الإسلام .. والسلام
الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم .. واصطفاه وكرَّمه بنعمة العقل والإرادة والاختيار وشرَّفه بالنهوض بمهمة أمانة الاستخلاف في الأرض.. وسخر له ما في السموات والأرض من أجل عمارتها وإقامة الحياة العادلة الآمنة في ربوعها.. والحمد لله رب العالمين الذي كرَّم أمتنا فبوأها مواقع الوسطية بين الأمم .. وشرَّفها بمهمة الشهود الحضاري عل الناس .. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين إمامنا وحبيبنا وقرة أعيننا نبينا ورسولنا الهادي البشير سيدنا محمد بن عبد الله رافع لواء العالمية العادلة في الأرض .. ورائد العولمة الراشدة بين الناس .. وأصلي وأسلم على آل بيته الأخيار الأطهار .. وعلى جميع صحابته الغر الميامين الأبرار. . والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله ورسله.
تمهيد:
· " إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. "
· " يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة " 208/ البقرة
· " والله يدعوا إلى دار السلام " 25/ يونس
· لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " 8/الممتحنة
· ومادة سَلِمَ وأمِنَ ورَحِمَ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم ما يزيد عن 1400 ألف وأربعمائة مرة .
· والسلام اسم الله تعالي.. وتحيته لعباده المؤمنين .. والسلام تحية أهل اللجنة .. وهو التحية الطيبة بين الناس في الحياة الدنيا.
· وإفشاء السلام بين الناس هو السبيل الآمن إلى الجنة حيث يقول عليه الصلاة والسلام: " لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا .. هل أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ..؟ أفشوا السلام بينكم ".
· "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " حديث شريف
· " المتراحمون يرحمهم الله " حديث شريف
· " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " حديث شريف
· " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه كما يحب لنفسه "
يقول ابن رجب الحنبلي في شرحه على الأربعين النووية معلقًا على عبارة " لأخيه الواردة في هذا الحديث" : " إن الأخوة في الحديث هي الأخوة الإنسانية " , ويؤيده في ذلك الشبراخيتي .. وهذا يعني أن المسلم عليه أن يعلم بأن إيمانه لا يكتمل إلا إذا أحب لأخيه الإنسان ما يحبه لنفسه.
أولاً-إن الإسلام على أساس مما تقدم يقرر :
1. أن أصل العلاقة بين الناس العدل والمودة والرحمة والسلام يوم لا يكون عدوان أو بغي أو ظلم من أحد على أحد , أو من مجتمع على مجتمع , أو من أتباع دين على أتباع دين آخر,
2. وأن الإنسان مستخلف في الأرض بصفته إنسانًا بصرف النظر عن هوية انتمائه,
3. وأن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم وميزه بنعمة العقل والإرادة, وكرّمه فمنحه حق الاختيار, فالناس أحرار فيما يختارون وفيما يعتقدون,
4. وأن الناس خُلقوا من نفس واحدة فهم أخوة في الإنسانية,
5. وأن الناس ربهم واحد فهم يعودون لأصل واحد في الإيمان,
6. والأرض سكن الناس وخزانة رزقهم وميدان تنافسهم في الحياة,
7. والعدل أساس شرعة التعامل بين الناس وتحقيق مصالحهم.
وتأكيدًا لهذه الكليات السبعة شرّع الله سبحانه جملة من القداسات .. وطالب باحترامها وعدم انتهاكها ومنها:
1. قدسية حياته "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً " 32/المائدة
2. قدسية كرامته " ولقد كرّمنا بني أدام "70/الإسراء
3. قدسية ممتلكاته " إن دماءكم وأموالكم بينكم حرام " حديث
4. قدسية حريته " وما أدراك ما العقبة فك رقبة " 12, 13/البلد
5. قدسية اختياره " لا إكراه في الدين " 256/البقرة
6. قدسية سد عوزه وفقره " وإطعام في يوم ذي مسغبة " 14/البلد
7. قدسية وحدة الأسرة البشرية " يا أيها الناس إن أباكم واحد " حديث
8. قدسية وحدة مصدر الإيمان " يا أيها الناس إن ربكم واحد " حديث
9. قدسية العدل بين العباد " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " 90/النحل
10. قدسية السلام بين العباد " والله يدعو إلى دار السلام " 25/ يونس
11. قدسية سلامة البيئة : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " 56/الأعراف
أجل هذه إحدى عشرة قداسة قررها ربنا جلّ شأنه , لتكون المنظومة الربانية الخالدة, تقام بها وعلى أساس منها حياة الأفراد والمجتمعات,وعلى أساس من ضوابطها تصرّف مصالحهم,فهي المصدر الأساس لشرعة حقوق الناس وواجباتهم .. وهي السبيل الراشد لتعايش بشري عادل وآمن.
ثانيًا -ولتفعيل منظومة القيم الربانية السالفة الذكر في حياة الأفراد والمجتمعات .. شرّع الإسلام منطلقات عملية جامعة لتحقيقها.. وذلك عبر التعاون البشري في ميادين الحياة منها:
1. التعارف والتبادل المعرفي الإيجابي,
2. التعاون على البر والتقوى,
3. التدافع والتضامن الحضاري,
4. التنافس في الخيرات,
5. التناصح بالمعروف,
6. التراحم والمودة,
7. التحاسن بالقول.
ثالثًا-والإسلام أصل قواعد التعاون والتعايش بين الأمم مع تنوع انتمائها الديني والثقافي على مبدأين جامعين اثنين هما:
1. احترام حرية الاعتقاد. " لكم دينكم ولي دين ",
2. والتنافس في فعل الخير. " فاستبقوا الخيرات ".
رابعًا-وبالمقابل يقرر الإسلام أن العبادة نوعان:
1. عبادة روحية,
2. وعبادة عمرانية.
وأكد بشأن هاتين العبادتين المعاني التالية:
· أن العبادة الروحية من شأنها صقل النفس البشرية وتزويدها بمقومات التقوى والاستقامة والإخلاص في ميادين الحياة.
· وأن العبادة العمرانية من شأنها تنشئة الإنسان على الأخذ بأسباب العلم واكتساب المهارات, وحب العمل وإتقانه, والإبداع في تطوير وسائله وثمراته.
· وأن العبودية الخالصة الكاملة لله تعالى لا تتحقق إلا بالتكامل والتلازم بين العبادتين الروحية والعمرانية.. وبعبارة أخرى بالتكامل بين محاريب العبادة الروحية وبين محاريب العبادة العمرانية المشتركة بين الناس في ميادين إقامة الحياة وعمارة الأرض.
· وعلى هذا فإن ضاقت بالناس محاريب العبادة الروحية .. فإن العبادة العمرانية تتسع لهم على تنوع انتماءاتهم الدينية والثقافية والقومية والجنسية .. فهم بأمر ربهم ينبغي أن تتكامل إمكاناتهم ومهاراتهم في محاريب العبادة العمرانية من أجل النهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض وعمارتها وإقامة الحياة الآمنة في ربوعها.
خامسًا-والإسلام يقرر كذلك بأن المواطنة في الإسلام على درجتين:
1. مواطنة إقليمية,
2. ومواطنة عالمية.
وفي هذا الشأن يؤكد الإسلام أن الأمن الإقليمي والأمن العالمي أمران متكاملان ومتلازمان .. وأن مسؤوليات الفرد المسلم تجاه الأمن العالمي تتكامل مع مسؤولياته تجاه أمنه الوطني والإقليمي.. وأن مصالح الناس الإقليمية والعالمية ينبغي أن تصان على أساس من احترام سيادة المجتمعات والأوطان.. وعلى أساس من احترام حق التملك ,وصون مشروعية الانتفاع المتبادل بالمصادر الأساسية للحياة .. وأكد الإسلام كذلك قدسية العهود والمواثيق بين الناس لكونها الأساس الراسخ , والحارس الأضمن والأقوى لأمن المجتمعات واستقرارها وازدهارها.
" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " المائدة / 1
" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً " الإسراء / 34
" الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق " الرعد / 20
" وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " الأنعام / 152
" وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون" النحل / 91
سادسًا-والإسلام يقرر أن العالمية العادلة والعولمة الراشدة أمران متكاملان ومتلازمان في حياة الشعوب والمجتمعات .. فالعالمية بدون عولمة راشدة لقيم الخير والفضيلة والمصالح المشتركة .. تبقى آمالاً وقوالب تنظيمية لا حياة فيها .. والعولمة بدون نظام عالمي عادل يرشّدها ويضبط آلياتها ويحكم توازنات مصالح الأمم .. ويصون خصوصياتها الثقافية والحضارية .. تتحول إلى دمار وهلاك.. وإلى فساد في الأرض وإفساد لحياة الأفراد والمجتمعات.
والعولمة في الإسلام تعني عولمة الخير والفضيلة والمنفعة بين الناس .. والعولمة في الإسلام هي عولمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. أو بكلمة أخرى العولمة بالإسلام: هي عولمة كل ما تعين وجوب توفيره لصون قدسية حياة الإنسان وكرامته وحريته وممتلكاته .. وعولمة كل ما تعين خيره ونفعه لحياة الأفراد والشعوب .. وكل ما هو لازم لصون سلامة البيئة .. وأمن المجتمعات واستقرارها وازدهارها.. والعولمة في الإسلام : هي عولمة قيم الإيمان والعدل .. وعولمة حق التعلم وحق الصحة وحق العمل وحق توفير الكفاية للأفراد والمجتمعات.
سابعًا-يقرر الإسلام أن الدين والقيم الدينية الربانية تبقى المصدر الأساس لبناء الوجدان الإنساني .. وهي المؤثر الأقوى في صياغة ذهنية الأجيال وتوجيه سلوكياتهم .. والإسلام يقرر أن أصل الدين عند الله واحد,وأن التنوع الديني القائم بين الناس مصدره اختلاف فهومهم حول حقيقة الدين الرباني الواحد,وأن الاختلاف الجاري بينهم.. هو اختلاف أتباع لا اختلاف أنبياء .. ونحن أتباع القيم والشرائع والرسالات الربانية الخالدة.. مدعوون بأمر ربنا لأن نلتقي على كلمة سواء ترضيه جلّ شأنه ومن أبرز مرتكزاتها:
1. أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا,
2. وألا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دونه سبحانه,
3. وأن لا تمايز بين الناس إلا بالإيمان والتقوى وما سوى ذلك من تمايز فهو باطل.
ثامنًا- الإسلام يقرر بشأن التعامل مع الحالة القائمة من اختلاف بين أتباع الأديان بعامة قاعدتين أساسيتين أولاهما:
1. " لكم دينكم ولي دين ",
وهذه القاعدة الذهبية الربانية " لكم دينكم ولي دين " .. تعني لكم اعتقادكم ولنا اعتقادنا .. وأن الله سيفصل بيننا بشأن هذا الأمر في اليوم الآخر .. فينبغي ألا نتجادل بشأنها إلا بالتي هي أحسن .. وألا نجعل الاختلاف بيننا بشأنها مصدر نزاع وتصادم واقتتال .. وألا نجعل هذا الاختلاف يحول دون التعاون في ميادين الحياة:
" وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون " يونس / 41
" الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير " الشورى / 15
" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " العنكبوت/46
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " الحجرات/13
" إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد " الحج / 17
والقاعدة الثانية هي:
2. " فاستبقوا الخيرات ".
يؤكد الإسلام على أساس من هذه القاعدة الربانية العظيمة .. أن تنوع الرسالات وتنوع الشرائع الربانية.. ينبغي أن يكون منطلقًا للتعاون والتنافس في فعل الخيرات لحياة الناس .. وفي التعاون والتنافس في عمارة الأرض , وإقامة العدل, والسلام,والتنمية الراشدة في ربوعها:
" لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " المائدة / 48
" هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها .. الآية " هود / 61
" والأرض وضعها للأنام " الرحمن / 10
" من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيه وهم فيها لا يبخسون" هود/15
" هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " تبارك / 15
وختامًا..
أيها الزملاء المقدرون في هذا الملتقى الدولي المهيب .. لقد سمعتم ما قلت وما قاله غيري وسنستمع إلى المزيد بشأن مسائل الأمن والسلام العالمي .. ولكن أحسبكم تتفقون معي أن ما قيل وما سيقال في هذا الملتقى المبجل بشأن آمالنا وآلامنا.. قد قلنا مثله من قبل مرات ومرات كثيرة .. ومع تعاقب سنين عديدة .. إلا أن الواقع المؤلم لحياة المجتمعات البشرية وما يكتنفها من مشاهد مفجعة ضد قدسية حياة الإنسان وكرامته وممتلكاته .. وما يمارس من حروب وإبادات جماعية وإفساد للبيئة وكل مقومات الحياة .. يؤكد أن لا أثر لما نقول على مستوى الواقع .. وهذا مما يطعن بمصداقية وجدية تحاورنا .. ويشكك الأجيال البشرية بجدوى مؤتمراتنا.. فيحيل كلماتنا العذبة الرقيقة لديهم إلى دمى جميلة لا حياة فيها.
وبعد ..أما آن الأوان لأن نخطو خطوة عملية ما باتجاه التحرك والتعاون معًا لتغيير هذا الواقع المرير المدمر في حياة الناس .. إلى واقع يأمن الناس فيه على أرواحهم وحقهم في الحياة .. أما آن الأوان لأن نعمل معًا على كافة المستويات الرسمية والشعبية من أجل تصحيح المسيرة البشرية .. لتكون مسير عدل ورحمة وسلام .. وليتحقق التعايش والتعاون والتنافس بين المجتمعات في ميادين الفضيلة والخير والتنمية والازدهار؟
أرجو أن نوفق إلى ذلك .. والله المستعان .. وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل .. وشكرًا لكم.. والسلام عليكم .
بقلم
أ. د. حامد بن أحمد الرفاعي