( أمة الرحمة ) يبرون الناس ويوادونهم يوم لا يكون منهم اعتداء عليهم وقتال واغتصاب لأرض المسلمين واستلاب حقوقهم .. كما في قوله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) الأنبياء 107 ، وكذلك قوله تعالى ((لم لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )) الممتحنة 8 .
المسلمون ( أمة العدل ) يقيمون العدل بين الناس حتى مع وجود الخصومة والشنآن معهم ، حيث يقول الله تعالى (( يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ،اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) المائدة 8 .
المسلمون ( أمة إيجابية ) لا يبخسون الناس أشياءهم ، بل يحمدون كل فضيلة ويتعاونون في تحقيق مقاصد الخير بين الناس .. كما في قوله تعالى (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) هود 58 ، ولقوله عليه الصلاة والسلام (( دعيت في الجاهلية إلى حلف في دار عبد الله بن جدعان لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت )) .
المسلمون ( أمة عالمية ) يدعون للتعايش البشرى والتآلف الإنساني ، ومحاربة التمييز بين الناس على أساس الجنس أو اللون أو القوم ، ويؤكدون أن القيم الربانية وتقوى الله هي أساس الخير والتحاب والتفاضل بين الناس ، كما في قوله تعالى (( يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )) الحجرات 13 .
المسلمون ( أمة التنافس ) يؤمنون بأن التدافع بين الناس والتعاون والتنافس على إشاعة الفضيلة ومحاربة الرذيلة هو سبب صرف الفساد عن الأرض واقامة الخير فيها ، حيث يقول الله تعالــــى (( ولو لا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين )) البقرة 251 .
المسلمون ( أمة الخلق الحسن ) يخاطبون الناس بالحسنى ، كما في قوله تعالى (( وقولوا للناس حسنا )) البقرة 83 ، ويحاورونهم بالتي هي أحسن ، حيث يقول الله تعالى (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن )) العنكبوت 46 ، ويتآلفونهم بالإحسان ، كما في قوله تعالــــــى (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )) النحل 90 ، فلا يسبون أدعياء الناس وما يعتقدون ، قال الله تعالى (( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم )) الأنعام 108 ، بل يترفقون بهم ويرغبونهم بالإسلام وفضائله ، لقول الله تعالى (( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) النحل 125
هذا باختصار كليات خصائص الإسلام ، وبعض مهام المسلمين ومسؤولياتهم تجاه دين الله الإسلام ، وبعد فان أمة هذه خصائص دينها وهذه مسئولياتها ، فانه من الظلم لذاتها وللناس جميعا أن تحبس نفسها عن الناس ، وتحجب عن العباد كنوز الإسلام وقيمه وفضائله ، بل الواجب كل الواجب والخير كل الخير السعي إلى الناس بكل الوسائل الممكنة ، واغتنام كل الفرص المتاحة لحوار الآخرين وعرض مبادئ الإسلام وقيمه وآدابه ، وما ينبغي أن تكون هذه القضية – قضية الحوار مع الأخر – موضع خلاف واختلاف بين أهل العلم والإصلاح ، بعد أن قضى الله تعالى فيها أمره ومراده ، كما في قوله تعالى (( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )) آل عمران 64 ، وكذلك قوله تعالى (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون )) العنكبوت 46 
أما موضوع ومقاصد الحوار مع غير المسلمين فتحكمه ثوابت الإسلام وأصوله وقيمه ، فكل موضوع أو مقصد أو غاية تتعارض مع قيم الإسلام ، فهو مرفوض ابتداء ومحضور شرعا ، ولا ينبغي لأي مسلم أن يخوض فيه إلا من اضطر وقلبه مطمئن بالإيمان ، أما ما يقوله البعض بأن اليهود والنصارى هم كفار .. وهم مشركين .. وهم من أهل النار .. فما ينبغي الانشغال بهم وإضاعة الوقت في الحوار معهم .. فأحسب أن هذا الرأي يؤخذ منه ويرد ، نعم .. فقد أثبت القرآن صفات الكفر والشرك لليهود والنصارى ولكل من يعبد غير الله ويشرك به ، وأن من مات على ذلك فهو بما أخبرنا ربنا لا شك أنه من أهل النار .. ولكن القرآن الذي أثبت هذه الصفات لأهل الكتاب وغيرهم من المشركين ، هو نفسه القرآن الذي وضع لنا نحن المسلمين آدابا وقيما للتعامل مع أهل الكتاب والتحاور معهم والتعايش معهم ، وقد رسم لنا رسولنا صلوات الله وسلامه عليه منهجا واضحا في ذلك فقد حاور نصارى نجران في مسجده عليه الصلاة والسلام وعرض عليهم المبايعة كما جاء في قوله تعالى (( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )) آل عمران 61 وهذا مما نرد به وعلى أساسه مقولة عدم إضاعة الوقت في الحوار مع غير المسلمين والانشغال بهم ، وأما ما يقوله البعض الأخر بأن ما يصدر عن غير المسلمين في بعض المواقف من أقوال أو أفعال تتفق مع مصطلحات الإسلام وقيمه ، إنما ذلك من باب المخادعة فما ينبغي ولا يجوز تصديقهم وقبول ذلك منهم ، فهم عندنا أهل الكفر والمكر والخداع .. وأن من يقبل ذلك منهم إنما هو نوع من الركون للذين ظلموا .. وهذا الحكم فيه شئ من التعجل وعدم الروية ، نعم إن المكر والخداع والمكيدة بالمسلمين كل ذلك من خصائص أهل الكفر والشرك بعامة ، ولكن لا يعني هذا أن طريق الهدى والعودة إلى الله قد أوصدت في وجههم وأن الله قد حرمهم من فرص التوبة والهداية .. بل الحقيقة غير ذلك تماما والله سبحانه يريد لعباده الهدى والخير ويرغبهم فيه ودائم الدعوة إليه بصريح القرآن الكريم .. ولذلك لا تعارض بين الإيمان بخصائص الكفار والمشركين وبين قبول ما يصدر عن بعضهم من أقوال وأفعال تتفق مع الإسلام وقيمه ومبادئه والتعامل معهم على أساس ذلك ما استقاموا عليه كما في قوله تعالى (( يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ، فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبير )) والمعيار في ذلك (( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم )) التوبة 3 ، ولقوله تعالى (( وان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين )) الأنفال 62 .. وأن الواقع الميداني يؤكد لنا أن المئات بل الآلاف من أهل الكتاب وغيرهم في كل مكان يدخلون في الإسلام ويحسن إسلامهم ، بل يتحولون إلى دعاة مخلصين لدين الله يسخرون أموالهم وكفاءاتهم العلمية ومكاناتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لخدمة الإسلام والمسلمين ، والأمثلة في ذلك كثيرة لا تخفى على أهل العلم والدعاة العاملين في ميادين الدعوة على امتداد الساحات العالمية المتنوعة .. هذه رؤية مختصرة من حيث المبدأ عن مشروعية الحوار وقيمه ، أما ضوابط الحوار وآلياته .. فإنها تتبلور وتتحدد في إطار أهداف الحوار وغاياته .. وبين يدي هذا الأمر لابد من التنويه بكل موضوعية عما يلي 
لابد أن نضع في اعتبارنا أن أتباع كل دين يعتقدون أن من حقهم العمل على نشر معتقداتهم وتوسيع دائرة المؤمنين بها ، لإيمانهم بأن ذلك واجب ديني يلزمهم بذل الجهد واتخاذ الوسائل المناسبة والممكنة لتحقيق هذه المهمة المقدسة لديهم 
يرى بعض أتباع الأديان من المؤمنين بأهمية الحوار على أنه وسيلة من الوسائل الحكيمة والذكية لتعريف الأخر بقيمهم الدينية وترغيبه بها 
إن نزعة الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات آخذة بالاتساع على حساب نزعة الصراع والصدام بين الأمم لما أفرزه الصراع من مخاطر ومفاسد بشرية وبيئية 
إن جهات كثيرة لدى كل طرف لا تزال تنظر إلى الحوار بعين الريبة والتخوف وترى فيه نوعا من أنواع الحرب الباردة ولكن بوسائل أخرى تفضي في النهاية لهيمنة ديانة ما أو ثقافة ما أو حضارة ما على حساب الآخر وإلغائه وإلغاء قيمه الدينية والحضارية 
يقابل ذلك تيار عالمي كبير يرى بأنه نتيجة لتجارب الأمم المريرة المدمرة ( التاريخية منها والمعاصرة ) مع منهجية الصراع والحروب قد بعثت اقتناعا جادا لدى الكثير من عقلاء العالم وحكمائه ، بأن الحوار والجلوس إلى الأخر وتفهم مصالحه وخصوصياته الدينية والثقافية والحضارية ، ومن ثم السعي لإيجاد معايير مشتركة موضوعية جادة وعادلة لامكانية توفير تعايش بشري كريم ، هو الأصلح والأنفع لحياة إنسانية آمنة ينعم بها الجميع ، لذا فانهم ينظرون إلى الحوار بعين الارتياح ويتعاملون معه على أنه منطلق صادق ومنهجية جادة لترشيد وتصحيح العلاقات البشرية المضطربة والمتضادة 
يرى البعض في الجانب الإسلامي أن الحوار عند الأخر يأتي في سياق استراتيجية متكاملة ، فهو يمارس الحوار برؤى وآليات وضوابط متسقة تخدم أهدافه وغاياته بكل جدارة وموضوعية ، بينما الطرف الإسلامي المحاور لا يزال يتعامل مع الحوار بعفوية ، وهذا يتطلب ترتيب البيت من الداخل ووضع استراتيجية وخطط مرحلية تحكمها منطلقات وثوابت على أساس من قيمنا الدينية وهويتنا ومصالحنا الحضارية ، لنكون مؤهلين لخوض غمار الحوار مع الأخر بكفاءة ومهارة تناسب رسالتنا الحضارية العالمية ، وأنه بغير ذلك فان المساهمة في الحوار سيكون لها أثار سلبية وخطيرة على حاضرنا ومستقبلنا 
كما يرى البعض أن الطرف المسيحي المحاور يستند إلى مرجعية دينية وسياسية محددة تملك كامل الصلاحية فيما تقرره وهي تتحاور مع الأخر ، بينما الجهات أو الأطراف الإسلامية المحاورة فإنها تفتقر إلى المرجعية الدينية الموحدة مثلما تفتقر إلى المرجعية السياسية ، لذا فإنها لا تملك صلاحية القرار النافذ فيما تريده أو ترفضه وهي تتعامل وتتحاور مع الأخر ، لذا يرون السعي لإيجاد شكل من أشكال المرجعية الدينية الموحدة وكذلك السعي لتأكيد أهمية المرجعية السياسية في تبني الحوار وتسيير مهامه ، وأنه بغير