قدسية الحياة

الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم .. واصطفاه وكرَّمه بنعمة العقل والإرادة والاختيار.. وشرَّفه بالنهوض بمهمة أمانة الاستخلاف في الأرض.. وسخّر له ما في السموات والأرض من أجل عمارتها وإقامة الحياة العادلة الآمنة في ربوعها.. والحمد لله رب العالمين الذي كرَّم أمتنا فبوأها مواقع الوسطية بين الأمم .. وشرَّفها بمهمة الشهود الحضاري على الناس .. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين .. إمامنا وحبيبنا وقرة أعيننا .. نبينا ورسولنا الهادي البشير .. سيدنا محمد بن عبد الله .. رافع لواء العالمية العادلة في الأرض .. ورائد العولمة الراشدة بين الناس .. وأصلي وأسلم على آل بيته الأخيار الأطهار وعلى جميع صحابته الغر الميامين الأبرار. . والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله ورسله.. أما بعد:

فإن الإنسان يبقى محور وجود هذا الكون .. خلقه الله تعالى في أحسن تقويم ..وكرّمه وفضّله على كثير من خلقه .. وحمّله أمانة الاستخلاف في الأرض .. فهو الآمر الناهي فيها بأمر ربه سبحانه.. وقد بسط بين يديه سبل الهداية والرشد ورغبه فيها .. وأبان له سبل الغواية والضلال وحذره منها .. ومنحه حق الاختيار .. فإما شاكراً .. وإما جاحداً كفوراً وأرسل سبحانه رسله وأنبياءه مبشرين ومنذرين ,من غير سيطرة على الناس ولا إجبار, فهم أحرار فيما يختارون لحياتهم , وأحرار فيما يعتقدون " فذكّر إنما أنت مذكّرٌ* لست عليهم بمسيطر ". 21 -22 / الغاشية .. ومنَّ الله تعالى على الإنسان بجملة من الكرامات والقداسات منها:

·    قدسية كرامته " ولقد كرّمنا بني أدام "70/الإسراء

·   وقدسية حياته "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما  قتل الناس جميعاً " 32/المائدة

·    وقدسية ممتلكاته " إن دماءكم وأموالكم بينكم حرام  " حديث

·    وقدسية  حريته  "  وما أدراك ما العقبة فك رقبة   " 12, 13/البلد

·    وقدسية اختياره " لا إكراه في الدين " 256/البقرة

·    وقدسية سد عوزه وفقره " وإطعام في يوم ذي مسغبة " 14/البلد

·    وقدسية وحدة الأسرة البشرية " يا أيها الناس إن أباكم واحد " حديث

·    وقدسية وحدة مصدر الإيمان  " يا أيها الناس إن ربكم واحد " حديث

·    وقدسية العدل بين العباد " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " 90/النحل

·    وقدسية السلام بين العباد " والله يدعو إلى دار السلام " 25/ يونس

·    وقدسية سلامة البيئة : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " 56/الأعراف

هذه إحدى عشرة قداسة قررها ربنا جلّ شأنه , لتكون المنظومة الربانية الخالدة, تقام بها وعلى أساس منها حياة الأفراد والمجتمعات,وعلى أساس منها والتزام قيمها وضوابطها تصرّف حياة الناس ومصالحهم,فهي المصدر الأساس لشرعة حقوق الناس, والمعيار الثابت لضبط مسؤولية النهوض بواجباتهم .. وهي السبيل الراشد لتعايش بشري عادل وآمن.

ذات مرة حدث خللٌ اُنتهكت به قدسية كرامة الإنسان , يوم أن لطم ابن حاكم مصر إذاك فتىً قبطيًا تفوق عليه في سباق خيل, قائلاً له : أتسبق ابن الأكرمين ..؟! فأثار ذاك الانتهاك الوقح , وتلك العبارة الذميمة غضب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فاستدعى عمرو ابن العاص حاكم مصر وولده الجاني , وعقد محكمة برئاسته رضي الله عنه , فلما ثبت الجرم على الجاني , قال للفتى القبطي خذ العصا واضرب بها ابن الأكرمين , ففعل الفتى القبطي ونفذ حكم إمام المسلمين , واقتص ممن اعتدى عليه وأهانه , فقال عمر للفتى القبطي ضع العصا على صلعة أبيه, فقال الفتي القبطي : يا أمير المؤمنين لقد اقتصصت لنفسي ممن ظلمني , فما شأني وأبيه ..؟ فقال له عمر : ما كان ليعتدي عليك لولا سلطان أبيه , ثم التفت عمر إلى حاكم مصر وولده صارخاً بهم :   " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " , ودوت صرخة عمر في أذن الزمان , ورددتها الوهاد والسهول والجبال طرباً بها , وها هي اليوم  تتصدر المواثيق والعهود الدولية عرفاناً بعدلها , ومن لطائف ما علمت , أن خطيب الثورة الفرنسية – لا فاييت – عندما تلا المادة الأولى من بيان الثورة الفرنسية , والتي تنص " يولد الرجل حراً ولا يجوز استعباده " , صمت لا فاييت هنيهة .. ثم رفع رأسه ليقول: "  أيها الملك العربي عمر بن الخطاب أنت الذي حققت العدالة في التاريخ كما هي " يوم قلت :  متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً !

وعاش الناس بمصر وبكل بقاع بلدان المسلمين بتآخي ووئام منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا,وها هي عمًانُ اليوم .. استلهامًا لروح ومقاصد صرخة عمر العادلة, والتزامًا بنهج الإسلام الرباني الخالد.. وأخذًا بتوجيهات قيادتها الراشدة .. تشمخ متألقة بنموذجها الحضاري الجاد في التعايش العادل والآمن بين الأديان.

 قبل الإسلام وعلى وجه التحديد , قبل أربعة عشر قرناً ونيف , تداعى قادة العرب في مكة المكرمة , لعقد ندوة في بيت أحد قادتهم عبد الله ابن جدعان, من أجل : " نصرة المظلوم ووضع حد للظلم والظالمين " وشهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ذاك اللقاء, وكان يومئذ لا يزال فتىً اصطحبه عمه أبو طالب إلى تلك الندوة , واتفق المؤتمرون أن يبرموا بينهم حلفًا سموه " حلف الفضول ". وبعد الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبراً من حوله : " لقد شهدت في الجاهلية حلفًا في دار عبد الله ابن جدعان لنصرة المظلوم,لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت ". مؤكدًا أن كرامة الإنسان , وكبح الظلم والظالمين أمر ينبغي أن يتعاون الناس جميعاً من أجله , لأنه واجب رباني مقدس .

ونحن في المنتدى الإسلامي العالمي للحوار نؤكد احترامنا وحبنا للناس جميعاً وحب الخير لهم,ونعتز بالأخوة الإنسانية التي تجمعنا بهم. كما نستشعر عظم مسؤولياتنا للعمل معاً,من أجل تصحيح الصورة المشوهة لمنظومة القيم والمبادئ الربانية في ثقافة الناس,وهذا ما ينبغي عقد العزم عليه لنمضي مـــعاً في نشـــر الفضيلة, وترسيخ ثقافة العدل, وكـــــرامة الإنسان,وإقامة السلام ,والتعايش الآمن بين المجتمعات