التعارف و .. الأمن البشري

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للناس أجمعين .. سيدنا وإمامنا وإسوتنا .. الحبيب المصطفى نبينا وقرة أعيننا رسولينا الهادي البشير محمد بن عبد الله .. وعلى أل بيته الأطهار وعترته الأخيار الأبرار .. وعلى صحبه أعلام الهدى وأئمة الرشد من بعده .. وعلى من اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين .. أما بعد :

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير .         

إن هذه الآية الكريمة التي هديت إليها – بفضل الله تعالى – لتكون مدخلاً لما تتضمنه ورقتي هذه  ، تأتي في سياق دوحة  القيم الربانية ، التي تزخر بها سورة الحجرات العظيمة ، والقرآن كله عظيم وجليل .. وسورة الحجرات مفعمة بسمو توجيهات القرآن الكريم ، ومبادئ وقيم الهدي الرباني القويم ، في بناء الشخصية الربانية  ،  المؤهلة  للنهوض  بمهمة  رسالة  التعارف  بين  الناس ، والجديرة بتحمل مسؤوليات تحقيق مقاصدها السامية بين العباد ، باعتبارهم جميعاً خلق الله ، وموضع عنايته ورعايته وكفالته جلّ شأنه  ،  وأن  أحبهم  وأكرمهم لديه تباركت أسماؤه   ،   أنفعهم  وأحرصهم  وأتقاهم  في  تحقيق مصالح العباد ، وصون أمنهم والإعلاء من شأن كرامتهم .

وسورة الحجرات احتشدت آياتها لتأصل أحكاماً وآداباً ، تتعلق بأحداث متقاربة وقعت للمسلمين ، كانت سبباً لنزول آياتها  ، وما تضمنته من مقاصد وتوجيهات تربوية وتنظيمية ، فهي واحدة – أي الحجرات -  من سور المنظومة القرآنية المدنية ، في سياق المنظومة القرآنية الشاملة ، التي صيغت وفقها وعلى أساس من  هديها  الرباني  ،  قواعد ومبادئ ومعايير نظام الإسلام العظيم ، في تصريف شؤون الناس ، وتسيير مصالـــــحهم وضـــبط علاقاتهم  ، على المســـتوى الإقــليــمي الوطني ،  وعلى  المستوى العالمي  ،  وقد  تبلورت  معالم المنهج العام لســـياسة دولة الإسلام ، في مستواها الإقليمي الوطني ، بما تضمنته الوثــيقة المشــهورة فــي كتب السيرة ( بصحيفة المدينة ) ، التي تعتبر بحق ، أول ميثاق وطني ( عقد اجتماعي وطني )  في التاريخ البشري ، يقنن ويؤصل لعهود ومواثيق المواطنة المشتركة ، في إطار التنوع الديني والثقافي ، ومما تضمنته تلك الصحيفة من قيم ومبادئ :

1-                         أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب واليهود، أمة  واحدة  من دون الناس .

2- وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .

3-                         وأنــهم حرب على من حاربهم ، وسلم على من سالمهم .

4-                         وأنهم يتناصرون بينهم، لرد العدوان وحفظ سيادة الأوطان .

5- وأن عليهم النصح والبر، فيما ليس فيه إثم .

6- وأن الجار كالنفس ، غير مضار في أمنه وكرامته .

فهذه القواعد السالفة ، وغيرها مما يحفل بها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، تكّون بتكاملها المنطلق الأساس ، لعقد المواطنة في نظام الإسلام وشرعته ، الذي يؤكد أن المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والعرقية ، هم أمة واحدة  تتساوى مصالحهم، وتتكامل حـــقوقهم  وواجباتهم ، وأن أمنهم واحد ، ومصيرهم واحد ، من غير تمايز ولا تفاضل بينهم ، وعقد المواطنة( لعقد الاجتماعي الوطني) في الإسلام يقوم على :

أ - دين الدولة   : الإسلام  ( دين الأكثرية ) ، والقرآن والسنة النبوية المطهرة هما المصدر الأساس والوحيد لمنطلقات وثوابت الشريعة الإسلامية ،والإسلام هو أساس الهوية الثقافية والحضارية  للمجتمع .

ب – عقد الإيمان :  وهو عقد رباني بين الله تعالى وبين المواطنين ( حكاماً ومحكومين ) ، يلتزم الجميع بموجبه بإنفاذ شريعته سبحانه في تحقيق مصالح المواطنين ، وإقامة العدل بينهم ، وصون كرامتهم ، وتوفير أسباب  رزقهم وأمنهم واستقرارهم .

ج – عقد الأداء  : وهو عقد بين الحاكم والمحكومين ، يلتزم الجميع بموجبه بإنفاذ ما اتفقت عليه إرادة الأمة ، من قيم ومبادئ ونظم وأعراف وتقاليد مثل ( الدستور وغيره ) ، في إطار عقد الإيمان وما تضمنه من  ثوابت ومنطلقات ، والعمل معاً على تحقيق مصالح الناس وصون البلاد وأمنها واستقرارها وسادتها .

وهذا يعني ويؤكد بوضوح ما يلي :

1 - أن الله تعالى : على أساس من  (عقد الإيمان )  هو المصدر الوحيد لثوابت ومنطلقات التشريع في المجتمع المسلم ( مجتمع الأكثرية ) .

2 – أن الحاكم على أساس من ( عقد الإيمان ) ، والتزاماً بعقد ( الأداء ) : مؤول أمام الله تعالى ، ومسؤول أمام الشعب عن التزام وتطبيق شريعة الإسلام ، والتزام وإنفاذ ما اتفقت عليه إرادة الأمة من مواثيق ونظم ( الدستور وغبره ) ، والعمل بأمانة وإخلاص على إقامة العدل بين الناس جميعاً .

3 – أن الشعب على أساس من ( عقد الإيمان ) والتزاماً بما ينص عليه ( عقد الأداء ) ، مطالب بالسمع والطاعة لولي الأمر من غير معصية الله ، ومن غير ما يتعارض ويتناقض مع مواثيق عقد الإيمان وعقد الأداء ، ومطالب كذلك بتحمل مسؤولياته في إعانة الحاكم ( ولاة الأمر ) وبذل النصح والمشورة له بما يعينه على أداء مهامه ومسؤولياته وواجباته ، وفق عقد الإيمان وعقد الأداء ، وبما يحقق مصالح المواطنين وأمن البلاد وسيادتها وارتقائها .

4 – يتحمل الحاكم مسؤولية استشارة المواطنين ، وإشراكهم في تحمل مسؤولياتهم في اتخاذ القرارات المصيرية ، المتعلقة بمصالحهم وأمن البلاد وسيادتها ، وإنفاذ ما جاء يعقد الإيمان وعقد الأداء .

 

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا .. وماذا عن موقع المواطن غير المسلم في العقد الاجتماعي ( عقد المواطنة ) في الإسلام ..؟

وجواباً نقول :  وحيث أن المظنة بأهل الإيمان بالله تعالى أياً كانت طبيعة اعتقادهم ، أنهم من حيث الأصل والمبدأ يحرصون على تحقيق إرادة الله تعالى ومرضاته ، وعلى أساس من هذا الظن الحسن أعتقد أن العقد الاجتماعي في الإسلام يتسع بكل موضوعية وجدية للمواطنين غير المسلمين في ضوء التوضيح التالي :

أحسب ( أولاً ) أن عقد الإيمان يتسع لهم ، باعتبار أن ثوابت الشرائع الربانية التي جاء بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام  متكاملة   ،  ولا تصادم  ولا تناقض بينها من حيث الأصل ،   وقد أكدت جميعها على إقامة العدل ، وكرامة الإنسان وحريته ، وعلى الحب والتسامح في مرضاة الله  ، والتعايش الآمن بين الناس ، وعلى سلامة البيئة وعدم إفسادها ، وحثت على استثمار ما في السماوات والأرض لصالح كرامة الإنسان وصون حياته ،  والشريعة الإسلامية تؤكد على ذلك كله ، وعقد الإيمان هو الضامن والحارس الوجداني لتحقيق هذه القيم الربانية وغيرها من أجل صون كرامة الناس جميعاً .

ويتسع ( ثانياً) لفعالياتهم وممارسة حقوقهم وأداء واجباتهم ، باعتبار أن كل مواطن من حيث الأصل والمبدأ يحرص على :

1 – حرية اعتقاده وممارسة عبادته .

2 – احترام خصوصياته وحقه بالاحتكام إلى قيمه الدينية فيما يتعلق بشؤونه الشخصية .

3 – تأمين مصالحه الدنيوية دون الإضرار بمصالح غيره ، ومن دون انتقاص أو تمييز .

4 – تحقيق طموحاته وآماله الشخصية والوطنية في سياق المصالح العامة للمواطنين .

5 – العيش بكفاية وأمن واستقرار .

6 – المشاركة في خدمة بلده ، والمحافظة على أمنه واستقراره وسيادته .

وباعتقادي أن ذلك كله وغيره مضمون ومكفول في العقد الاجتماعي في الإسلام ، ولمزيد في التوضيح نقول : أن الإسلام كما هو معلوم عقيدة وشريعة .

والعقيدة    : وهي التي تمثل الخصوصية الدينية للمسلم .. فقد حسم الإسلام أمر الآخرين معها بقول الله تعالى : ( لكم دينكم ولي دين ) ، أي أن المواطن غير المسلم في المجتمع المسلم له حرية الاعتقاد وله حرية ممارسة العبادة .

أما الشريعة : فهي تتكون بصورة رئيسة من شقين اثنين :

1 – قواعد وأحكام ومبادئ تتعلق بالأحوال الشخصية .

2 – قواعد ومبادئ ونظم وظوابط تتعلق بالحياة العمة للناس .

فما يتعلق بالأحوال الشخصية ، فقد حسم الإسلام أمر المواطنين غير المسلمين بشأنها ، بأن أعطاهم حق التحاكم في ذلك إلى شرائعهم الخاصة إن رغبوا .

 

أما ما يخص الجزء من الشريعة الإسلامية المتعلق بالحياة العامة ، ونظم ومبادئ تصريف مصالحها ، فإن المواطنين غير المسلمين شأنهم في ذلك شأن المواطنين المسلمين ، فهم جميعاً سواء دون تمييز ، تحكمهم جميعاً مواثيق الأمة ودستورها ، وعلى أساس مما سلف ، لا أرى أن هناك أدنى إشكالية للمواطنين غير المسلمين مع الشريعة الإسلامية وعقدها الاجتماعي ( عقد المواطنة ) .   

ومن جهة أخرى ،  تبلورت على أساس من القيم والمبادئ الربانية الخالدة ، سياسة دولة الإسلام الراشدة  في  مستواها العالمي ،  بما جاء بالوثيقة المعروفة ، والمشهورة في كتب السيرة ( بخطبة حجة الوداع ) ، التي أصلت  وأسست لأول ميثاق عالمي ( العقد الاجتماعي العالمي ) ، يرسم القواعد والمبادئ الجامعة ، ويقنن للمعايير والضوابط المنصفة للتعايش البشري الآمن ، في إطار التنوع القومي والعرقي واللوني والجنسي والديني ، وكان من أبرز ما جاء بخطبة الوداع ( العقد الاجتماعي العالمي ) :

 

1-                         أن  الإيمان   بالله  تعالى   ،   هو  مصدر  الاعتقاد   الديني

 ومنطلقه الأساس للناس جميعاً ، يا أيها الناس إن ربكم واحد.

 

2 - وأن الأسرة البشرية  ،     وحدة متجانسة لا تمايز بينها في

الحياة  الدنيا( يا أيها الناس إن أباكم واحد أنتم لآدم وآدم

 من   تراب ) .

3     -  وأن  دماء الناس ،وأموالهم بينهم حرام  (  يا أيها الناس   إن دماءكم   عليكم حرام   إلى أن تلقوا ربكم  كحرمة    يومكم هذا في شهر كم  هذا) .

4 –     وأن  وجوب  رد الأمانات  إلى  أهلها ،   أمر مقدس لا

يجوز  انتهاكه بحال  (   فمن    كان   عنده    أمانة    فليؤدها

  إلى   من   ائتمنه عليها) .

      5 –    وأن  الربا  واستـغلال  حاجة  الـفــقراء  ،  حرام  على

 الناس (  قضى    الله  أن  لا   ربا   )   ،  وبدأ  بأهله  عليه  الصلاة

 والسلام قائلاً : إن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله .

6 -    وأن الثأر   من الأبرياء ،  والافتئات على سلطة الدولة
محرم  في  الإسلام (  إن كل دم في الجاهلية موضوع   ) وبدأ
  بنفسه عليه الصلاة و السلام قائلاً :   إن  دم  ابن  ربيعة  بن
  عبد المطلب موضوع .

7 –     وختم  الرسول  العظيم  عليه  الصلاة  والسلام  خطبته

 الجامــعة ، وميــثــاقه العــالمي  الخالد ،  بالوصية العظيمة  (  استوصوا    بالنساء  خيراً   ،   فإن  لكم  على  نسائكم    حقاً   ولهن  عليكم حقا ً ).     

 

إن هذه الأعمدة السبعة ، التي تضمنها الميثاق العالمي لخطبة الوداع ، وما يتفرع عنها من قيم ومبادئ ، وما يتسق معها مما تزخر به توجيهات القرآن الكريم ، ومما تفصل فيه وترفده أقوال وأفعال السنة المطهرة ،  وما استنه الخلفاء الراشدون المهديون من بعد ، لهي بجملتها تكّون الأسس الراسخة، والمعالم الجلية لنظام الإسلام و( عقده الاجتماعي العالمي )  ،  للنهوض بشرف مهمة الاستخلاف في الأرض ، والاضطلاع بمسؤوليات أمانة عمارتها ، وإقامة العدل في ربوعها، والعقد الاجتماعي العالمي في الإسلام يقوم على :

أولاً ميثاق مبادئ عامة :

يقوم على مرتكزات وكليات عليا جامعة هي :

1 – وحدة مصدرية الإيمان ( ألله ) .

2 – وحدة الأخوة الإنسانية ( آدم ) .

3 – وحدة مهمة التكليف ( الاستخلاف ) .

4– وحدة هدف الاستخلاف ( عمارة الأرض وإقامة العدل ) .  

5 – قدسية حياة الإنسان وكرامته .  

6 – احترام سلامة البيئة وعم إفسادها .       

7 – الأسرة الشرعية من الرجل والمرأة الوحدة الأساس للمجتمع المدني الآمن.  

8 – رعاية الأطفال وسلامة تنشئتهم مرتكز أساس لمجتمعات آمنة. 

9 تكامل الحقوق والواجبات أساس التوازن بين معدلات الإنتاج والاستهلاك . 

10 – الناس شركاء في ثروات الكون وفق احترام حق التملك وقواعد الانتفاع .

11 – احترام تكامل المصالح البشرية ، وصون خصوصياتها وأمنها المشترك .

12 – العالمية والعولمة  ،  أمران متكاملان ومتلازمان  ،  فالعالمية قيم ومبادئ

        ونظم ، والعولمة أداء وآليات ومهارات وتفعيل لمقاصد العالمية في تحقيق

        مصالح الناس وأمنهم .                      

 

ثانياً – ميثاق أداء والتزام :

يتكون من مواد وقواعد تنظيمية منها :

1 – الناس جميعاً أسرة واحدة،ربهم وخالقهم واحد، وأباهم واحد، متساوون في الكرامة  والحقوق  والواجبات  ،   وهم  أمام العدل  سواء لا تمايز  بينهم بحال .

2 – عمارة الأرض وإقامة العدل مسؤولية إنسانية مشتركة .

3 – الرجل والمرأة متساويان بالكرامة الإنسانية ، وتتكامل مسؤولياتهم وحقوقهم ووجباتهم في مؤسسات المجتمع المدني ، وفي كافة  ميادين عمارة الأرض وإقامة العدل .

4 – الأسرة المؤسسة  على الزواج الشرعي  أو القانوني بين الرجل والمرأة ، هي مؤسسة أساس من  مؤسسات المجتمع المدني ، والمصدر الآمن لإعداد أجيال مستقيمة ومسؤولة .

5 - من حق المرأة أن تتمتع بكامل استقلاليتها المالية ، وعلى الدول والمجتمعات حماية هذا الحق واحترامه .

6 – للمرأة حق الرعاية والإنفاق والاحترام من قبل والدها وزوجها وعلى الذكور من أبنائها وإخوانها وخاصة أقاربها .

7 – من حق المرأة أن تخفف عنها الأعباء والواجبات ، تقديراً لواجبها العظيم في تحمل أعباء الأمومة ، ومساهمتها في رعاية الطفولة . 

5 – من حق الطفل ( الأنثى والذكر ) التمتع بكامل حنان الأمومة والرعاية الأسرية من الوالدين ، وأن يعيش في بيئة سليمة ، وأن يتلقى التعاليم التربوية والدينية ، وعلى الدول والمجتمعات حماية وكفالة هذا الحق ، ودعمه بالمناهج التعليمية والإعلامية .

8 – للأبوين على الأبناء حق الطاعة والرعاية والإنفاق .

9 – من  حق  الإنسان (  الذكر والأنثى  ) على الأسرة والمجتمع والدولة أن يعيش آمناً  في عقله  ونفسه  ودينه  وماله  وعرضه ،  فالتدهور الأخلاقي ، وانتشار الجريمة ، وتعاطي المسكرات والمخدرات ، أوبئة فتاكة يجب على المجتمعات والدول محاربتها ، واعتبارها من جرائم الإفساد العام ، ينبغي أن تتخذ بحق مرتكبيها ومن يشجع عليها  ويروج  للفساد أقصى العقوبات . 

10 – لكل إنسان الحق في الاستقلالية التامة بشؤون حياته الخاصة ، في أسرته ومسكنه وماله ، ولا يجوز التجسس عليه أو انتهاك حرمة خصوصياته ، أو الإساءة إلى سمعته أو التدخل التعسفي في شؤونه .

11 – لكل إنسان على المجتمع والدولة حق الرعاية الثقافية والروحية والأمنية والصحية والغذائية والوظيفية .

12 – يجب على كل إنسان ( الذكر والأنثى ) أن يتحمل مسؤولية المساهمة في المحافظة على أمن مجتمعه ووطنه ، وبذل النصح لدولته وللمسؤولين في مجتمعه .

13 – يجب على كل إنسان أن يؤدي بأمانة وإخلاص كل ما يسند إليه من عمل و مهام لصالح مجتمعه وأمن وازدهار وطنه .

14 – يجب  على   كل  إنسان  المحافظة  على  نظافة  البيئة  وعدم  تلويثها ،  والمحافظة  على  نظافة  بلده  ،  وسلامة مجتمعه من الفساد وتدهور الأخلاق .

15 – يجب على كل إنسان في ميدان عمله واختصاصه ، المحافظة على ثروات المجتمع وعدم إهدارها ، وتحسين إنتاج بلده وتنميته .

16 – كل إنسان في المجتمع ، يتحمل في مجال اختصاصه واجب البحث العلمي والتكنولوجي ، وواجب البحث الأدبي والثقافي والاجتماعي والتخطيط والتطوير ، وعلى الدولة والمجتمع رعاية هذا الواجب وتنظيمه .

17 – الإنسان يولد حراً ، ولا يجوز بحال انتهاك قدسية حريته وكرامته وحقوقه .

18 – حياة الإنسان مقدسة وحق مكفول للجميع ، لا يجوز انتهاك حق الحياة ، وإزهاق حياة الإنسان إلا بالحق ووفق العدالة .

19 – كرامة الإنسان مقدسة ، والناس جميعاً متساوون في الكرامة .

20 – الناس شركاء في الانتفاع في أساسيات الحياة مثل الطاقة والغذاء والماء  والدواء   ،  من غير اعتداء على حق التملك ، وعلى المجتمع الدولي حماية هذا الحق وتنظيمه ، وتحريم الاحتكار والغش والاستغلال بشكل عام.

21 – لكل إنسان حق التملك بالطرق المشروعة ، وعلى الدولة والمجتمع حماية هذا الحق وتنظيمه واحترامه في إطار المصلحة العامة وحق الآخرين .

22 – لكل إنسان الحق في الكسب المشروع من دون احتكار أو غش أو إضرار بالنفس أو الآخرين  ،  ومن غير استغلال لحاجة الفقراء والمعوزين .

23 – لا يجوز للدولة احتجاز الأموال أو مصادرتها بدون وجهة حق ، ولا يجوز نزع الملكية إلا للمصلحة العامة وبمقابل تعويض مناسب وعادل وفوري .

24 – يجب على كل إنسان احترام حق الآخرين ، وعدم الاعتداء على أموالهم وممتلكاتهم ، ولا يجوز استخدامها بدون وجهة حق أو بدون إذن من أصحابها .

25 – الدفاع  عن  النفس  والممتلكات  ،  و الدفاع  عن  سيادة الوطن وأمنه ، حقوق مشروعة ومقدسة ، يجب على الأفراد والهيئات والمجتمع الدولي احترام هذه الحقوق ودعم مشروعيتها .

26 – أصل العلاقة بين الناس والمجتمعات الدولية يجب أن تقوم على التعايش الآمن ، والتعاون في عمارة الأرض وإقامة العدل ونشر قيم الخير والفضيلة ، ومقاومة أسباب الفساد والشر والعدوان .

27 – على المجتمعات الدولية التعاون والتضامن لدفع حالات العدوان والظلم ، ووضع حد لكل أسباب الفساد الاجتماعي والبيئي في الأرض .

28 – تلتزم الدول والمجتمعات البشرية في ميادين القتال في حالة نشوب حرب ، بعدم الاعتداء على الأبرياء والمسالمين ، وخاصة كبار السن والنساء والأطفال والعجزة ، واحترام بيوت العبادة والمقدسات ، وعدم تدمير المرافق الحيوية العامة مثل الماء والغذاء والدواء ، وعدم التمثيل بالموتى واحترامهم ودفنهم ، وعدم الإجهاز على الجرحى أو تعذيبهم ويجب علاجهم وتأمين الحياة الكريمة لهم .

29 – يجب احترام الأسرى ومعاملتهم معاملة كريمة ، وعدم تعذيبهم أو التضييق عليهم في المأكل والملبس والعلاج والدواء ، ويجب احترام رسل ومفاوضي الحروب ، وعدم الاعتداء عليهم أو احتجازهم .

30 – من حق الأفراد والمجتمعات البشرية التمتع بخصوصياتهم الدينية والثقافية وتقاليدهم الاجتماعية  ، ومن حقهم تنشئة أبنائهم وأجيالهم وتربيتهم وفق قيمهم ومبادئهم .

31 – الاعتقاد الديني والممارسة الدينية من حق كل إنسان ، ولا يجوز إكراهه على ما يتعارض مع حرية اختياره .

32 – التعددية في الرأي وتنوع الوسائل حق مكفول للجميع ، وهو إثراء لتعدد قدرات المجتمع وتنوع خياراته في التنمية والارتقاء .

33– واجبات الحاكم أمانة كبرى عليه عدم انتهاكها ، وعدم الاستبداد والظلم ، وعليه التشاور مع الشعب ومشاركتهم من أجل تحقيق الخير للجميع .

34 – يتحمل الشعب واجبات النصح والتشاور والمشاركة في إدارة شؤون مصالح المجتمع .

35 – العلاقة بين واجبات الحاكم وواجبات الشعب ، تحددها وتنظمها قواعد وقيم العقد الاجتماعي بينهم ، وتضبطها قواعد ومبادئ المرجعيات العليا لقيم العدل والكرامة والمساواة لدى كل أمة .

36 – يجب على المجتمعات الدولية التعاون لتنمية قيم العدل والأمن والسلام ، و تعزيز مبدأ  التعارف والحوار والتفاهم بما يحقق المصالح المشتركة .

37 – يجب على المجتمعات الدولية التعاون في تبادل المنافع العلمية والتكنولوجية بما يحقق النفع العام للجميع .

38 – يجب على المجتمعات الدولية التضامن من أجل محاربة كل أنواع الإبادة الجماعية والتفرقة العنصرية والعرقية والدينية .

39 – يجب على المجتمعات الدولية التعاون والعمل معاً على نبذ كل أشكال التمييز في الممارسات الدولية ، ونبذ سياسات الحصار والعقوبات الجماعية بدون وجهة حق .

40 – يجب على المجتمعات الدولية السعي المشترك لإقامة نظام اقتصادي عالمي عادل ، يكفل الأمن الاقتصادي والاجتماعي المتكافئ لجميع المجتمعات .

41 – يجب على المجتمعات الدولية التعاون على وقف سباق التسلح الدولي لصالح التنمية المستديمة للجميع ومن أجل علاج اتساع ظاهرة الفقر والجهل وتدني المستوى الصحي والدخل الفردي لدى المجتمعات .

42 – يجب على المجتمعات الدولية  العمل بجدية ووفق معايير موحدة وعادلة ، من أجل التسوية العادلة للأزمات الدولية والنزاعات الإقليمية .

43 – يجب تحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية والبيولوجية واعتبار ذلك من جرائم الحرب .

44 – يجب على الدول النووية التخلي عن سياسة التسلح النووي والتحول بالتكنولوجيا النووية إلى ميادين السلم والتنمية المستديمة .

45 – يجب على المجتمعات الدولية العمل بموضوعية وجدية لاستئصال أسباب ظاهرة الإرهاب الفردي والجماعي والدولي ضد الأفراد والمجتمعات البشرية ، ووضع معايير جادة وموضوعية لتعريف الإرهاب وتحديد أسبابه ودوافعه .

46 – البيئة هي السكن الكبير للمجتمعات الدولية ، يجب على الأفراد والجماعات والمجتمعات الدولية المحافظة على سلامتها ، وعدم تلويثها وإفسادها ، وتعطيل عوامل الحياة الآمنة فيها ، ويجب اعتبار إفساد البيئة من جرائم الإبادة الجماعية التي تستحق أقصى درجات العقوبة .

47 – يجب على المواثيق الدولية والاجتماعية العمل على ضبط التوازن بين مبادئ حقوق الإنسان وواجباته ، للمحافظة على توازن موضوعي بين ثقافة الإنتاج وثقافة الاستهلاك في تربية الأجيال البشرية .

48 – التربية والتعليم حق لكل إنسان ، وعلى الأسرة والمجتمع والدولة حماية هذا الحق ، وتوفير كل الأسباب والوسائل ووضع النظم والقواعد التي تضمن تحقيق هذا الواجب .

49 – يجب أن تكون  مناهج التعليم والتربية مما يكفل بناء شخصية الإنسان وتنشئته على قيم الاستقامة وروح المسؤولية والإنتاج ، وقيم حب الخير وكراهية الشر والفساد ، وتغرس في نفسه احترام حقوق الغير وكرامة الآخرين ، وترسخ في وجدانه القيم الروحية والرقابة الذاتية ليكون مؤهلاً لأداء واجباته في ميادين الحياة بأمانة وإخلاص .

50 – يجب على المناهج الإعلامية ووسائلها التزام القيم الثقافية والأخلاقية والعادات والتقاليد الإيجابية لكل مجتمع وألا تتناقض معها .

51 – يجب على المناهج الإعلامية العالمية ووسائلها أن تكون مما ينمي قيم الأخلاق والفضيلة لدى الأجيال البشرية ، ومما ينشئهم على رفض قيم الشر والفساد والكراهية ، ونبذ العنف والتطرف والإرهاب ، ومما يحفز الأجيال البشرية على تحمل المسؤوليات وحب الخير للناس جميعاً .

52 – يجب على الشعوب  والمجتمعات  الدولية  التعاون للمبادرة إلى وضع ميثاق  إعلام  عالمي  ،  يلزم الجميع  بقيم الأخلاق  والفضيلة  وحب الخير وكراهية  الشر والفساد  ،  ويدعو إلى قيم التعايش العالمي العادل والآمن  ،  ورفض كل ظواهر التمييز العرقي والقومي والديني والاجتماعي .

53 – يجب على الأفراد والجماعات والشعوب والدول ، احترام قدسية المواثيق والعهود  ، والالتزام بها وعدم انتهاكها والتمرد عليها ، واعتبار ذلك من جرائم الحرب .

54 – الناس جميعاً متساوون أمام القوانين الإقليمية والدولية ، ولهم الحق دون تمييز التمتع بحماية وعدالة القانون .

55 – على النظم والقوانين الدولية أن تضمن حق العدل والمساواة بين المجتمعات الدولية ، وعدم إعطاء أي امتياز دولي لأي جهة دولية على حساب قواعد العدل والديموقراطية الدولية .

 والإسلام وهو يؤصل ، ويقعد على هذا النحو السديد الرفيع ، لقيم ومبادئ وأخلاقيات المواثيق الوطنية والعالمية ، إنما يؤكد من وراء أربعة  عشر  قرناً  ونيّف   ،  أن  الأمن  الإقليمي  والأمن  العالمي ، أمــران متلازمان ومتكاملان ، وأن الأمن الإقليمي لأي أمة أو شعب ، هو القاعدة الصلبة ، والمنطلق الأساس لأمنه العالمي ، والمرتكز الفعّال لأداء دوره الإيجابي ، في إشادة  التعايش البشري الآمن ، وهذه الحقيقة يؤكدها الواقع البشري في ماضيه وحاضره ، الذي ينــبئنا باستمرار، بأن أخطر ما ترتهن به إرادة الشعوب  وأمنها ، هو تمزق كلمتها وتفرق صفها ، وعدم استقرارها ، وهذا مما يبغضه الله تعالى ، ويحذر منه ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ، ويدعو الإسلام بالمقابل ، إلى وحدة الصف ويرغب فيه، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائـر الجسد بالسهر والحمى ) ، وهذا مما أصلت قواعده وأدبياته ، في مواطن كثيرة ومتكررة ، في القرآن الكريم والسنة  المطهرة  ،  تأكيداً  على أهمية  وحدة  الكلمة ومتانة الصف ، من أجل النهوض  بأعباء الحياة ، ومسؤولياتها على الصعيدين الإقليمي  والدولي ، وهذا ما عنيت بأمره سورة الحجرات  ،  التي اتخذنا  من آية  التعارف فيها منطلقاً لهذا المبحث ، إذ ركزت الآيات التي سبقت آية ( التعارف ) ،على القواعد  والمثل  والأخلاقيات  ،  التي  بموجبها  ينــبغي  أن تصاغ  ،  وتــتكون شخــصيــة الإنــسان المسلم ، وشخصية كل إنسان ، لأنها قواعد وأدبيات عامة ، لا يستغني عنها الإنسان السوي أياً كان انتماؤه ، والتي بها وعلى أساس منها، تترسخ وشائج المودة والاحترام بين الناس ، وفي إطارها تتبلور، وحدة كلمتهم  ومتانة  صفهم  ،  وهو مما  ينبغي  أن  يبقى  مادة التعارف ، والتفاهم والتعاون بينهم ، حيث بدأت هذه السورة – قبل أن تتحدث عن التعارف – بالحديث عن أخطر قضية ، وأشدها فتكاً في وحدة الكلمة ومتانة الصف ، ألا وهي جــرأة التعجل  في إصدار الأحكام ، في مسائــل تــتعلــق بحياة العباد ، قبل التأكد من مراد الله ورسوله ، في مضامين النصوص ودلالاتها (  يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) ، فعن الضحاك عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن هذه الآية نزلت ، بسبب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرية ، فقتلت بنوا عامر رجال السَرية إلا ثلاثة نفر نجوا ، فلقي هؤلاء الثلاثة بعد نجاتهم  رجلين من بني سليم ، فسأل الرجلان النفر الثلاثة عن نسبتهما، فنسبوا أنفسهم إلى بني عامر رغم أنهما من بني سليم   ، ظناً منهما أن هذا الانتساب أنجى لهما من شر توقعاه ، لأن بني عامر كانوا أعز من بني سليم ، إلا أنهم وقعوا بما لم يكن بحسبانهم ، إذ عدا عليم الرجلان وقتلوهم وسلبوهم، ثم  أتـــوا  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم  فأخــبــروه  ،  فـــقال :  (  بئسما  صنعتم  ..  كانا  من  بني  سليم ، والسلَب ما كََسََوتهما ) ، فنزلت هذه الآية تنكروتنبه من مثل هذا التصرف غير المسؤول ، في شأن من شؤون الأمة ، قبل أن  يستأمر  صاحب التصرف  من  رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من ولاة الأمر من بعده  في كل زمان  .

وتتابع السورة في التحذير والتنبيه من محبطات الأعمال ، ومن المقولات المهلكة ، ومنها رعونة ارتفاع الصوت في حضرة الإمام القائد، والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلّم ، مما يخدش آداب توقير القيادة وإجلالها ، ومما يتناقض مع قدسية العلاقة بين الأمة وأمرائها ، ويخالف مقتضيات اللياقة والتقدير، في التحدث بين يدي ولاة الأمر( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ، فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن الزبير، في سبب نزول هذه الآية ، أن وفداً من بني تميم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال أبو بكررضي الله عنه : أمّرعليهم القعقاع  بن  معبد  ،   وقال عمر رضي الله عنه :  بل أمّر عليهم الأقرعَ بن حابس ، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي  أو إلى  خلافي   ،  قال  ع مر : ما  أردت   خِلافك  (  أو  إلى  خِلافك ) ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما في ذلك ، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم  ،  فنزل قول الله تعالى (  يا أيها الذين  آمنوا لا ترفعوا  أصواتكم   فوق  صوت  النبي  . .   الآية ) ، وعن ابن الزبير في صحيح البخاري : فما كان عمر يسمع رسول  الله  صلى  الله  عليــه  وسلّم  بعد هذه  الآية  حتى  يستفهمه ، وأخرج الحاكم عن أبي هريـــرة : أن أبا بكر رضي الله عـــنه قال : بعد نزول هذه الآية  (  والذي  أنزل عليك الكتاب  يا رسول  الله  لا أكلمك  إلا كأخِي  السِّرَار  حتى ألقى الله ) ، وعن ابن أبي مليكة في صحيح البخاري ( كاد الخَيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصُوَاتَهما عند النبي صلى الله عليه وسلّم) ، وفي المقابل  تشيد  السورة   ،  وتبشر أولئك  الذين  هدوا  إلى  الفضيلة ، ووفقوا إلى التزام أدب التحدث بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحنَّ الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ) ، يقول المفسرون أن هذه الآية نزلت بحق أبي بكر رضي الله عنه  وأرضاه   ، حيث يقول ابن عباس رضي الله عنهما :   لما نزلت آية ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي .. الآية )، كان أبو بكرلا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا كأخِي السِّرار  ،  أي مصاحب السِّر من الكلام  ، فأنزل الله تعالى ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله .. الآية ) ، ويعلق المفسرون بشأن هذه الآية فيقولون : أن الثناء و الوعد بالمغفرة والأجر العظيم، اللذان وردا  في هذه الآية ، يشملان أبا بكر وعمر رضي  الله  عنهما   ،  لأن  كلاهما  كان  يكلم  رسول  الله   كأخَي السِّرار ، أي بصوت منخفض يكاد لا يسمع   .

ثم تنعطف سورة الحجرات لتحذر وتنذر من الآفة الكبرى ، التي كانت  ولا تزال  مصدراً  لكل  ضغينة ، ومبعثاً لكل فتنة بين الناس ، ألا وهي : آفة تحريف الأقوال عن مواضعها ،وإفساد مضامين  الأخبار وقلب حقائقها ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ، وفي أرجح الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة الخزاعي ، أن هذه الآية نزلت بسبب قضية عرضت للمسلمين مفادها ، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة ، ليأتي بصدقاتهم فلمّا بلغهم مجيئه ، أو لمّا استبطأوا مجيئه ( على اختلاف في الروايات ) ، فإنهم خرجوا لتلقيه ، أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعليهم السلاح ، وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة ، وهي حالة غير مألوفة في تلقي العاملين على الصدقات ، وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله ، أو لمّا رآهم مقبلين كذلك ( على اختلاف الروايات ) ، خاف أن يكونوا أرادوا قتله ، إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية ، فولّى راجعا  إلى  المدينة  ليخبر النبي صلى الله عليه وسلّمً أن بني المصطلق أرادوا قتله ، وأنهم منعوه الزكاة ، مما أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وهمّ أن يبعث خالد بن الوليد لينظر في أمرهم ، وفي رواية أنه بعث خالدا ، وأمره ألا يغزوهم حتى يستثبت أمرهم ، وأن خالداً لمّا بلغ ديار القوم بعث عيناً له ينظر حالهم ، فأخبروه أنهم يقيمون الأذان والصلاة ، عندها دخل خالد إلى منازل القوم ، وأخبرهم بما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلّم عنهم ، وقبض زكاتهم وقفل راجعاً ، وجاء في بعض الروايات أن الوليد بن أبي معيط ، كان قد أعلم بخروج القوم إليه ، ولعل ذلك الإعلام موعز به إليه ليخاف فيرجع ، وهذا ما أشارت إليه بعض الروايات ، من أنها كانت حيلة من كبراء القوم ، الذين كانوا يكرهون أن يأتي إليهم من يجبي منهم  صدقاتهم ، فيسمع أعداؤهم فيعيرونهم بذلك ، فما كان منهم إلا أن أوهموا الوليد بن أبي معيط أنهم يريدون قتله ، لينصرف عن الدخول إليهم في حيِّهم ، وقد كان لهم ذلك ، وهذا ما حملهم بعد عودة الوليد ، إلى حمل صدقاتهم بأنفسهم  إلى  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلّم معتذرين مما كان ، فنزل قول الله تعالى ( يا أيها الذ      ين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ بنبفتبينوا ..الآية) ، فهذا الدرس القرآني العظيم ، يؤكد لنا، أن المكث  والتأني ، والأناة  في  تحري المعلومة ، والتمحيص في صدق مضمونها ، ومن ثم رد أمر توظيفها ، واستنباط دلالاتها إلى أولي الشأن والأمر ، هو المنهج الأحكم والأسلم والأصلح ، لصون أمن الأمة ومصالحها، وهذا ما أكد عليه قول الله تعالى ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته  لاتبعتم الشيطان إلا  قليلاً النساء - 83 ) ، أي أن الخروج على هــذه القاعدة  فــي رد الأمور إلى أهلها ، وأن اجتهاد المرء والتصرف بما لا يعنيه ، إنما هو من نزغ الشيطان ، الذي من شأنه أن ينتهي بالناس إلى المخالفة ، ومن ثم التــصرف الخاطئ والمؤذي بحــق مصالح الأمة وأمنها واستقرارها .

وتتابع السورة نهجها في التنبيه والتحذير، من ممارسة السئ من القول ، ومن تداول الألفاظ المذمومة بين  الناس  ،  مما  هو  مصدر لإثارة  البغضاء والشحناء ، بين أبناء المجتمع الواحد، بل وبين أبناء البيت الواحد ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  ) ، فهذه الألفاظ النابية ، والأخلاقيات الشاذة ، هي  مما يفرق الأمة ويفسد وحدتها ، ومما يتناقض ابتداءً مع الإيمان ووشائج الأخوة فيه .

وتختتم السورة مسيرتها المباركة في التنبيه والتحذير ، مما هو مـــصدر إخلال وإفساد ، في مســـيرة وحــدة الأمـــة وتماسك صفها ، داعية إلى اجتناب الظن، ناهية عن الغيبة والنميمة والتجسس (  يا أيها الذين  آمنوا  اجتنبوا كثيراً من الظن  إن  بعض  الظن  إثم  ولا تجسسوا  ولا يغتب  بعضكم  بعضاً  أيحب  أحدكم  أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) ، والظن اليوم من الآفات الخطيرة ، التي تمزق بموجبها ، وعلى أساس منها وحدة المجتمعات الوطنية  ، وتقوم بسببها الخصومات والصراعات ، بل وتشتعل بحماقاتها، نيران الحروب الشاملة بين الناس . وهذا يجعلنا نستشعر وندرك، أننا أمام خطر شامل ، يهدد المجتمعات البشرية بأسرها ، مما يقلق العقلاء والحكماء ، من داخل أمتــنا، ومن كل مكان في العالم ، وهذا مما يستدعي ويلح ، باتجاه التحرك الجاد السريع والموضوعي ، لاتخاذ مبادرة عالمية ، لتفعيل أسباب التعارف بين العقلاء والحكماء من جميع أنحاء العالم ، باعتبار أن التعارف هو السبيل والخيار الأفضل ، لإقامة الثقة بين الناس ، وصرف أسباب الظنون الماحقة بينهم ، وهذا ما أكدته سورة الحجرات ، بعد مسيرتها المكثفة في التنبيه والتحذير ، من  مخاطر القيم والسلوكيات الشاذة ،  على وحــدة وأمن المجتمعات ، لتعلن من بعد بأن السبيل الأفضل والأنجع ، في مقاومة وتطهير المجتمعات البشرية من المفاسد والمهلكات  ، إنما هو التعارف والحوار (   يا أيها  الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى  وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) ، فــكان هذا الإعلان الرباني الخالد نقلة موضوعية وعملية ،  من ميادين التنبيه والترشيد ، إلى ميادين العمل والتصحيح، والتفعيل لقيم الخير والفضيلة  بين  الناس   ،  وهذا  النداء  الرباني   (  يا أيها  الناس )  ،  ليؤكد  بأن  التعارف بين الناس جميعا هو سبيل العقلاء  ،  وهو المنهج  الأسلم  والأقصر ،  لتحقيق الأفضل للجميع   ،  والتعارف في الإســلام له مراتــبه  ودوائره ، الــتي يــوطئ بعــضـــها لبعض  ،  ابتداءً مــن دائرة التعارف مع الذات ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) ، إلى دائرة التعارف بين أبناء الأسرة الواحدة ، لتحدد الحــقوق والواجبات بينهم ( ألا كلكم  راع  وكل مسؤول عن رعيته ، الرجل في بيته راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راع وهي مسؤولة عن رعيتها،والولد في بيت أبيه راع  وهو مسؤول عن رعيته،والخادم في بيت سيده راع وهو مسؤول عن رعيته  ألا كلكم راع ألا كلكم مسؤول عن رعيته ) ، ومن تم التعارف في إطار المجتمع الواحد ، لتنتظم المسؤوليات وتتسق ، بين يدي تحقيق الأمن المشترك والمصالح  المشتركة  ،  على  أساس  مــن قــواعد النصح والتنا صح ، بعيداً عن عبثية التفا ضح والتناطح  ،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة قيل : لمن يا رسول الله قال : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وخاصتهم  وعامتهم) ، وتتسع دائرة التعارف ، لتكون على مستوى القوم والأمة ، لتنتظم فعاليات الأمة وقدراتها ، في مواجهة تحدياتها الإقليمية والدولية ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا علـى الإثــم والعدوان ) ، ومن ثم يكون  التعارف  على  المستوى  الدولي   ،  لتنتظم  كذلك  مصالح  الناس ، وتتسق جهودهم من أجل العمل معاً، لتحقيق الأمن والاستقرار، والسلام العالمي المشــترك بــينهم ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) ، والإسلام وهو يوجه نداء التعارف بين الناس ، لم يدع  القضية  لتبقى  مجرد  شعار  ،  بل  تحول  بالأمر  من  النداء ، إلى التأصيل العملي الميداني ، فطرح جملة من المنطلقات والمبادئ العملية ،  والوسائل التطبيقية  ، لتحقيق وإنجاز المقـــاصد والغـــايات  النبــيــلة   لمبدأ  التعارف  ،  حيث  يــقرر  الإسلام ، بالإضافة إلى ما ورد سابقا بصحيفة المدينة وخطبة الوداع :

أولاً – أن الناس جميعاً شركاء في مهمة الاستخلاف في الأرض .

ثانياً – أن عمارة الأرض وإقامة العدل  بين  الناس ، غايتان  أساسيتان

        لأمانة الاستخلاف الرباني .

ثالثاً – أن الناس شركاء في ثروات الكون ، على أساس من احترام

        حق التملك ، وصون مشروعية الانتفاع .

رابعاً – أن حياة الإنسان  وكرامته ، أمران مقدســــان لا يــجوز

         انتهاكهما بغير حق .

خامساً – أن الرجل والمرأة  تتكامل  مسؤولياتهما، من أجــــــل عمارة  الأرض وإقامة العدل .

سادساً – أن الأرض والبـــــيــئة ، ســكــن البــــشــرية  المـــشترك ، تجب  المحافظة على سلامتها وعدم إفسادها .

سابعاً – أن الحقوق والواجبات أمور متكاملة  ومـــتلازمة ، لتبقى           العلاقة متوازنة ومنضبطة ، بين مسؤوليات الإنتاج وأخلاقيات الإستهلاك .

ثامناً – أن الأمـــن الإقليــــمي والأمـــــن الــدولي ، أمران متلازمان  ومتكاملان لا يجوز أن ينتهك أحدهما لحساب الآخر .

تاسعاً – أن التدافع  الحضاري  والتعاون  البشري ،  أمر  واجـــــب  لدرء المفاسد والمخاطـــــر، وجـلـــب المصـــــالح والمنافع المشتركة بين الناس .

عاشراً – أن التواصل الثقافي  والمعرفي بين الناس ، أمر إيـــــجابي لتنمية العلاقات وتطويرالمصالح المشتركة بينهم .

حادي عشر – أن العالمية  والعولمة  أمران  متلازمان ، فالعالمية

                 قيم  ومبادئ  وأخلاق وضوابط ، والعولمـــة  نظم وآليات تصريف المصالح المشتركة للناس ، في إطار العالمية ، وعلى أساس من قيمها ومعاييرها وضوابطها ، والعالمية بدون عولمة ، تبقى  آمال  وتطلـــــــعات ،  والعولمة بدون عالمية عادلة تحكمها تتحول إلى عبثية ودمار .       

ثاني عشر -  أن الحوار بين الثقافات والحضارات ،  واجب  ديني ،  وضرورة  إنسانية ،  ومطلب أمني من أجل :

 
               1 – تنمية ثقافة الاحترام المتبادل بين الناس .
 
               2 - اكتشاف  القيم   المشتركة بين الثقافات ، والــتعــرف على  خصوصــيات ثقافات الشعوب .
 
                  3 -  العمل معاً لمنع العدوان والاضطهاد والظلم بين
                   الناس .
 
               4 -  العــمل  على   تجديد  القيم  الروحية  والأخلاقية ،  وبعث روح المسؤولية في نفوس الأجيال البشرية .
 
                 5 – إعادة التوازن بين حركة العلوم والتكنولوجيا ، وبين القيم الدينية والأخلاقية ، للمحافظة على كرامة الإنسان، وسلامة البيئة ، والتعايش البشري الآمن .
 
                 6 - التأكيد   على   أن  الأسرة  المؤسسة  على   الزاوج
                        الشرعي والقانوني، بين الرجل  والمرأة ،هي الوحدة
                        الأساس في بناء المجتمعات الآمنة .
 
                 7 - التأكيد  على أن  المسؤولية  المشتركة،  بين الرجل   والمرأة  في  ميادين  الحياة، يجب أن تؤسس على قيم  التكامل المنصف بينهما . 
 
                   8 - العمل  معاً  على  إقامة  العدل  الرباني  بين الناس
                          جميعاً دون تمييز .
                    9 -  العمل  على   مساعدة  الفقراء،  لتحرير  أنفسهم مـــن  الظروف القاسية، التي تتنافى مع كرامة الإنسان .   
 
                    10 – العمل معاً على إزالة العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية ، لاستفحال ظاهرة العنف  والإرهاب في العالم .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أ . د . حامد بن أحمد الرفاعي

 

رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
الأمين العام المساعد لمؤتمر العالم الإسلامي
عضو هيئة رئاسة المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة
أمين لجنة الاتصال الإسلامي – الكاثوليكي ( الفاتيكان )
 
جدة الاثنين / 4 رمضان 1422 هـ
19  نوفمبر 2001 م