


|
|
|
المقدمة
إلى
أصحاب
المعالي والسعادة :
فإنه ليسعدني
أن أخاطب هذا الملتقى المهيب من القيادات
الدينية والفكرية والسياسية من أنحاء العالم
, مثلما يسعدني التدارس معهم الأهداف النبيلة
المتعلقة بمصالحنا المشتركة.
أصحاب
المعالي والسعادة :
إنني على
قناعة بالغة بأن الحالة العالمية الراهنة
بحاجة ماسة لمثل هـــذا اللقاء المحترم من
القيــــادات الحكيمــــة والمتبصرة
والمنصفة , ليتأملوا معاً الظاهرة
الاستثنائية لحالة العدوان والعنف والفساد
التي نواجهها على امتداد العالم.
أصحاب
المعالي والسعادة :
هل توافقون
معي بأن حيـــاة الإنسان , وكرامتـه , وحقوقه ,
وحريته , وصحته , والغذاء , والماء والبيئة من
حوله في خطر ؟
ومن جهة أخرى
هل تشعرون كما أشعر بأن هناك خللاً كبيراً في
القيم والأخلاق والسلامة والأمن والاستقرار
في عالم اليوم ؟
ألا ترون
بأننا نعيش في غابة موحشة ؟
ونسبح في بحر كبير من سفك الدماء ؟
بل نعاني من محرقة كبيرة شاملة ؟
زملائي
الأعزاء :
أحسب أننا
هنا من أجل أن نتأمل معاً ما هو مصدر هذه
الكارثة البشرية ؟
دعونا نبحث
ونتدارس ما هو السبب الجذري لكل هذه الشرور
والمفاسد ؟
دعونا نستكشف
السبب الجوهري للصراع الإسرائيلي –
الفلسطيني باعتباره أسوأ حالة قي المأساة
البشرية العالمية .
هل هو نتيجة
طبيعية لنظرية حتمية الصراع بين الأديان
والثقافات والحضارات التي قال به البعض
!!! ؟
وهل هو مرحلة
عادية من حياة البشر باتجاه مقولة نهاية
التاريخ التي قال بها شخص ما من قبل !!! ؟
لا أحسب أن
الأمر كذلك .. ولا أحسب أن عاقلاً ينبغي له أن
يفكر على هذا النحو .. أحسب أنه نوع من غياب
الوعي .. بل إنه على الإطلاق نوع من الجنون أن
يفكر أحد على هذا النحو .
ليس هناك شئ
اســـمه حتمـــية الصــراع
بين الثقافات والحضـــارات .. مثلما أنه
ليس هناك نهاية للتـــــاريخ قبل يوم البعث ..
فالتاريخ مرتبط بحركة الإبداع العلمي للعقل
البشري التي لا نهاية لها إلا مع يوم الآخرة .
أصحاب
المعالي والسعادة :
من جهتي أحسب
بل وأعتقد بأن المصدر الأساس والجذر العميق
لكل الشرور والمفاسد التي نعاني منها في
حياتنا المعاصرة , إنما مرده لغـــياب
العـــدل بين الناس والمجتمعات على
امتــــداد الأرض .. وقضية الصراع الإسرائيلي
– الفلسطيني ينبغي أن تفهم في هذا السياق ..
أحسب أنها أسوأ حالة للظلم في العالم .
لذا
فإنني أرى أن أقصــر السبــل العملية ,
وأفضلها لعلاج هذه المسألة , ووضع حد لكوارثها
, هو التزام العــدل بشأنها .. وعلينا أن نكون
واثقين بأن لا سلام بدون عــدل .
شكراً
والسلام عليكم
![]()

|
|
|
أولاً
- المداخلات
:
بداية
أود أن أعبر عن بالغ شكري وتقديري لزميلي
العزيز مستر إلبرت على بحثه الجيد والمفيد
حول الجانب التاريخي للقدس . وأستأذنه بإضافة
حقائق أساسية بهذا الشأن وهي :
1.
أن المسجد الأقصى قد بناه أدم
عليه السلام , ثم أعاد بناءه إبراهيم عليه
السلام , وهذا ببساطة يعني أن المسجد الأقصى
أقدم مكان مقدس في فلسطين , ومعروف قبل جميع
الأنبياء عليهم السلام.
2.
وأن القبائل العربية كانت أول
من قطن فلسطين , حيث أن القرآن الكريم يذكرنا ,
بأن الإسرائيليين الذين أمنوا برسالة موسى
عليه السلام رفضوا أن يدخلوا فلسطين , عندما
طلب إليهم ذلك بحجة أن فيها قوماً جبارين (
الفلسطينيين ) , وأنهم لن يدخلوها حتى يخرج
هؤلاء الجبارين منها , جاء ذلك في قول الله
تعالى على لســــان موسى عليـــه السلام : (
يا قومي ادخلوا الأرض المقدســة التي
كتبها الله لكم ولا ترتدوا على أعقابكم
فتنقلبوا خاســرين , قالوا
يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنّا لن ندخلها
حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا
داخلون ) 5 / 20 – 21.
3.
المسلمون يحترمون كل معابد
الأديان الربانية , لأنهم يؤمنون بكل أنبياء
الله ورسله وكتبه ,
فالمسلمون على أساس من ذلك , ليس لديهم أي
مشكلة دينية مع أتباع الأديان الربانية .
4. بما يخص ما قاله الزميل ديــفد بأن من حق إسرائيل أن تتخذ القدس عاصمة لدولة إسرائيل , أسوة بالسعودية التي تتخذ من مكة المكرمة عاصمة لها .. فإنني أود توضيح هذا اللبس على النحو التالي :
·
لم تتخذ مكة المكرمة قط
عاصمة لأي دولة مسلمة عبر التاريخ الإسلامي
كله.
· والعهد السعودي التزاماً بهذا العرف الإسلامي , لم يتخذ مكة المـــكرمة عاصمــة له , ومعروف أن عاصمته الرياض منذ التأسيس ولا تزال.
ثانياً
– التعليقات :
1.
أؤيد ما قاله الزميل المحترم /
مستر ألين : بأن على كل من الإسرائيليين
والفلسطينيين أن يمضوا معاً يد بيد .. ولكن
علينا أن نعتـــرف ونـــدرك بأن هناك فرقاً
كبيراً بين اليد الحرة واليد المغلــــولة ..
علينا أن نعتــــرف بأن الشعـــب الفلسطيني
اليوم محتل , وليـــس هنــــاك إمكانــية
للمقارنة بين إرادة مكبلة بالاحتلال ,
وإرادة حرة تمارس هذا الاحتلال وتفعل ما
تشاء .
2.
أحسب أن احتلال الأراضي
الفلسطينية , هو
السبب الرئيس للعنف وسفك الدماء الجاري بين
الإسرائيليين والفلسطينيين .
3. هناك مثل صيني يقول : ( دع الأزهـار تتفتح ) .. وأحسب أن أزهــار هـــذا المتقى قد تفتحت صــباح هذا اليوم .. إنها حالة إيجابية .. إنها نوع من الشفافية المطلوبة .. وأرجو في مثل هذا المناخ المريح للنقاش , أن أعبر بصراحة عن وجهة نظري فيما يخص الأســــباب الجوهرية للمشكلة بين الشــعب الفلسطيني واليهود , وأعتذر سلفاً إن كنت صريحاً بالقدر الذي قد لا يريح زملائي اليهود .. وعلى أي حال نحن هنا من أجــل التعارف .. ومن أجــل تأمل مفاهيمنا المتبادلة .. وبنفس الوقت سأرحب بكل سعة صدر بردود الفعل حيال ما سأذكره :
أ
– أحسب أنه من الخطأ عندما يصر اليهود على
اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار .. وأن بقية
البشر من الدرجة الثانية .. نعم أنا أعرف أن
القرآن الكريم قد ذكر بأن الله تعالى قد فضلهم
على العالمين , وذلك عندما خاطب الله تعالى
الفئة المؤمنة من بني إسرائيل وذكرهم بنعمة
الإيمــان وأنه فضـــلهم عــــلى
العالميـــن : حيث يقـــول الله تعــــالى : ( يا
بني إسرائيل اذكر نعمتي التي أنعمت عليكم
وأني فضلتكم على العالمين ) 2 / 47.
ولكن
علينا أن نفهم حقيقة هذا التفضيل .. إنه تفضيل
إيماني وليس تفضيل عرقي أو قومي .. لأن الله
تعالى قد فضل كل المؤمنين به وبرسله صلوات
الله عليهم جميعاً , حيث يقول سبحانه : ( إن
الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين ) 3 / 33 . وهذا بوضوح يعني أن
الله تعالى قد اصطفى كل هذه الفئات من أجل
إيمانها لا من أجل قومياتها .
ب
– ومن الخطأ أيضاً أن يصروا على إيمانهم بأن
فلسطين هي الأرض المقدسة التي منحهم الله
تعالى إياها .. نعم إنني أعلم أن القرآن الكريم
قد ذكر ذلك على لسان نبي الله موسى عليه
الســلام , الذي خاطب الفئة المؤمنة من بني
إسرائيل قائلاً : ( يا قومي ادخلوا الأرض
المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على
أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) 5 / 21 . هذه الآية
تعني أن الله تعالى قد كافأ الفئة المؤمنة من
بني إسرائيل التي آمنت بموسى عليه السلام
واتبعت هديه الرباني , علماً بأن طائفة كبرى
منهم قد كفرت بموسى وهديه وتمردت عليه ,
فيومئذ أذن الله تعالى للفئة المؤمنة منهم
بالدخول إلى فلسطين , التي جعلها الله تعالى
مـلاذاً لكل المؤمنين في ذلك الزمان .
ج
– وهم كذلك على خطأ كبير عندما يعتقدون
ويقررون , بأن حق العبادة في الأماكن
المــقدسة , ينشئ حــق التملك لها وللأرض من
حولها .. وهذا يعني أن حق العبادة في مقدساتهم
في فلسطين , يعطي الحق لكل اليهود ومن مختلف
الجنسيات في العالم حق تملك فلسطين والعيش
فيها .. ويمكن لكل منا أيها الزملاء أن يتصور
ماذا يحدث لو طبقت هذه القاعدة في العالم ..!!!؟
علينا أن نتخيل الحالة لو أن جميع
المسيحيين في العالم , جاءوا ليعيشوا في
فلسطين وفي بيت لحم بحجة أن المسيح عليه
السلام ولد هناك ..!!؟ وعلينا
أن نتصور الحال لو أن كل مسلم في العالم توجه
إلى فلسطين , ليتملك أراضيها ويعيش هناك بحجة
أن القدس الشريف قبلة المسلمين الأولى , ومسرى
رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم ومنطلق
معراجه إلى السماوات العلا .. أو أن المسلمين
جميعاً توجهوا إلى السعودية , ليتملكوا أرضها
والعيش هناك بحجة وجود الكعبة المشرفة , وأنها
قبلتهم قي صلواتهم وشعائرهم الأخرى ..!!!؟ ..
ولنا أن نتخيل الأزمة الكبرى , لو زحف
البوذيون من أنحاء العالم ليضيفوا ملايين
جديدة إلى بكين عاصمة الصين بحجة أن بوذا
مدفون بضواحيها ..!!!؟ ولنا
أن نتصور مثل ذلك بشأن أتباع كل ديانة وماذا
ستكون الحالة في العالم .. ولمن
سيترك الفراغ في باقي الكرة الأرضية لو طبق
مثل هذا الاعتقاد العنصري
؟
د
– وتصوروا معي كم هو خطأ الإسرائيليين وهم
يصرون على عدم التـفــــريق بين الهـــوية
القومـــية , والهــــوية الديــــنية للشعب
اليهــــودي .. ويصــــرون على أن لكل يهــودي
من أي جنسية في العالم , كامل حقوق المواطنة في
فلسطين , وعلى حساب المواطنين الأصليين من
الشعب الفلسطيني ..؟
ه
– والخطأ الأكبر الذي يصر عليه الإسرائيليون
أن المسجد الأقصى قد بناه المسلمون على قواعد
الهيكل !!!؟ وهذا
ادعاء لا أساس له من الصحة , ويفتقر إلى الحجة
والبرهان .. لأن القرآن الكريم يذكر لنا أن
الله تعالى , قد أسرى برسوله محمد صلى الله
عليه وسلم من مكة المكرمة , إلى المسجد الأقصى
, حيث يقول الله تعالى : ( سبحان الذي أسرى
بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى الذي باركنا من حوله لنريه من آياتنا
إنه هو السميع البصير ) 17 / 1 .
ومن
جهة أخرى فإن رسول الله محمد صلى الله عليه
وسلم قد طلب من المسلمين , أن يتوجهوا إلى
المسجد الأقصى في صلاتهم , قبل أن يتلقى
التـــوجيه من الله تعالى بالتحـــول إلى
الكعبـــة المشرفة في مكة المكرمة
.. وأن ذلك كله حدث قبل أن يأتي المسلمون
إلى القدس وفلسطين . مما يؤكد أن وجود المسجد
الأقصى في فلسطين سابق للإسلام , وسابق لوجود
المسلمين فيها .
وختاماً
أحسب أن كل ما ذكر آنفاً من مفاهيم ومعتقدات
لدى اليهود , هي السبب الأساس لعزلتهم
وصراعاتهم مع شعوب العالم عبر التاريخ .
لذا
فإنني أدعو زملائي اليهود أن يعيدوا النظر في
هذه الادعاءات غير المعقولة .
*
أما تعليقي على ما ذكـــره الزميل الدكتـور
محمد أركون عن الأصولية , وقد أحالنا إلى
كتابه ( من الأصولية إلى العدم ) , ثم وجه
الخطاب إليّ شخصياً قائلاً بالعربية : إنني
أوجه هذا العنوان إلى الدكتور الرفاعي خاصــة
( من الأصــولية إلى العدم ) لكونه قادم من
السعـــودية , وقد سمعتم أنني قلت له على
الفور وبالإنكليزية (Once
(again
please مرة ثانية من فضلك , ليكون
الحديث للجميع , تأكيداً مني على قبول التهمة
والتشرف بها لكونها الحقيقة .. نعم أنا قادم من
السعودية , وأنا متمسك وأعتز بأصول وثوابت
عقيدتي وثقافتي .. ولي أن أتساءل هل يوجد أحد
في هذه القاعة بدون عقيدة وثقافة .. وهل لدى
أحد من الحضور استعداد للتخلي عن أصول عقيدته
وثوابت ثقافته ؟ ولا أحسب الأخ محمد أركون
نفسه يقبل بأن يتهمه أحد بأن ليس له أصول
عقدية وأن لا ثوابت ثقافية لديه .. إلا أن
الإشكالية عند الأخ أركون وأمثاله هي إشكالية
( المصطلحات وتحديد مفاهيمها ) , وأحسبه سيوافق
معي وكذلك حضراتكم إذا قلت : أن هناك فرقاً
كبيراً بين الأصولية من حيث كونها التمسك
بالأصول والثوابت العقدية والثقافية , وبين
التعصب والتطرف في ممارسة الأصول والثوابت
على حساب وجود الآخر واحتقاره , فالأول أمر
محمود ومطلوب والثاني ( أي التطرف والتعصب )
فهو ممقوت ومرفوض .. لذا أقترح على الأخ أركون
أن يغير عنوان كتابه ليكون : ( من التطرف
والتعصب إلى التيه والفشل ) فصفق الجميع مع
ضحكة عالية .
الأستاذ
الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي
رئيس
المنتدى الإسلامي العالمي للحوار
جينيف
– سويسرا
25
ربيع الثاني 1424 هـ الموافق 25 حزيران 2003 م