ومات كامل الشريف ..

أجل .. ترجّل فارس الكلمة .. وأغمد قلمه مهندس الأفكار والرؤى .. ارتحل عنّا شيخُ الحكمة.. وغادر دنيانا رائدُ الوسطية .. وهوى النجمُ المتألق من سماء حركة التجديد والتأصيل .. وافتقدت مسيرةُ الاستئناف الحضاري لأمتنا واحدًا من أبرز روادها .. ومات كامل الشريف .. وكل واحد منّا لا محالة ميت .. إنك ميت وإنهم ميتون .. وكل من عليها فان .. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .. لا شك فكل الناس يموتون.. ولكن هل يتساوى الأموات يا ترى في أثر رحيلهم عن حياة الأمم ..؟  

وماتَ قومٌ وما ماتت فضائلُهم .. وعاشَ قومٌ وهم في الناسِ أمواتُ

 فمع حُلكة الظلمة الدامسة بين يدي فجر مُنتظر .. يتعاظمُ الخطبُ بفقد أولي العزم من الرجال .. ومع تأزم المواقف وتفاقم الحَيرةِ أمام اضطراب الرؤى والمشورة .. يكبر المصاب ويشتد الكرب برحيل أولي الحصافة والنُهى من أعلام أمتنا.. ومع تنامي ظاهرة اعتزاز كل ذي رأي برأيه .. ومع وباء فتنة إتباع الهوى والتمرد على مرجعيات الفهم والدراية .. تدرك الأمة أكثر فأكثر مبلغ خطورة غياب أئمة النصح والرشد عن حياتها.

ومواقف الناس من الأحداث وتأثرهم بها .. يبقى تبعًا لطبيعة صلتهم بها.. ولمقدار إحاطتهم بحقيقتها .. ولمساحة ما انكشف أمام بصيرتهم من تفاصيل سيرها وقدرة الفاعلين بحركتها .. هذا بالضبط هو مصدر تأثري الشديد بفقد أخي الحبيب الشهم الوفي أبي إسماعيل.. وهذا مبعث حزني العميق بموت رفيق دربي إلى الله وتلمس مرضاته.. وهذا سبب  تعاظم مصابي الجلل بغياب توأم رؤاي وتصوراتي وآمالي .. فقد كان – يرحمه الله تعالى – أخًا صدوقًا ودودًا كريمًا .. كان يفضي إلي بخاصة سيرته وخبرته ودرايته في الحياة .. وكنت أفضي إليه بمثلها على قلة وتواضع ما عندي .. ومع الزمن ومع دوام تواصلنا والعمل المشترك في شتى ميادين الدعوة  إلى الله .. ومع استمرارية التدارس والتشاور بيننا في شتى مشكلات الحياة .. تطابقت رؤانا واتحدت تصوراتنا .. وتمازجت طباعنا إلا ما عجزتُ عن مواكبته والارتقاء إليه  من خاصة خِصاله ومحامده و دماثة خلقه وحكمته وسعة صدره وتحمله أذى الآخرين .. ويشهد له بهذا وبما تميز به من مكارم الأخلاق  كل من عرفه وعايشه .. وذات مرة كنت بصحبته لزيارة الأخ الكبير والعالم الجليل .. والمفكر المتميز معالي الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم .. فعندما استقبالنا بحفاوته المشهودة بأحبابه وأصدقائه .. بدأ وقبل أن يدعونا للجلوس.. يخاطب فقيدنا الغالي -يرحمه الله تعالى -حيث ذكر جملة من الأوصاف والخصال التي عرفها عنه وأذكر منها وللاختصار جملة واحدة مما قال له: " لقد كنت يا أبا إسماعيل  حكيمًا وأنت تحمل البندقية.. وأنت اليوم أكثر حكمة وأثرًا في حياة الأمة وأنت تحمل القلم..! ثم التفت إلي وقال: " أحرص على التعاون مع أخيك فإنه مدرسة كبيرة.. فالحوار مع الآخر أمر مهم لمصلحة الأمة ".

أما عن دأبه وهمته وأسفاره وتطوافه في العالم من بلد إلى أخر .. والتي كان لي شرف الصحبة معه في معظمه.. لا يغيب عن محفل من المحافل الدولية ..  ولا يعتذر عن منتدى من منتدياتها .. فهو الحاضر المنافح المكافح عن الإسلام والمسلمين .. وهو الخبير  المثقف الحكيم اللبق الماهر في التعريف بالإسلام ورسالته العالمية.. وبمقاصده الإنسانية الراشدة الخالدة.. ولتأكيد علو همته وكثرة أسفاره.. أذكر الموقف التالي: كنت ذات مرة مشاركًا في ندوة علمية عقدت في عمّان – ووقف صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال ليفتتح الندوة .. وبعد تحية الحضور قال: " اسمحوا لي من فضلكم  قبل أن أبدأ كلمتي .. أن أحيي باسمكم الأخ أبا إسماعيل كامل الشريف بمناسبة مروره بعمًان .. ثم خاطبه  قائلاً : " مرحبًا بكم  أبا إسماعيل في وطنكم الأردن وبين أهلكم " .. واستحسن الحضور هذه التحية اللبقة الظريفة الوفية من الأمير الحسن بن طلال اعترافًا وإجلالاً للجهود العظيمة والمتواصلة .. التي كان يبذلها فقيدنا الغالي أبو إسماعيل – يرحمه الله تعالى- في سبيل خير  أمته والبشرية جمعاء .. وبعد أألامّ يا سادة في شديد حزني وجلل خطبي ومصابي بفقد أخينا جميعًا كامل الشريف رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة .. ؟ أجل إن العين لتدمع .. وإن القلب ليجزع .. وإنا على فراقك لمحزونون يا أبا إسماعيل.. فلله ما أعطى .. ولله ما أخذ .. إنا لله وإنا إليه راجعون.      

أ. د. حامد بن أحمد الرفاعي

رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار

24 / 01 / 2008م