



إشكالية الحرب .. والسلم
بل السلم .. السلم بكل تأكيد هو أصل العلاقة بين الخلائق كلها , فالسلم غاية ومطلب فطري عند الإنسان " فطرة الله التي فطر الناس عليها " , والحرب وسيلة طارئة تنشئها أسبابها ومبرراته بين المتحاربين , فإذا زالت الأسباب وانتفت مبررات الحرب عاد الناس إلى الأمن والسلام :
" فإن جنحوا للسلم فاجنح لـها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم " 61 / الأنفال
§ والسلم مشتق من اسم الله له قدسيته وإجلاله :
" هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار سبحان الله عما يشركون " 23 / الحشر
§ والسلم منسجم مع غاية الله في الكون :
" والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" 25/ يونس
§ والسلم منسجم مع مراد الله تعالى في تكريم بني آدم:
" ولقد كرمنا بني آدم " 70 / الإسراء
والتكريم هنا لبني آدم على الإطلاق , فهو لبني الإنسان بدون استثناء , ومن دون اعتبار لأي تمايز بينهم , فهو تكريم للجنس , والجنس يشمل المؤمن والملحد , ويشمل المسلم والكافر , ويشمل الألوان والأعراق , والذكورة والأنوثة , فالكل في تكريم من ربهم وخالقهم و وليس لأحد أن يسقط هذا التكريم عنهم إلا بأمر من الله سبحانه .
§ والسلم لغاية متسقة مع دعوة الإسلام , ومقاصد رسالته العالمية الخالدة , في نشر الرحمة بين الخلائق كلها :
" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " 107 / الأنبياء
§ والسلم هو المناخ المطلوب لتحقيق مراد الله تعالى من خلق الناس واستخلافهم في الأرض , من أجل عمارتها واستثمار مكنوناتها :
" هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" 61 / هود
§ والسلم هو التربة الزكية لتحقيق دعوة الإسلام في إقامة الحياة :
" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحكم " 24 / الأنفال
§ والسلم هو المناخ الملائم لتفعيل وشائج المودة والتراحم والتكافل والتحاسن والتناصح بين الناس, التي يؤكد عليها الإسلام ويرغب بها :
" ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " حديث شريف
" المتراحمون يرحمهم الرحمن " حديث شريف
" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " 8 / الممتحنة
" والله لا يؤمن , والله لا يؤمن , من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم" حديث شريف
والجار هنا كما قلنا سابقاً على الإطلاق دون اعتبار لأي تمايز ديني أو عرقي , أو جنسي , أو لوني.
" وقولوا للناس حسناً "
" ادفـع بالتي هي أحسن فأذ الذي ينك وبينه عـــداوة كأنه ولي حميم "
" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن "
§ والسلم يؤكد الآداب والمسلك الحسن مع غير المسلمين , وينسجم مع نهي القرآن عن التعرض لمعتقدات الآخرين بسوء :
" ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون" 108 /الأنعام
§ والسلم يوفر الظلال الوارفة للحوار والتدارس للتعارف بين الناس, من أجل معرفة الحقائق وإزالة غبش الضلال عن الحق المبين , الذي يؤكد عليه الإسلام :
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " 13 / الحجرات
§ والسلم : يأتي لينمي روح العناية بالآخر, واحترام مشاعره وعقله وتفكيره وعدم الاستعلاء عليه , وإشعاره بالندية والمشاركة في البحث عن الحقيقة والرشد :
" قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعل هدى أو في ضلال مبين" 24 / سبأ
ويتابع القرآن في تأكيد معاني المسلك الحسن , وتخير العبارات التي تليق بالمحاور المسلم , ويستحقها العقل البشري المكّرم من الله تعالى جلّ شأنه:
" قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون " 25 / سبأ
وتأكيدا على نهج التعاون مع الآخر في البحث عن الحقيقة , وجعله شريكاً في تحقيق هذه الغاية السامية , التي تنسجم مع نعمة
العقل , التي تمثل أبرز سمات التكريم الرباني لبني آدم , يأمر القرآن نبي الإسلام ورسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه بالتزام هذا المنهج العظيم بقوله سبحانه :
" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " 64 / آل عمران
وانظر أخي القارئ رحمني الله تعالى وإياك إلى هذه الخاتمة الرقية التي انتهت إليها الآية العظيمة " فاشهدوا بأنا مسلمون " , فقط المطلوب من هؤلاء الذين يرفضون دعوة التحاور, أو يرفضون قبول دعوة الالتقاء على حقيقة إفراد الله تعالى بالألوهية والربوبية , وعدم الشرك به , ويرفضون الدعوة إلى تكريم الإنسان , وتحريره من العبودية لغير الله , أجل المطلوب فقط بعد كل هذا الإعراض , وبعد كل هذا التلطف معهم واحترام عقولهم وآدميتهم , أن يشهدوا للمسلم بأنه مسلم ,وأنه قد بلّغهم ما لديه من هدى الله " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " , وقد حدثني أحد الاخوة أن هذه الآية كانت – بفضل الله – سبباً لدخول أحد المفكرين الغربيين في الإسلام , عندما ترجمت له , وشرحت شرحاً مبيناً , أخذ يردد : فقط , فقط هذا هو المطلوب من غير المسلم إن اختلف مع المسلمين بشأن مسائل الإيمان والاعتقاد ..؟ فقيل له: نعم هذا فقط المطلوب , وليس هناك شئ آخر سواه , فقال حقاً إن هذا لخلق عظيم , وإنه لمختلف جداً عما ما كنت علمت , وأخبرت به من قبل , طبعاً ما كان أبلغ به من قبل : أن من يرفض الإسلام فخياره الثاني القتل , أو دفع الجزية على حد فهم أصحاب مقولة جهاد الطلب !! ؟ وعلى حد زعم من يروجون لنظرية جهاد السيف والقتال, كأصل دائم لعلاقة المسلمين بغيرهم , وأن لا سلم للآخرين إلا باعتناق الإسلام , أو دفع الجزية وهم صاغرون بين يدي المسلمين ..!!؟ دون إعطاء إي اعتبار لحالة السلم الذي هو أصل العلاقة بين الناس بأمر ربهم وخالقهم سبحانه كما بينا آنفاً , ويصرون على أن الحرب والقتال هو أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم , حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمد رسول الله , فإن شهدوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم وسلموا , وهم يؤصلون فهمهم هذا على الحديث الصحيح المشهور, الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وعمر وابن عمر/ بخاري ومسلم
ورغم أن هذا الحديث الشريف فيه أقوال ترده وتضعفه , إلا أنه متفق على صحته في كتب الصحاح وعند الشيخين , ولكنه ورد بروايات مختلفة من أشهرها روايتان :
الأولى : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "
والثانية : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا – وفي رواية أخر حتى يشهدوا – لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله – وفي رواية أني رسول الله – فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "
وهذا يعني أن الحديث صحيح بروايتيه عند الشيخين رغم غرابته عندهم وعند البعض , كما أن البعض كما أسلفنا قال بتضعيفه , والحديث من جهة أخرى يتعارض مع نصوص قرآنية محكمة قطعية الدلالة , مثل قول الله تعالى:
" لا إكراه في الدين " وهي آية محكمة غير منسوخة , كما يؤكد ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى وأرضاه , وغيره من أئمة المسلمين ومن جمهور علماء الأمة رحمهم الله جميعاً وأرضاهم. ولتعارضه مع قول الله تعالى :
" ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " 99 / يونس . ولكون هذا الحديث يتعارض مع قوله تعالى :
" وقاتلوا في سبيل اللــــه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " , ولتعارضه أيضاً مع آيات وأحاديث أخر كثيرة.
لذا لا بد من البحت عن عوامل التوفيق بين هذا الحديث وبين غيره من الأحاديث , والتوفيق بينه وبين آيات القرآن الكريم التي يتعارض معها وهي كثيرة , وبين يدي الوصل إلى هذه الغاية الجليلة أقول بداية ما يلي :
§ إن عبارة " الناس " عند أهل العلم إذا أطلقت , تعني بني آدم كلهم " قل أعوذ برب الناس , ملك الناس , إله الناس " ,وفي هذا الحدث يرى كثير من أهل العلم أنها جاءت خاصة بمشركي أهل الجزيرة العربية " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " 173 / آل عمران .
§ فعبارة " الناس " في هذه الآية تعني مشركي العرب , الذين حشدوا قواهم لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم , وتعني أيضاً شخصاً واحداً " الذين قال لهم الناس " قال بعض المفسرين وأهل العربية: ( إن لفظ الناس هنا أطلق على نعيم بن مسعود وأبو سفيان, وجعلوه شاهداً على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله , وإطلاق لفظ الناس مراد به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام , ومن قوله تعالى " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" قال المفسرون : يعني بلفظ " الناس " محمداً صلى لله عليه وسلم)
التحريروالتنويرللطاهرابن عاشور
§ وعلى هذا فعبارة " الناس " في آية " الذين قال لهم الناس .. " تعني ( نعيم بن مسعود ) فهو الذي نقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر حشد قريش لقبائل العرب لقتاله , فقال عليه الصلاة والسلام : " حسبنا الله ونعم الوكيل " .
§ والجزيرة العربية , والعرب لهم خصوصيتهم في الإسلام , فالعرب هم الذين اختار الله منهم نبيه وخاتم رسله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , واختارهم سبحانه لمسؤولية حمل أمانة الرسالة الخاتمة للناس " وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون " 44 / الزخرف , والجزيرة العربية هي الحصانة الجغرافية لعقيدة الإسلام وسلطان شرعته , فلا يجتمع فيها دينان , ولا يسود ويشهر ويحكم فيها إلا دين الإسلام " لا يجتمع في جزيرة العرب دينان " البخاري
§ وحديث " أمرت أن أقاتل الناس .. " فقد فهمه الكثير من أهل العلم على أن لفظة " الناس " فيه يقصد بها مشركي العرب دون غيرهم من الناس , وأن لفظة " أقاتل " فالمقصود منها هنا مقاتلة من يبدأ بقتال المسلمين من مشركي أهل الجزيرة العربية , حتى يخضعوا لسلطان الله , حيث لا سلطان لغير الله فيها .
ولكن قد يسأل سائل هنا فيقول : وهل مشركو العرب مستثنون من قاعدة " لا إكراه في الدين " حتى يأمر الله رسوله بقتالهم ليقولوا لا إله إلا الله ..؟
لا شك أنه سؤال مشروع وموضوعي, وجدير بالتأمل والتفكر,لأن الآية بكل تأكيد مطلقة ولا استثناء فيها , يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه السياسة الشرعية: تعليقاً على من يقول بنسخ هذه الآية " أنها ليست منسوخة ولا مخصوصة وأن النص عام " , والجواب بعد تأمل هو بالنفي : لا.. فالعرب ليسوا مستثنين من قول الله تعالى " لا إكراه في الدين " فلا يكره أحد منهم على الإسلام عقيدة وإيماناً , ولكنهم مطالبون استثناءً دون الناس أن يخضعوا لسلطان الله " فلا إله إلا الله " هنا تعني الخضوع لسلطان الله ممثلة بإمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم , لأن الجزيرة العربية بأمر من الله تعالى لا يسود فيها إلا سلطان الله وشرعة الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يجتمع في الجزيرة دينان "البخاري .
وعلى هذا الأساس رفض رسول الله تعالى أن يقاتل المنافقين من
أجل نفاقهم عندما طلب الصحابة ذلك , وهو يعلم يقيناً أنهم منافقون , وذلك لكونهم يعلنون ولاءهم لسلطان الله وإمامة الإسلام , ويكتمون الكفر والنفاق ولا يعلنونه ,أي أن التزامهم وخضوعهم لسلطان الولاية المسلمة , هو الذي منع الرسول من قتالهم , بل سماهم أصحابه حيث قال عليه الصلاة والسلام :
" حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه " مسلم.
وفي هذا السياق قبلت الإمامة المسلمة في الجزيرة العربية من بني تغلب دفع الجزية , وأن يبقوا على ما هم عليه من اعتقاد , ما داموا خاضعين لسلطان الله وإمامة المسلمين , حتى عندما رفضوا أن يدفعوا الجزية بمسماها الشرعي أنفة منهم , فقال أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه : لا بأس فليدفعوها, ولهم أن يسموها بما شاءوا ,لأن المطلوب منهم , هو الخضوع لسلطان الله وإمامة المسلمين " فليدفعوها تحت أي مسمى " , لأن دفع الجزية بحد ذاته رمز ومعيار لخضوعهم لسلطان الله تعالى في الجزيرة .
واليهود في يثرب " المدينة المنورة " منذ البداية وقعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق مواطنة , في إطار الخضوع لسلطان الله ممثلاً بإمامته عليه السلام , مع بقائهم على دينهم دون أن يكرهوا على اعتناق الإسلام , وأعطاهم الرسول عليه السلام حقوقهم الدينية كاملة , وأصبحوا بذاك العقد جزءاً من الأمة المسلمة " هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب , ومن تبعهم فلحق بهم و وجاهد معهم , إنهم أمة واحدة من دون الناس " / سيرة بن هشام .
ولكنهم لما نقضوا هذا الميثاق , وتآمروا مع بعض قبائل العرب على محاربة سلطان الله وإمامته في الجزيرة , قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنقضهم الميثاق , وللخيانة العظمى التي مارسوها في تحالفهم مع الأعداء , من أجل محاربة دولة الإسلام , وتقويض سلطان الله تعالى , وهذا مما يخالف وينقض نصوص وثيقة المواطنة , التي أبرموها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , والتي جاء فيها " وإن بينهم النصر على من داهم يثرب " , واليهود ليس فقط نقضوا هذا النص , الذي يؤكد على التناصر بين موقعي الوثيقة في مواجهة من يهاجم أو يحارب يثرب , فقعدوا عن نصرة المسلمين التزاماً بنص الميثاق , بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك فتحالفوا مع المعتدين وحاربوا معهم , ناقضين بكل غدر وخيانة العهد والأمانة , مما هو شأنهم في كل زمان ومكان " الذين عاهدت منهم وينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكّرون" 56, 57 / الأنفال.
فكان ذلك الغدر الخسيس, وتلك الخيانة العظمى , والخروج على العهد والميثاق سبباً لمعاقبتهم بالقتال .
ومن جهة أخرى فإن إحدى الروايتين المشهورتين والصحيحتين نفسها تنص على " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله فإن قالوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها ", يحمل في نصه الدلالة على أن قتال المشركين في جزيرة العرب , يكون فقط إذا قاتلوا المسلمين وأعلنوا الحرب على الإمامة المسلمة , وقتالهم في هذه الحالة يكون رداً لعدوانهم ومن ثم من أجل إخضاعهم لسلطان الله , وليس من أجل إكراههم على اعتناق الإسلام .
أما الدعوة إلى الإسلام معهم فتبقى بالحكمة والحجة والبرهان والصبر والمصابرة , حتى يعتنقوا الإسلام رغبة وترغيباً وطواعية, فإن بادروا المسلمين بقتال واعتداء لبصدوهم عن سبيل الله , قاتلهم المسلمون رداً لعدوانهم وبغيهم لا من أجل إكراههم على الإسلام .
§ وعبارة " أقاتل " التي وردت في الحديث تقتضي المفاعلة والمشاركة , وقد ذكرت هذا المعنى من قبل في بعض كتبي مثل كتاب " الإسلام ومنطلقات المشترك الحضاري البشري " بدون أن أؤيد هذا الرأي حينها بقول أو فهم لأحد السلف , لأني لم أعثر على مثل هذا من أقوال السلف , فيما اطلعت عليه من كتب التراث, ولكنني كنت شديد الاقتناع بهذا الرأي , على أساس من سياق آيات القتال في القرآن الكريم , وفي إطار المفهوم العام لفقه الجهاد العظيم , إلا أنني وفقت أخيراً – ولله الحمد – إلى العثور على أقوال لأهل السلف مما يؤيد ما هداني الله تعالى إليه من فهم بهذا الشأن , وقد ذكرت تلك الأقوال فيما سبق عند التعامل مع موضوع إشكالية الجهاد والقتال من هذا الكتاب , ومنها قول ابن تيمية رحمه الله غي كتابه السياسة الشرعية " لأن القتال لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله فلا يباح قتلهم لمجرد الكفر ".
§ ومن جهة ثانية فإن الحديث كما ترون ينص في روايته الثانية على الشطر الآخر من شهادة الإسلام " وأن محمداً رسول الله " وهذا يعني أن المقاتلة تكون للمقاتلين من مشركي الجزيرة العربية , الذين يرفضون الخضوع لسلطان الله ممثلاً برسول الله عليه الصلاة والسلام , ويعززون رفضهم بالبدء بمقاتلة المسلمين من أجل ألا يخضعوا لسلطان الله المتمثل بقول " لا إله إلا الله " , فلا إله إلا الله , تعني بأن لا سلطان , ولا خضوع , ولا انقياد في جزيرة العرب لغير الله , فإن خضع الناس فيها لقول " لا إله إلا الله " فقد خضعوا لسلطان الله وإمامة المسلمين , فيكونون بذلك قد عصموا دماءهم وأموالهم , لأنهم سيصبحون مع هذه الحالة مواطنين في دولة الإسلام , لهم حقوقهم وواجباتهم التي يقررها عقد المواطنة.
وعلى أساس من هذا الفهم ينتفي بتقديري التناقض بين قول الله تعالى : " لا إكراه في الدين " وبين قول رسول الله عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها " وحقها بفهمي يعني هنا : السمع والطاعة لسلطان الله وإمامة المسلمين , والتزام مواثيق المواطنة التي تنشئها الإمامة المسلمة معهم في ظل سلطان الله .
وبعد فإن هذا الاستطراد المطول تعقيباً على فهم بعض المسلمين بشأن أن أصل العلاقة ما بين المسلمين وغيرهم هو الحرب , وأن خيار غير المسلمين مع الحرب أمران : إما اعتناق الإسلام , أو إعطاء الجزية , إنما جاء لنؤكد من خلاله وكما مر معنا , أن الأمر مع الحرب إن توفرت أسبابها الشرعية ليس هكذا على الإطلاق ( إسلام أو جزية ) , بل فيه بيان وتفصيل وفيه حالات وأحوال , ومن ذلك البيان والتفصيل :
§ هناك فرق في الأحكام بين حالة التعامل مع غير المسلمين في جزيرة العرب , وحالة التعامل معهم في غيرها من البلدان , ففي جزيرة العرب :
1. ينبغي ألا يبقى إلا دين الإسلام,
2. ولا يسود فيها إلا سلطان لله وشرعة الإسلام,
3. ولا تقام ولا تشهر فيها معابد لغير المسلمين,
4. ومكة المكرمة محرم على الكفار والمشركين دخولها,
5. والحرم المكي له أحكامه الخاصة بحدوده المحلية والدولية.
§ وهناك فرق في الأحكام في حالة التعامل مع غير المسلم إن كان كتابياً أو غير كتابي ,
§ وكذلك هناك فرق في الأحكام في حالة التعامل مع غير المسلم إن كان محارباً , أو إن كان مسالماً , أو إن كان معاهداً .
ورغم هذا البيان حول تغير الأحكام مع غير المسلمين تبعاً لتغير أحوالهم ومواقفهم , وتبعاً لتغير الزمان والمكان , مما هو معروف لدى أهل العلم , ومما لا يتسع المقام للدخول في تفصيلاته تجنباً للإطالة , ومن أراد الاطلاع فليعد إلى أمهات المراجع المعنية فسيجد الكثير , مما يؤكد ما أشرنا إليه من تغيرالأحكام مع تغير الأحوال , أجل رغم كل ذلك فإن بعض المسلمين يصرون على حصر الجهاد بالقتال , ويقولون أن القتال كلمة مرادفة للجهاد, فحيثما قيل الجهاد فهو – بزعمهم – القتال , ولا شئ غير القتال مع غير المسلمين كافة دون تمييز , فالقتال والحرب – عندهم - هو أصل العلاقة مع غير المسلمين .
وهذا مما يتعارض مع نهج سياق القرآن الكريم ومقاصد رسالته الربانية السمحة , ومما يتناقض مع نهج رسول الإسلام سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم , والذي فصلنا فيه تفصيلاً أحسبه كافياً , لإزالة مثل هذا الفهم الخاطئ والشاذ عند – بعض المسلمين - بشأن فقه الجهاد ومقاصده السامية , ويشأن فقه أصل العلاقة مع غير المسلمين , والذي نؤكد فيه أن أصل العلاقة مع الناس هو السلم , وأن الحرب حالة استثنائية تملها أسبابها ومبرراتها الشرعية ويزول بزوالها, وللتأكيد نذكر بما نقلناه عن ابن تيمية رحمه الله تعالى من كتابه رسالة القتال بهذا الشأن حيث يقول : " وهذا ما يؤكد أن الأصل مع الكفار السلم لا الحرب , ولو كان الأصل الحرب لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدؤهم بذلك , والمتواتر من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يبدأ أحداً بالقتال " .
وبعد فإن مما ينبغي أن يؤكد عليه ونحن نعرف الناس بالإسلام , أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم , وأن الحرب والقتال وسائل مشروعة من وسائل الجهاد, تبدأ مع مبرراتها وهي العدوان والبغي, وتزول بزوال هذه المبررات .
بقلم
من كتابه ( شركاء ... لا أوصياء ) الفصل التاسع