مسلمون شهداء لإله العدل

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسل الله أجمعين وآلهم وأصحابهم وبعد:

جاء الإسلام ديناً خاتماً للدين الإلهي، والشرائع السماوية كلها، وبُعث نبيُه محمدٌ e للناس كافة بشيراً ونذيراً، فكان الإسلام مصدقاً وموافقاً لكل الشرائع التي نزلت من السماء، فأعلن أن الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة، أي أمر الإسلام أتباعه أن يؤمنوا بقضية [وحدة الأصل الإنساني] حيث جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً{ [النساء: ١]

وهذا الأصل البشري الواحد يعطي كل أفراد العائلة الإنسانية حقوق الكرامة الإنسانية، دون استثناء أو تمييز، وهذا ما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{        [ الإسراء: ٧٠]

وقد نبه الله تعالى إلى أن اختلاف البشرية في ألوانها وأجناسها ولغاتها آية دالة على عظمته، فقال الله تعالى: }وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ{ [الروم: ٢٢]

ثم كان هذا الاختلاف سبيلاً إلى تعاون البشرية، وتعارفها وتلاقيها على الخير، حيث انطلق هذا المبدأ الإنساني الخالد من كتاب الله عز وجل، في قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا{ [الحجرات: ١٣].

إن هذه الوحدة الإنسانية تستلزم دون ريب أن تكون هناك قاعدة واضحة للتعامل ألا وهي (قاعدة العدل) فكان من المثل العليا في الإسلام تكليف متبعيه أن يحكموا بالعدل بين الخلق أجمعين مع صرف النظر عن جميع الاعتبارات التي تحد من سلطان العدل فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً{ [النساء:135].

فهذه الآية عمدة في قضية تحقيق العدالة من كافة وجوهها فيجب على المؤمنين أن يكونوا مبالغين في تحري العدالة، وأن يشهدوا شهادة الحق ويطبقوها لوجه الله تعالى لا لأجل غرض مادي، ولو كانت هذه الشهادة تؤدي إلى خسارة الإنسان نفسه، أو خسارة أحد من أقاربه بدءاً بوالديه، فلا يجوز أن يحكم الإنسان بالباطل أو أن يشهد زوراً طمعاً في مال غني، أو يشهد زوراً رحمة بفقير يشفق عليه، فلا يجوز أن تتحكم الأهواء والشهوات والمصالح بأية شهادة تؤدي إلى ترك العدالة.

وتتوسع دائرة العدالة لتكون حتى مع الخصوم والأعداء فقد قال الله تعالى: }وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{  [المائدة: 8].

ثم يطالب الله الخالق عباده بالعدل في كل شيء وخاصة أثناء الحكم فقال الله تعالى: }وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ{ [النساء: 58].

ثم يجمل ربنا رسالته لأنبيائه ورسله وسائر خلقه بقوله عز وجل:     }إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{ [النحل:90]. 

ومقابل قضية العدالة في الحياة، كان تحريم الظلم بكافة صوره وأنواعه واضحاً في كتاب الله عز وجل وفي أحاديث رسول الله e فقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه فقال في الحديث القدسي:

((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) (رواه مسلم).

ونفى الله تعالى الظلم عن ذاته وصفاته وأفعاله فقال:

} وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ{ [آل عمران: 108]

 وقال:}ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ{[آل عمران: 182].

وقال: }إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ{ [النساء: 40].

والله تعالى لا يترك الظالمين دون حساب ومعاقبة فقد جاء في
القرآن الكريم:
}وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ{ [إبراهيم: 42].

وقد قال النبي محمد e: (( إن الله عز وجل يُملي للظالم، فإذا أخذه
لم يفلته، ثم قرأ النبي
e الآية: }وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ { [هود:102]  )) (رواه مسلم).

ولدينا نحن المسلمين في تعاليم ديننا منهاجاً واضحاً لتحقيق هذه العدالة على الأرض ويستوي في هذه العدالة المسلم وغير المسلم حيث يقدم الإسلام في دولته ضمانات للإنسان تتمثل في :

أ- الحماية للإنسان من العدوان الخارجي.

ب- الحماية للإنسان في داخل الدولة الإسلامية.

وتشمل هذه الحماية:

1- حماية الدماء والأبدان.

2- حماية الأموال.

3- كفالة بيت المال للإنسان.

ج- ضمانات الحريات العامة وتشمل على:

1- ضمانة حرية المعتقد، وممارسة الشعائر، وصون أماكن العبادة.

2- ضمانة حرية الفكر والتعليم.

3- ضمانة حرية التنقل.

4- ضمانة حرية العمل والكسب والمساهمة في إدارة الدولة.

5- ضمانة الحرية الاجتماعية.

واليوم ونحن نرى هذه الصراعات البشرية على مستوى العالم كله يجب علينا أن نبحث عن أسباب هذه الصراعات، وهل هذا الظلم الذي ينتشر هنا وهناك سببه الدين؟ أي هل هناك دين يأمر أتباعه بظلم الآخرين، واحتقارهم، وإذلالهم، والتحكم بثرواتهم ومصائرهم؟.

إن الدين الحق الذي أنزله الخالق لعباده لا يحتوي إلا على الأمر بالعدل، والنهي عن الظلم، ولكن فساد الانتماء إلى الدين؛ ومصالح الإنسان هي التي حرفت الدين عن مقصوده وهناك أيضاً سبب مهم جداً لما نرى من الظلم في العالم، هو تحكم الأقوياء بالضعفاء، والأغنياء بالفقراء.

بل هناك من يرى لنفسه الحق في استعباد الآخرين ونهب ثرواتهم وخيراتهم.

وهذا كله نابع من بعد الإنسان عن الدين الحق، حيث إن عدداً من السياسيين المتحكمين بالقرار العالمي هم الذين يسببون هذا الظلم للبشرية في مناطق من العالم لا سيما في الشرق الأوسط كمأساة شعب فلسطين وغزو العراق وأفغانستان، وهم مدفوعون بذلك من خلال شركات اقتصادية كبرى ترى مصالحها وأرباحها وانتشارها لا تقوم إلا على الحروب وسفك الدماء وهدر الكرامة الإنسانية، ثم يسرع هؤلاء السياسيون ومن ورائهم الاقتصاديون لتسخير كل وسائل الإعلام ومراكز الدراسات لتغطية ظلمهم وجشعهم بواجهات كثيرة وفي مقدمة هذه الواجهات والأقنعة أن يتستر هؤلاء الظالمون بستار الدين، فكم شُنَّتْ من حروب وأبيدت من شعوب، وانتهكت كرامة الإنسان تحت ستار وغطاء الدوافع الدينية، والتستر بالدين، ولكنها كلها في الحقيقة هي صور خادعة للمصالح والأنانيات والشهوات.

إننا مدعوون من خلال الشرائع السماوية التي أنزلها الله الخالق لعباده، للتوجه إلى جيل الشباب في كل بقاع الدنيا، لأنهم الوارثون لهذه الأرض من بعدنا، وهم أمل الحياة ومستقبلها الزاهر، مدعوون لتقديم هذه الحقائق لهم، فلا نخدعهم لا باسم الدين والتدين، ولا باسم السياسة والمصالح، فهؤلاء الشباب وهم جيل الغد، يجب أن نغرس فيهم ما يلي:

1- ثقافة حب الآخر والإحسان إليه والتأكيد على الكرامة الإنسانية والإخاء بين البشرية فإن لم نستطع ذلك فيجب أن ننتقل إلى مرتبة أقل.

2- وهي غرس ثقافة العدالة وتحقيقها للإنسان كائناً من كان؛ فإن لم نستطع ذلك فيجب أن ننتقل إلى مرتبة أقل.

3- وهي غرس ثقافة الحوار لمعرفة الآخر من خلال فكره وتراثه وثقافته وتاريخه وواقعه لا من خلال أحكام مسبقة، وقوالب فكرية جاهزة للإسقاط.

وليس بعد هذه المفاهيم إلا الظلم والعدوان.

إن الأمم كلها اليوم لديها مسؤولية مشتركة تجاه أُمنا الأولى وهي الأرض، هذا الكوكب الذي لطالما أعطانا الخير والأمان فما قابلناه إلا بظلم عظيم، وهو الإفساد في البر والبحر والجو لبيئتنا.

إن هذه الأرض اليوم هي أمانة في أعناقنا جميعاً، وهي السفينة الرائعة التي تجمعنا وتحتضننا، وليست حقاً مكتسباً لجيل بعينه ومطلوب منا أن نحافظ عليها لنسلمها لمن وراءنا من الأجيال اللاحقة.

وإذا كانت الأمم قد تعاقدت في يوم من الأيام على أن تقيم العدل بين بني البشر فكانت عصبة الأمم في مطلع القرن الماضي، وماتت مباشرة بعد حين، ثم ولدت (هيئة الأمم المتحدة) ولكنها ولدت أصلاً مشوهة عاجزة مقيدة بألف قيد وقيد، أولها ما يسمى بحق (الفيتو)
وهو مظهر واضح، ودليل عملي لظلم الإنسان لأخيه الإنسان، إنه بعبارة مختصرة تحكم الأقوياء بالضعفاء، فكم هُدر حق بسبب ما يسمى (النقض)، وكم ظُلمت أمم بسبب ما يسمى (النقض)، وكم شُردت شعوب بسبب ما يسمى (النقض).

حيث تُداس الكرامة الإنسانية بحذاء دول (الفيتو) فصارت (هيئة الأمم المتحدة) وسيلة لتحقيق الظلم بين البشر لا وسيلة لإقامة العدل، وأنتم جميعاً تحفظون مئات من القرارات الصادرة عن ما يسمى (مجلس الأمن الدولي) قد نُسيت وأهملت وضاعت لأن مصلحة الأقوياء تتأذى بتطبيق هذه القرارات، وبالمقابل نرى المسارعة إلى تنفيذ القرارات التي تعود بالنفع للأقوياء في ساعات قليلة، إضافة إلى وضوح سياسة الكيل بالمكيالين.

فكان مصطلح (حق القوة وشريعة الغاب) هو المسيطر بدل مصطلح (قوة الحق وتسييد العدالة).

ونحن في منطقة الشرق الأوسط نشاهد كل يوم من الأمم المتحدة ومن يحكمها ما ذكرته سابقاً.

أيها السادة:

إن العدالة التي يحرص الإسلام على تحقيقها بين البشر ليست وهماً أو خيالاً أو مُثلاً عليا سطرتها أقلام الفلاسفة والمصلحين، بل كانت حقيقة واقعة يشهد كل منصف باحث، وأذكر هنا مثالين مختصرين:

المثال الأول: زمن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب ثاني خلفاء المسلمين، حيث اشتكى إليه مسيحي مصري ظلمه إبن والي مصر وهو (عمرو بن العاص) وكيف ضربه ابن الحاكم على رأسه بسوط لأنه سبقه في مسابقة الخيول فاستدعى الفاروق الأمير وابنه، وأقام العدل فأمر بالقصاص فضرب المسيحي المصري ابن الأمير كما ضربه ثم قال عمر: (اضرب أيضاً على رأسه أبيه الأمير، لأنه ما ضربك الابن إلا بسلطان أبيه) ثم قال عمر كلمته الشهيرة: (يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

المثال الثاني: وهو أن الخليفة الرابع للمسلمين علي بن أبي طالب وهو ابن عم النبي محمد r وزوج ابنته، قد ضاعت درعه يوماً ثم وجدها بيدي رجل من اليهود فاختصم هو وإياه إلى القاضي (شُريح) وعلي هو حاكم الدولة ورئيسها، وحكم القاضي بالدرع لليهود لأن علياً ليس لديه أية بينة عليها أو دليل.

وما جاء به سيدنا المسيح عليه السلام ليس أقل من ذلك فقد كانت دعوته للسلام والوئام والحب والتسامي بقوله:(طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون).

ما أحرانا أن نجسد هذه القيم الخالدة فما نحن إلا ركاب سفينة واحدة، وما أحرانا أن نلتقي مع أهل السياسة على القيم الأخلاقية التي تعزز من كرامة الإنسان.

والحمد لله رب العالمين

 

بحث الدكتور الشيخ صلاح الدين كفتارو
رئيس مجمع الشيخ أحمد كفتارو
تحت عنوان:
 ((الإسلام والمسلمون والعدالة الإلهية))
ضمن محور:
(مسلمون شهداء لإله العدل)
مقدم إلى:
(الدورة الرابعة عشرة للجنة الاتصال الإسلامي – الكاثوليكي)
المنعقدة في مقر المجلس البابوي للحوار بين الأديان – الفاتيكان
(روما) 11-13/حزيران/2008م