




تحت
الرعاية
الكريمة لصاحب السمو الملكي
الأمير
عبد الله بن عبد العزيز آل سعود
ولي
العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس
الوطني
والرئيس
الأعلى لمجلس إدارة
المكتبة
استضافة مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض
ندوة
عالمية
بعنوان
الإسلام
وحوار الحضارات
3
محرم/1423 الموافق 17
مارس 2002
تهدف
الندوة إلى تبيان مفهوم الحوار والصراع بين
الحضارات وتوضيح مبدأ والتواصل في الإسلام
والقيم والمبادئ التي يجب أن يستند عليها
الحوار بين الحضارات وتأتي الندوة محاولة من
المكتبة لتوضيح المفاهيم الأساسية لتعامل
الإسلام مع الحضارات الأخرى والتأكيد على أن
الإسلام دين الحوار والتواصل مع الحضارات
وتوضيح بعض المفاهيم الخاطئة عن الأنماط
الحضارية المعاصرة
*********************************************************************
ولي العهد يأمر بتنظيم ندوة الإسلام وحوار الحضارات سنوياً
أصدر
ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس الحرس
الوطني الرئيس الأعلى لمجلس إدارة مكتبة
الملك عبدالعزيز العامة أمره الكريم باعتماد
تنظيم ندوة "الإسلام وحوار الحضارات"
بشكل سنوي
جاء ذلك خلال استقبال سموه أمس المشاركين في
ندوة الإسلام
وحوار الحضارات التي استضافتها ونظمتها
مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض في
الفترة من الثالث إلى السادس من شهر محرم 1423هـ


|
في ختام
ندوة "الإسلام وحوار الحضارات" :الرياض |

*********************************************************************
بحث
سعادة الأستاذ الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي "
الذي قدمه للندوة العالمية ( الاسلام وحوار الحضارات ) التي نظمتها مكتبة الملك عبد العزيز العامة
الإسلام .. والحضارات الأخرى
الحمد
لله رب العالمين
والصلاة والسلام على
رسولنا الهادي الأمين
المبعوث رحمة للعالمين
سيدنا محمد بن
عبد الله وعلى
آله وصحبه .
مقدمة :
إن مفردات عنوان هذا الموضوع توحي بجملة من الأسئلة منها
: ما هو الإسلام
.. ؟ ما هي الحضارة ..؟ ما هي رسالة الإسلام الحضارية ..؟ ما هو الآخر الحضاري ..؟ ما موقع الآخر في رسالة الإسلام الحضارية ..؟ هل نحن أمام حضارة بشرية واحدة أم حضارات
.. أم
ماذا ؟
ما هي القيم التي يقدمها الإسلام لإقامة تعايش بشري آمن ..؟
..؟ وأحسب أن من واجبنا
– نحن المسلمين – تجاه الإسلام الذي نؤمن به
عقيدة ومنهج حياة ، ومن واجبنا كذلك تجاه
أجيالنا وأجيال البشرية جمعاء ، أن نبذل
جهدنا بكل جدية وعلمية وموضوعية لتقديم أجوبة
واضحة ومحددة عن هذه الأسئلة وغيرها ، لتتجلى
قيم ومقاصد رسالة الإسلام العالمية ،
وليتلاشى كل غبش لحق برؤية الآخر عن الإسلام
وقيمه الربانية الخالدة .. وبقدر ما نوفق –
بعون الله تعالى – في تقديم الإجابة الدقيقة
والموضوعية عن مثل لام إلى خاتم الأنبياء
والرسل محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه
عليه ، في زمان قد تنامت معه العلاقات البشرية
، وازدادت حاجة الناس بعضهم إلى بعض ، وتداخلت
مصالحهم الثقافية والاجتماعية والأمنية
والاقتصادية ،مما يتطلب وحدة المنهج ، وتكامل
قيمه وشمولية كفاءته ، وعالمية خطابه وقيمه
ومبادئه ، مثلما يتطلب شمولية موازين العدل
ومعاييره، لتكون للناس جميعاً – دون استثناء
– على اختلاف أعراقهم وأجناسهم و ألو انهم
ومعتقداتهم .. حيث تكاملت مع إبتعاث رسول
الهدى محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم
– رسالة الإسلام وقيمها ومبادئها ، كما في
قوله سبحانه ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )1 ، وكما
هو بين في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (
إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى
بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية
فيه فجعل الناس يطوفون به ويعجبـون له
ويقولـون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة
وأنا خاتم النبيين )2، وهكذا مع تمام وكمال
رسالة الإسلام تحول الخطاب الرباني للناس من
صيغه القومية الخاصة إلى سعة وشمولية صيغه
العالمية ( يا أيها الناس إني رسول الله إليكم
جميعاً الذي له ملك السموات والأرض ل ، باعتبا
رها القضية الأولى التي جعلها الله تعالى
تتصدر مهمة الأنبياء والرسل صلوات الله
وسلامه عليهم جميعاً ، وهم يبلغون رسالة ربهم
لأقوامهم ولمن أرسلوا إليهم ، وهذا ما تؤكده
النصوص القرآنية التالية
¨ ( لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكـــم من إله غيــره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) 5 ¨ ( وإلى عاد أخوهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) 6 ¨ ( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) 7 ¨ ( وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره لقد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) . 8 ¨ ( وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) 9 ¨ ( وأتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً )10 ¨ ويقول الله تعالى على لسان المسيح عليه السلام : ( يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالل كلمات ر بعي بن عامر وهو يرد على رستم قائد الفرس في معركة القادسية ، بعد أن سأله رستم ما الذي جاء بكم يا عامر ؟ فقال له : ( لقد ابتعثنا ربنا بالإسلام لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) 14 ، وهكذا ويوم تترسخ ثوابت حرية الإنسان وتستقر مقومات عزته وكرامته ، وفق إرادة ربه وعلى أساس من إخلاص العبودية له جلّ شأنه ، يومها يكون مؤهلاً للتحرر من كل مغريات الفساد ، ويومها يكون محصناً بقوة ضد كل عوامل الخـنوع والظلم والعدوان ، ويكون مزوداً بكل مقومات الاستجابة لتحديات النهــوض بمهام البناء الإيـجابي في مـيادين الحيـاة 0 ¨ وبإخلاص العبودية لله وحده لا شريك له ، تتأهل النفس البشرية لإقامة والتزام معايير العدل بين الناس ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر ) 15، وتنمو لديها حوافز الرفق والرحمة بالآخرين ( مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجسد بالسهر والحمى ) 16 ¨ وبإخلاص العبودية لله وحده دون غيره ، يتحرر الإنسان من عبودية ذاته وتعظيم شخصه ومكانته ، يتحرر من عبودية مكانته الاجتماعية فلا الناس ، حيث! لا تفاض ل بينهم بسبب ألوانهم أو أعراقهم أو أجناسهم ، إنما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح وبذل الخير ودفع الشر والفساد ، فالناس من حيث أصل الكرامة والمنشأ سواء ، إلههم واحد ، مثلما أن أباهم واحد ( يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب )20 وذات يوم مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ، فقام لها احتراماً وإجلالاً فقيل له إنها جنازة يهودي ، فقال عليه الصلاة والسلام ( أليست نفساً ) 21 ، فالنفس البشرية بالإسلام مكرمة لذاتها بصرف النظر عن هوية انتمائها ، وتحدثنا أخبار الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، أن ابن والي مصر عمرو بن العاص دخل في سباق مع زميل له قبطي ، وفاز الشاب القبطي في السباق على ابن والي مصر ، الذي غضب لفوز القبطي فضربه بعصاه قائلاً له أتسبق ابن الأكرمين 00؟! فغضب والد الشاب القبطي لإهانة ولده ، وارتحل إلى عاصمة دولة الخلافة الإسلامية يشكو أمره إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واستمع عمر لشكواه واستدعى عمرو بن العاص وولده ، وعقد محكمة برئاسته شخصياً ، وسأل ولد والي مصر عن صحة شكوى الشاب القبطي فأقر بجريمته ، عندها أعطى عمر بن الخطاب درته للشاب القبطي قائلاً له اضرب ابن ا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون * وأن هذا صرا طي مستقـيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتـفرق بكـم عن سبيله ذلكم وصاكـم به لعلكم تتقون ) 23، وبالتوحيد الخالص لله يستقيم كذلك أداؤهم ويرتقي إنتاجهم ، لأن الله تعالى يرقبهم ويشهد أعمالهم ، باعتبارها شاهد على إخلاص عبوديتهم له جلّ شأنه حيث يقول سبحانه ( وقل اعمـلوا فسـيرى الله عملـكم ورسـوله والمؤمنون )24 ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسـلم ( إن الله يحـــب أحدكـم إذا عـمل عملاً أن يتقنه )25 ¨ وبإخلاص العبودية لله وحده ، تعمر النفس البشرية الرحمة والشفقة بالآخر أياً كان هذا الآخر إنساناً أو حيواناً ، حيث يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلـم ( أن رجلاً دخل الجنة بكلب ، رآه يلعق الثرى من العطش فسقاه الرجل وأذهب عنه ظمأه ) 26، ( وأن امرأة دخلت النار في هرة ، لأنها حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل مما في الأرض فماتت ) 27 ¨ وبالتوحيد الخالص لله تعالى في ألوهيته وربوبيته ، يرتقي الوجدان الذاتي للإنسان في تحمل مسؤوليات الحياة ووجباتها ، وتنمو لديه نزعة جدية العمل والإنتاج ، على حساب نزوات عبثية الاستهلاك ، وعلى حساب عدم ا همتها تح ديات ومعوقات الزمان والمكان ، فلا تحول دون النهوض والمضي في تحقيق إرادة الله في عمارة خيرة وآمنة للأرض ، ولا تحول دون إقامة العدل بين الناس ، وتحقيق التعايش الآمن بين أبناء الأسرة البشرية الواحدة ، وبعد هذا التوضيح لمرتكزات التأسيس الرباني لصيغة البناء التربوي للإنسان ، تتضح لمن شاء ملامح ومرتكزات فهمنا وتصورنا لمسيرة الإنسان في الحياة ، مما سيأتي تفصيله من خلال التعامل مع الأسئلة التي طرحناها في مطلع هذا البحث مثل
00ما هي الحضارة .. ؟ وما هي رؤيتنا الحضارية 00 ؟ وما هو الآخر وما هي نظرتنا لسيره الحضاري 00؟ وما هي مقومات رسالتنا الحضارية للتعايش البشري الآمن
00؟ لقد كتب الكثير في تعريف الحضارة ، ولا يزال المعنيون بالفكر والثقافة وعلم الاجتماع يكتبون ، حول تحديد معنى الحضارة ومفهومها ودلالاتها ومعاييرها ، مما يؤكد أن مصطلح الحضارة من المصطلحات الموسوعية ، التي تحتمل كثيراً من المعاني وتتسع لكثير من الرؤى ، وأحسب أن هذه السعة أمر طبيعي لأن كل جهة تكتب عن الحضارة، من منطلق ثقافتها ومعتقدها وأعرافها وتقاليدها ورؤيتها الخاصة عن الكون والحياة ، من هنا يجد الباحث نفسه أمام كم هائل من التعريفات للحضارة ، تتقاطع أحيان وهرها : هي مجموعة من القيم الثقافية .. فالثقافة هي جوهر الحضارة . ¨ وبحسب مبدئها : فهي إنتاج فكرة ما حية تجعل مجتمع ما يدخل التاريخ ، وتأصل جذوره في محيط ثقافي أصيل يتحكم في خصائصه التي تميزه عن الثقافات الأخرى . ¨ وبحسب تركيبها : فهـي مركـب اجتماعـي لثلاثة عناصر ( الإنسان ، التراب ، الزمـن ) مع العـمل الأخلاقي باعتباره الحافز على عمـلية الترابط بينـها ، وبدونه تتحول إلى كومـة لا شكل لها . ¨ وباعتبار وظيفتها : فهي جملة العوامل المعنوية والمادية التي تؤهل المجتمع لتقديم الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدم كل مجتمع فيه. ¨ وبحسب وحدتها وعلاقتها بمنتوجاتها : فهي مجموعة من الأشياء والأفكار المنسجمة بصلاتها ومنافعها وألقابها الخاصة وأماكنها المحددة . فالحضارة ليست أي شكل من أشكال التنظيم للمجتمعات البشرية ، ولكنها شكل نوعي خاص يحمل سمات معينة ، ويهدف إلى غاية معينة ويتسم بالرقي .. أي أن المعطيات النفعية والضمانات الحياتية هي المؤشر على أداء الحضارة لوظيفتها .. وبالتالي فإن عملية التغيير الحضاري هي عملية تأليف بين الإنسان والتراب والزمن بواسطة الدين ، الذي يتيح توجيه الإنسان ثقافياً بما يؤهله لاستغلال وتوظيف طاقاته والمواد ال تعني الج انب المادي في هذه الأمة 00 وثقافة أمة ما تعني الجانب الآخر في حياة الأمة ، والثقافة هنا ليس العلم بل هي التصورات والأفكار والسلوك والآداب وكل المعاني التي لا تدخل في الجانب المادي ، وحضارة أمة ما تعني مجموع ثقافاتها ومدنيتها ، ثم يتابع سعيد حوى ليقول على هذا الأساس فكل أمة من الأمم يمكن أن تكون لها حضارة 00 إذ أن لكل أمة في هذه الحالة مدنية ما ، أي جانب مادي ، ولكل أمة ثقافة بصرف النظر عن مضمون هذه الثقافة 00 ومن هنا نـقول : الأمة ذات الحضارة المتقدمة هي التي اجتمع لها تقدم مدني وتقدم ثقافي ، والأمة المتخلفة حضارياً هي الأمة التي اجتمع لها تخلف مدني وتخلف ثقافي 00 وقد نجد أمة متقدمة مدنياً وهي متخلفة حضارياً ، وقد نجد أمة متقدمة ثقافياً ومتخلفة مدنياً 00ويعلق الشيخ سعيـد حوى قائلاً : فإذاً التقدم الحضاري إنما يكون عندما توجد ثقافة متقدمة ومدنية متقدمة ، والتخلف الحضاري يكون عندما تكون ثقافة متخلفة ومدنية متخلفة ) 37 وأزوالد شينجلر Oswald Spengler سجل حول معنى الحضارة أفكاراً كثيرة منها : ¨ ( لكل حضارة قيمها الخلقية الخاصة بها ، وليست هناك أخلاق إنسانية عامة 0 ¨ إن أخلاق كل حضارة هي صادقة دائماً في داخل إطار ه – الإسل امية 0 4 – الهندية 0 5 - الشرق الأقصى 0 ¨ إن الحضارات الإقليمية لا تفهم إلا في إطار إنتمائها الحضاري الأوسع (( إنكلتر تفهم كجزء من الحضارة النصرانية الغربية )) 0 ¨ التحدي والاستجابة هو سبب نشوء الحضارة وولادتها 0 ¨ إن الاستجابة للتحدي تكون عادة من أقلية مبدعها تقود الأكثرية المقلدة ، كما أن الاستجابة من المبدعين ليست متماثلة ، وهذا سبب الفرق بين المجتمعات الصغرى في كيان الحضارة الواحدة 0 ¨ عندما تتقهقر حالة الاستجابة للتحديات المتجــددة تقف القدرة على الإبـداع ، وتتحـول الأقلية المبدعــة إلى أقلـية مسيطرة تفرض وجـودها على الناس بالقـوة ، وهذا يشـكل بداية سـقوط الحضـارات ) 39 ¨ وبتريم سوروكين يقول :بأن نظـرية التغيير الاجتمـاعي عنـده تقوم على مبدأين : الأول : مبدأ التغير الذاتي Principle Of Immanance يؤكد حتمية التغير في المجتمعات (( فالتغير سنة الحياة )) وأن العوامل الخارجية طفيفة ، إلى جانب العوامل الذاتية 0 الثاني / مبـــدأ الحدود Principle Of Limits يشير فيه إلى القوى المضادة التي تواجه التغير عند مستواه الأفضل لأن التغير لا يستمر إلى ما لا نهاية 00 مما يضطر النسق إلى تبديل اتجاهه أو يكرر اتجاهات سابقة له ت مع غيا ب الروحية والزهد يتجه الناس إلى الوسطية والاعتدال 0 ويرى سورو كين أن الغرب في مرحلة السقوط الحضاري مثل ما يقول شبنجلر 00 إلا أنه يرى أن عدم التماسك والإنحلال في النسق الاجتماعي الثقافي لا يعني نهاية الحضارة 00 فالتدهور الثقافي الــحي في الغرب يعـني أنها تتجـه إلى قمـة ثقافة فكرية جديدة أو مثالية 00 أي أن المهـمة الإبـداعية للثقافة الغربية سوف تستمر ) 40 ومن جانبه يذهب المفكر الغربي جورج باستيد George Bastide إلى أن الحضارة تعني ( التدخل الإنساني الإيجابي لمواجهة ضرورات الطبيعة ، تجاوباً مع إرادة التحرر في الإنسان ، وتحقيقاً لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته ورغباته ولإنقاص العناء البشري ) 41 و أليار شفا بتزر يعرف الحضارة ( إنها بـذل الجهـد من أجل التقدم ) 42 أما العالم الألماني غوستاف كلم Gustef Kelmm فإنه يصف الحضارة قائلاً : ( العادات والمعلومات والمهارات والحياة الخاصة والعامة في السلم والحرب ، والدين والعلم والفن وتتمثل الحضارة في نقل تجارب الماضي للجيل الجديد ) 43 ويرى العالم الإنجليزي ســير إدورد تلير Sir Edward Taylor ( أن الحضارة والمدنية ذلك الكم المركب الذي يحتوي على المعلومات والمعتقدات والفنون والقيم الثقافة كعامل أساس في تكوين الحضارة ، وأحسب أن هذا الالتقاء حول كثير من معاني الحضارة ودلالاتها ، يعود إلى أصل وحدة تكوين نظرة الإنسان ، وإلى وحدة مصدر المهمة التي خلق من أجلها ، فالناس جميعهم خالقهم واحد وربهم واحد ، وكلهم لآدم وآدم من تراب ، وجميعهم ورثوا بالفطرة مسؤولية أمانة الاستخلاف في الأرض (( إني جاعل في الأرض خليفة )) 48، وجميعهم جاء خلقهم وتكوينهم مؤهلاً لمهــمة الاستخلاف (( ربنا الذي أعطى كل شىء خلقه ثم هدى )) 49، وهذا التماثل وهذه الأصول المشتركة للناس جميعاً من حيث وحدة الخلقة ، ومن حيث وحدة المنبت ، أو من حيث وحدة مصدر التكليف ، أومن حيث الكثير من جوانب التفكير ، وكثير من جوانب مقومات السعي في الحياة الدنيا ، مرده إلى وحدة مصدر أصول التكوين الفطري للإنسان ، وأحسب بالمقابل أن جوانب الاختلاف في التفكير والتصور إنما يعود إلى الفوارق الجوهرية التي طرأت على أصول مقومات فطرة تكوين الإنسان ، وعلى أصول إعداده وتأهيله لمهمة الاستخلاف في الأرض ، وهذا ما يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : (( المولود يولد علـى الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه 00 )) 50 وقولنا أن سبب الاختلاف في التوجه وحدة الاعتق! اد الذي هو أساس صحة وسلامة التنوع والتعددية المنهجية ، في إطار وحدة المنهج الربــاني هو الذي أفرز هذا الاختـلاف (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكـم بما كنتم فيه تختلفون )) 55 ، وهذا النص يؤكد من جهة أخرى بأن الاختلاف بحد ذاته ليس ظاهرة سلبية بقدر ما هو عملية إيجابية ، يوم يكون هذا الاختلاف وهذا التنوع يدور في إطار وحدة الهدف وعلى أساس من وحدة المنهاج الرباني العام ، ويوم يكون هذا التنوع أيضاً متسقاً مع مقومات ومقاصد أمانة الاستخلاف في الأرض وفق إرادة الله تعالى ، أما يوم يكون هذا الاختلاف وهذا التنوع مصدره النكوث بالعهود مع الله تعالى ، ومصدره الخروج على منهاج الله الذي رسمه لعباده للنهوض بمسؤوليات أمانة الاستخلاف في الأرض ، فإن مثل هذا التنوع ومثل هذه التعددية غالباً ما تكون مصدراً للاختلاف والتضاد ، ومصدراً لاضطراب مناهج السير في عمارة الأرض ، ومصدراً كذلك لخلل كبير في صيغة فهم تنوع الثق م إن الل ه يفـعل ما يشاء ) 57 وهنا تتجلى لنا حكمة الله تعالى وفضله وعدله ، أن جعل المادة موحدة في عبادتها ، حيادية في أداء رسالتها الحضارية للناس ، لا تستعصي في عطائها على ثقافة ما أو سلوكية ما ، فهي تؤدي كامل مكنوناتها للكافر مثلما تؤديها للمؤمن أو المسلم سواء بسواء ، لا تنحاز لأحد دون أحد ، ولا تستعصي إلا على الجهل والجاهلين وعلى الكسالى والتنابل ، أياً كانت هويتهم الدينية أو العرقية أو القومية أو الجنسية أو اللونية ، أما من يسعى إليها بالعلم والمهارة والجد والمثابرة ، فإنها تستجيب له وتتفاعل مع غاياته ومقاصده لا فرق عندها أن يكون العالم مصلحاً أو مجرماً ، غنياً أو فقيراً ، امرأة أو رجلاً ، مؤمناً أو كافراً ، قوياً أو ضعيفاً ، فهي للجميع على أساس من شرط العلم والمهارة والثقافة والبحث والجد والمثابرة ، فهي لكل من طرق أبوابها واجتهد في الغوص في بحور مكنوناتها وكنـوزها ، وهـذا هو الـعدل الرباني المطلق 00 لأن الله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في الأرض ، استخلفه بصفته إنساناً مكلفاً ، تصدى لحمـل أمانة الاستخلاف في الأرض ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه ك في أداء مهم! ته ، ثم انحاز بمهمته لقوم دون غيرهم أو لجهة من الأرض دون غيرها 00 ويمكنكم كذلك أن تتخيلوا ما هي حالة الناس وجميع الخلائق ، وماذا سيطرأ على حركة الكون لو أن الماء أعطي حق الاختيار ، ثم انحاز بمهمته الربانية ـ ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) 60 ، لصالح قوم دون غيرهم أولقارة من القارات دون غيرها أو لأي جهة من الأرض دون غيرها ، سبحانك ربي ما أعظم شأنك وما أجل حكمتك 00 سبحانك أنت اللطيف ، الخبير ، العليم ، المدبر ، الحكيم ، لا إله إلا أنت 00 ومن هنا تتجلى لنا حكمة التسخير المطلق للمادة لتكـون في خدمـة الإنسان بدون استثنـاء ، ولتكون فاعلة بين يديه للنـهوض بأمانة عمارة الأرض ، وبهذا التسخير المطلق للمادة للناس جميعاً ، يعطي الله تعالى الفرصة للتنافس بين الناس ، مثلما يعطي الفرصة لتكامل القدرات والمهارات البشرية من أجل النهوض بعمارة الأرض ، وهذا يأتي متسقاً مع حكمة الله تعالى ، وقد خلق الناس بقدرات متفاوتة ومهارات متفاوتة وبأرزاق وثروات متفاوتة لتقوم قاعدة الحاجة بينهم ، للنهوض معاً بمسؤوليات عمارة الأرض ومسؤوليات إقامة العدل ، وبغير هذا التنوع بالقدرات والكفاءات وبغير التنوع بالثروات ومصادر الطاقة والحاجة لماقامت أسباب التكام ما كسبت أيدي الناس ) 62، والعلاقة بين الإنسان والكون تحددها عادة وترسم مسارها وسلوكياتها ثقافة الإنسان التي تربى بموجبها ، وصيغة معاييره السلوكية على أساس من عقيدتها وقيمها وتقاليدها ، وحيث أن الناس اليوم ومن قبل على تنوع في الاعتقاد ، وعلى تنوع في الثقافات ، وعلى تنوع في الفلسفة والنظرة للحياة والكون ، جاء على أساس من ذلك التنوع في التعددية الحضارية ، وبرزت في إطار التعددية الحضارية تعددية قيم ومبادئ وسلوكيات الأداء الحضاري بين الناس بكافة وبين المجتمعات الدولية بخاصة ، وأحسب أن الخطورة التي تواجهها المسيرة الحضارية في الأرض اليوم مصدرها التناقضات الثقافية والمعايير المضطربة والسلوكيات الشاذة في الأداء الحضاري ، ومردها إلى التدهور الأخلاقي والقيمي في ميادين استثمار وتوظيف العطاء الحضاري المادي ، والذي كما أوضحنا من قبل هو عطاء حيادي ، فالمادة ليس لديها إلا الخير ولم تسخر بين يدي الإنسان إلا لخير ، ولكن سلوكيات الإنسان وقيمه وأخلاقياته هي التي تحدد وترسم سلوكيات وأخلاقيات استخدام العطاء الحضاري واستثمار وتوظيف الناتج الحضاري ، ومن هنا يبرز جوهر العلاقة بين الشق المادي للحضارة وهوية شقها الثقافي الذي أنتجها ، فالثقافة كذلك عن تحج! يم نفع و خيرية حضارة ما أو توسيع ميادين نفعها وتعميم خيريتها لتنال الناس جميعاً وفق معايير العدل والإنصاف ، والتاريخ قديمه وحديثه يقدم لنا نماذج واقعية عن مسؤولية الثقافة والقيم والمبادئ في تحديد هوية الحضارات وسيرها سلباً أو إيجاباً ، تقدماً أو تخلفاً ، استمرارية أو اندثاراً ، فالتاريخ يحدثنا أن أقواماً منذ بدء حركة الإنسان في الأرض بذلوا جهدهم وأعملوا عقولهم في تفعيل واستثمار طاقة الأشياء من حولهم ، وقامت حضارات واندثرت أخرى ، وأبدعت ثقافات أقوام في عطائها الحضاري وأخفقت أخرى ، وأحسن قوم وأساء آخرون ، والدراسات والتأملات في سيرة الحضارات البائدة ، تؤكد أن الجانب الثقافي والقيمي كان المسؤول الأول عن نمو وارتقاء الحضارات أو تخلفها واندثارها ، كما يجده الباحث واضحاً وبيناً في تتبع سيرة بعض الحضارات مثل حضارة ( حمورابي ، وحضارات مانو وبوذا وكونفو شيوس والحضارة اليونانية والحضارة الرومانية ، مما لا يحتمل المقام التفصيل بشأنها واستعراضها ، ولكن يمكن القول وباختصار أنها بجملتها قامت على مزيج من الأوامر الدينية والأعراف والفلسفات ، وأنها خلطت في مسيرتها بين الخير والشر ، والعدل والظلم واحترام الإنسان في جانب ، واحتقاره وإذل إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) 66 وثمود ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود )67 ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ) 68 ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ) 69 وأهل مدين ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، كأن لم يغنوا فيهـا ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود ) 70 وقوم فرعون ( وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب ) 71، وقد قامت هذه الحضارات وبادت بسبب من ظلم أهلها وتخلفهم الثقافي والقيمي ، رغم أنهم جميعاً بذلوا جهوداً كبيرة في البحث عن مكنونات الأرض وتفعيل طاقاتها وأشادوا ضروحاً شامخة من البناء الحضاري المادي ، التي لا يزال الكثير من آثارها شاهداً على عظمة إبداع ومهارات تلك الأقوام في أزمنتهم ، إلا أنهم للأسف بادوا واندثروا ولم يخلفوا للأجيال البشرية ما م يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتهـم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ) 73 وفي قوله تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وكانوا يستهزئون) 74 وفي قوله تعالى ( كالذين من قبلكم كنوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذين خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كنوا أنفسهم يظلون) 75 وفي قوله تعالى ( قل إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) 76 وفي قوله تعالى ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذ لقيم وال مبادئ وعلى حساب إنسانية الإنسان ، محاولاً تدارك ذلك باعثاً صرخاته ولكن بعد فوات الأوان .. وإليكم نماذج مما يقول : · ( يمكن لصواريخنا أن تصل إلى مذنب هالي وتطير إلى الزهرة بدقة مذهلة ، ولكن إلى جانب هذه الانتصارات العملية والتكنولوجية نجد نقصاً واضحاً في الكفاءة في استخدام المنجزات العملية للحاجات الاقتصادية ، كما أن كثيراً من الأجهزة المنزلية السوفيتية من نوع رديء ، ولسوء الحظ فليس هذا كل ما في الأمر ، فقد بدأ تدهور تدريجي في القيم الأيدلوجية والمعنوية لقيمنا .. وبدأ الفساد يسري في الأخلاقيات العامة ، وزاد إدمان الخمور والمخدرات والجرائم ، وسنواصل بحزم النضال ضد المسكرات وإدمان الكحوليات ) 80 · ( ومهمتنا الرئيسية اليوم هي أن نرفع من روح الفرد ، ونحترم عالمه الداخلي ونعطيه قوة معنوية ، ونحن نسعى لأن نجعل كل قدرات المجتمع الفكرية وكل إمكانياته الثقافية تعمل من أجل تشكيل شخص نشط اجتماعياً وغني روحياً ، ومستقيم وحي الضمير ، وينبغي أن يعرف كل فرد ويشعر أن هناك حاجة إلى إسهامه ، وأن كرامته لا تخدش ، وأن يعامل بثقة واحترام ، وعندما يرى الفرد كل ذلك فإن في مقدوره أن يحقـق الكثير ) 81 · ( ولكن طوال سنوات تاريخنا البطو . لقد بد أنا الآن نعالج هذه المشكلة بشكل جاد . وإحدى المهام الاجتماعية والأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا وهي مهمة هامة كذلك في الحمــلة ضد المسكرات تتمثل في تحسين صحة الأسرة وتعزز دورها في المجتمع ) 82 · ( وإنه لفي وضوح البلور أنه في العالم الذي نعيش فيه ، عالم الأسلحة النووية ستكون أي محاولة لاستخدام هذه الأسلحة في حل المشاكل السوفيتية الأمريكية ، إنما تعني الانتحار ، هذه حقيقة لست أعتقد أن الساسة الأمريكيين غافلون عنها ، وفضلاً عن ذلك ، فقد نشأ الآن وضع متناقض حقيقة ، فحتى لو انهمك أحد البلدين في تعزيز الأسلحة باطراد بينما لم يفعل الآخر شيئاً ، فإن الجانب الذي يسلح نفسه لن يكسب مع ذلك شيئاً ، فقد يفجر الجانب الأضعف ببساطة كل شحناته النووية ، ولو فوق أراضيه ، وهذا يعني الانتحار بالنسبة له والموت البطيء بالنسبة للعدو . ولهذا السبب فإن أي مسعى للتفوق العسكري يعني أن يدور المرء في حلقة مفرغة ، ولا يمكـن استخدام ذلك في السياسة الواقعية) 83 · ( إن الجانب الأكبر من الأسلحة النووية يتركز لدى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ، وفي الوقت نفسه فإن عشرة في المائة أو حتى واحد في المائة من إمكانياتها كاف لإنزال أضرار لا يمكن إصلاحها م تتدارك ه قيادته قبل فوات الأوان ، أو تتداركه العناية الربانية بالهداية والرشد ، وإليكم بضع ما اخترناه من كتابه الشهير الفرصــة التاريخية أو ( الفرصة السانحة ) حيث يقول : · ( إن الولايات المتحدة سوف تخسر تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي إذا فشلت في القيام بأداء أفضل في مجال إعداد الشباب الأمريكيين للواجبات التي تنتظرهم بمناسبة الانتقال من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد التكنولوجيا الراقية . أن أكثر من 25% من الأمريكيين لا يتخرجون من المدارس الثانوية والعديد من أولئك الذي يتخرجون منها تنقصهم المهارات كالرياضيات والعلوم نجد أن شبابنا يأتون وراء طلاب جميع البلاد الصناعية، صحيح أن بعض مدارسنا العامة تقدم أداء جيداً غير أن الكثير منها أقل فاعلية من المدارس في عديد من بلاد العالم المختلفة ، إن معظم برامج المدارس أصبحت هينة إلى درجة أن الطلاب لم يعودوا يشعرون بحاجة إلى العمل الصارم ولذلك نجد أن ثلثي طلاب المدارس الثانوية يقضون ساعة واحدة أو أقل في إعداد دروسهم في المنزل بقراءة عشرة أسطر أو أقل من ذلك ومن ثم يشاهدون على مدى يزيد عن ثلاث ساعات كل يوم برامج التلفزيون المبلدة للذهن ) 86 · ( إن أمريكا تتحرك الآن باتجاه لولبي نازل نحو ان يقبل أن يك! ون فيها طبقة من الأشرار التي تجعل مدننا الكبر غير آمنة إلى درجة أن الحياة فيها صارت لا تطاق . · إن أخطر مشاكلنا الاجتماعية الجريمة والمخدرات والاعتماد على الغير في التعليم . تدور حول قيم المواقف والسلوك . إن هذه الأمور لا تتوقف على الدولارات والبرامج الموضوعة لمعالجتها والتي تحسب بالدولارات غالباً مما تؤدي إلى نتيجة . الحاجة تدعوا ليس إلا الدولارات بقدر ما تدعوا إلى توجيه مجموعة من القيم والقواعد التي يقبلها المجتمع ويفرضها على نفسه) 89 · أما في كتابه 1999م نصر بلا حرب يقول الرئيس نيكسون: (( وفي القرن الواحد والعشرين سيقوم الإنسان بإعادة تشكيل العالم ، وعلينا أن نتطلع بدور محوري في هذا المشروع العظيم ، فمن الناحية المادية ، سنقوم بإعادة تشكيل العالم بفضل تفجير المبتدعات التكنولوجية ، وعلينا أن نحاول إعادة تشكيل العالم سياسياً من خلال استراتيجية تستهدف تحقيق سلام حقيقي ، وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يغيب عنا التصدي لقضية البعد الروحي في الإنسان ) 90 · (( وعلينا ونحن نغير العالم المادي أن نجتهد في إعادة تشكيل العالم سياسياً ، ففي القرن العشرين خطا تقدمنا التكنولوجي خطوات أبعد من تقدمنا السياسي ، وهو أمر ينبغي ألا ندعه يحدث ( إن مش كلة أمريكا في ثرائها وأن لديها اشياء كثيرة ، ولكن ليس لديها رسالة روحية كافية .. إننا بحاجة إلى ضربة تجعلنا نفيق من ثرائنا ، لقد انتصرنا على الطبيعة ، ولكننا لم ننتصر على أنفسنا ) 94 ¨ ويقول (جـون فوستر دالاس) وزير الـخارجية الأمريكـية الشهير : ( إن الأمر لا يتعلق في الماديات ، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية . إنما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي ، فبدونه يكون كل ما لدينا قليل ) 95 ¨ أما (الكسيس كاريل) الحائز على جائزة نوبل للعلوم يقول في كتابه الإنسان ذلك المجهول : ( إن علمنا بالحياة وكيف يجب أن يعيش الإنسان ، متأخر جداً عن علمنا بالماديات ، وهذا الـتأخر هو الذي جنى علينا ) 96 ¨ ويقول البروفيسور جود رئيس قسم الفلسفة في جامعة لندن : (إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالعظماء ، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش .. إن هذا التفاوت بين فتوحاتنا العلمية المدهشة ، وطفولتنا الاجتماعية المخجلة ، نواجهه على كل منعطف ومخرج .) 97 ¨ ويقول المستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا المشهور : ( من الغريب المضحك أن البلاد والدول ، تنفق الملايين من الجنيهــات لوقاية نفسها من آلة فتاكــة تخافها ، ولكن لا تنفق شيئاً من ا من نوازع ا! لتسلط وا لاعتداء ، والظلم والطغيان ، والكبت والقهر ، ومع كل ما يؤكد كرامة الإنسان وآدميته ، ويطلق حريته في اختيار معتقده ومنهج حياته وقيمه ، التي تلبي نداءه الفطري وعالمه الداخلي المادي والروحي ، نحن المسلمين مع كل كلمة مسؤولة ، وتحرك مسؤول ومنهج مسؤول ، يعمل على تحقيق العدل والاستقرار والسلام من أجل تعايش إنساني حضاري آمن ، ولكن مع ترحيبنا بكل ما جاء من كلام إيجابي مسؤول على لسان كل من الرئيس جوريا تشوف والرئيس نيكسون وغيرهما من عقلاء العالم مما ذكر بعض منه ، فإننا نأسف للتناقضات الميدانية والممارسات الظالمة المشهودة في أوربا وأمريكا وفي كثير من بلدان العالم ، التي تنتقص من مصداقية هذه الأقوال وتحرجنا نحن عقلاء المسلمين ، من التحدث بها بين يدي أجيالنا والتي واجهت ولا تزال تواجه الظلم والقهر والذبح والإبادة ، والانتهاك الوقح للحرمات والقيم ولأدنى حقوق الإنسان في أكثر من مكان .. لذا فإننا نطالب وننصح بأن يصغي المسؤولون في الغرب وفي العالم إلى نداءات وصرخات الإصلاح التي ترتفع بها أصوات العقلاء والحكماء في العالم . بما يؤكد حرصهم المعلن على نظام عالمي تسوده القيم والمبادئ ، ويقوم على التوازنية بين عالم المادة وطموحاته وع الحضارة البشرية .. تدعو اليوم وتتبنى جملة من القيم المنحرفة ، التي تكرس منهجية الانحدار الحضاري ، الذي يصرخ المصلحون والعقلاء في كل مكان ، للاستدراك عليه والتخلص من قيمه الهابطة ومبادئه اللامسؤولة ، فطرحت مشروعاً لعقد مؤتمر دولي تحت عنوان (السكان والتنمية) في سبتمبر من عام 1994م في القاهرة ، على أساس من وثيقة تتضمن فيما تتضمنه من القيم الهابطة والتشريعات العاهرة ما يلي : ( إباحة الإجهاض لكل الأعمار بحجة أنه وسيلة من وسائل التنمية إذ يؤدي إلى قلة السكان فيرتفع المستوى المعيشي.؟! الحرية الجنسية للمراهقين والأطفال حرية مطلقة . حق المراهقين في أن تكون لهم حياة خاصة ، ومعلومات سرية لا تنتهك حتى من الأبوين . يعاون المراهقون والأطفال على احترام الحقوق السابقة من الحكـومات ومن المؤسسات الأخرى ، وعلى الوالدين احترام حقوق هؤلاء ) 101 وأمام هذه الوثيقة الخطيرة ، نزيد في التعليق ونرفع أصواتنا مطالبين ومحذرين ، نطالب العقلاء والحكماء في العالم على اختلاف أديانهم وأعراقهم وأقوامهم وأجناسهم ، ليتنادوا إلى لقاء عالمـــي تحت عنوان ( البشرية في خطر ) يتدارسون فيه الأخطار التي تواجه الحضارة الإنسانية المعاصرة ، والتي من أشدها وأفتكها ا الماكرة . و! بعد فإنن ا نستأنف حديثنا عن تأكيد أهمية التوازنة الدقيقة بين مقومات السير الحضاري السليم ،وهي مقومات الإيمان والعلم والعمل وتأكيد التوازنية الدقيقة بين الشق الثقافي والمادي للحضارة بشكل عام ،وقد استعرضنا فيما سبق الشواهد التاريخية القرآنية والشواهد الميدانية المعاصرة .. والآن نتحدث عن المحاججة العقلية التجريبية .. معتمدين في هذا الشاهد على محاجة كيمائية توضح المقارنة التجريبية ، بين نتائج تفاعل العناصر عندما تتغير الخصائص لعنصر من العناصر ، او تتغير شروط التفاعل ومنهجيته أو طاقة التفاعل وحوافزه وضوابطه ، ثم نقارن ذلك مع المعادلة الحضارية القائمة على المفاعلة والتفاعل بين الإنسان والأرض ومنهج الحياة.. واثر اختلال خصائص عناصر هذه المعادلة أو تغير مادة المنهج ومقوماته على نتائج وصيغ العطاء الحضاري للجهد البشري ، وقد اخترنا من الميدان الكيميائي ، التفاعل الكيميائي الذي يعتبر ابسط تفاعل كيميائي من حيث مقوماته ، ولأن هذا التفاعل ينتج مادة الحياة الأساس ألا وهي الماء لقول الله تعالى ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) 102 ، ومن المعلوم أن الماء يتكون كيميائياً من الاتحاد بين عنصري الهيدروجين والأكسجين وفق شروط محددة وطريقة منضبطة ، حد العنا صر ، واختلال المنهج فإن النتيجة إما أن تكون ( الماء الثقيل ) غير صالح للحياة ونفعه التكنولوجي محدود ، أو تكون ( الماء الإكسجيني ) غير صالح للحياة وتطبيقاته التكنولوجية محدودة كذلك . وبعد فهذه شهادة تجريبية في ميادين الكيمياء الحياة والتعليق عليها . أردنا بها مقدمة توضيحية مبسطة لما يجري في ميادين كيمياء الحضارة ، حيث المفاعل الكوني الكبير ، المتكون من الأرض موطن الاستخلاف الحضاري ، والإنسان المؤهل ربانياً لمهمة الاستخلاف الحضاري ، والمنهج الرباني الحضاري ، فالمعادلة الحضارية قوامها على هذا الأساس ( الإنسان ، الأرض ، المنهج ) فعندما يكون المنهج هو المنهج الرباني بقيمه ومبادئه وأدبياته ، وضوابطه وتشريعاتها وحوافزه الإبداعية وتكامل شموليته المادية والروحية ، يكون الإنسان هو الإنسان الذي صيغت حياته وفق منهج الاستخلاف الرباني ، الملتزم بتعاليمه وقيمه والمنضبط وفق توجيهاته ومعاييره ، فإن العلاقة بينه وبين مكنونات الأرض تكون علاقة خلاقة ، تفرز نتائج إيجابية ذات نفع مؤكد ونماء مبارك ومردود مأمون لا رعب معه ولا خوف ، ولا إسراف ولا طغيان ، ولا شح ولا تقتير ، لأنها ستكون نتائج منضبطة وفق قاعدة التسخير الرباني وضوابطها و ع تعايش أم تنوع تصادم ؟ هذه أسئلة وغيرها تطرح نفسها أمام كل مفكر وباحث ، وتطرح نفسها أمام كل ثقافة ومنهج ثقافي .. والموضوعية والعلمية والمسؤولية .. شرط أساس في الإجابة الصحيحة المقنعة ، بين يدي أجيال البشرية المتعاقبة عبر الزمان والمكان .. وفي هذه الدراسة التي تأتي تحت عنوان " الإسلام و .. الحضارات الأخرى " نسعى ( أولاً ) إلى تأكيد المفاهيم التالية بين يدي الإجابة على هذه الأسئلة وما سبقها . ¨ إن الإنسان مستخلف بأمر ربه وخالقه في الأرض ¨ إن عمارة الأرض هي مهمة الاستخلاف وغايته ¨ إن الله سبحانه وتعالى وضع منهجاً متكاملاً لمهمة الاستخلاف في الأرض ¨ إن الله تعالى أرسل رسله ليبلغوا الإنسان مادة المنهج وقيمه ومبادئه ¨ إن منهج الاستـخلاف الرباني يقوم على مرتكزين اثنين، مرتكز مادي ومرتكز قيم . ¨ إن العـبودية الخالصة لله مطلب اساس في منهج الاستخلاف الرباني ¨ إن الله سبحانه قد أنصف الناس المؤمنين والكافرين على السواء ، في موقفهم من منهجه الذي اخـتاره لهـم ، دون بخـس لحق كل منـهم في الحياة الدنيا وعمارتها 0 ¨ إن مرتكز القيم في منهج الإسلام أساس ملزم لترشيد وتسديد وضبط سير وفعاليات المرتكز المادي ووسائله ومهاراته ¨ مرتكز القيم ار والمح يطات واليابسة ، ومثل ذلك في توزيع التضاريس الجغرافية بأشكالها وأنواعها المختلفة .. وهذا التنوع الغزير في الأرض يحتاج استثمار مكنوناته وتفعيل مسخراته ، إلى تنوع الجهود والإمكانات والكفاءات والمهارات ، فاقتضت حكمته سبحانه وهو اللطيف الخبير ، أن استخلف الإنسان حيث هو وأطلق يده في استثمار ما سخـر له حيث يعش ، وبوسائله المتاحة وإبداعاته الإنتاجية وفق حاجاته وطموحاته ، مما نتج عنه تنوع في عمارة الأرض واستثمار مكنوناتها ، ومما تبلور في النهاية إلى تنوع حضاري مادي مفيد ، قابل لأن تتكامل معه حاجات الناس ومصالحهم المتبادلة ، ومثل هذا التكامل ضرورة حضارية .. تمليه حاجة الناس بعضهم إلى بعض ، وقد اقتضت حكمت ربهم وخالقهم ، أن تتوزع نعمه ومسخراته في الأرض ، حيث أختص كل شعب أو أمة بنوع من هذه المسخرات ، ويسر لكل منهم أسباب الإبداع في نواحي الحياة وفق قاعدة (( كل ما يســر لما خلق له )) 106 وأوجب سبحانه مبدأ الحاجة والسخرة بين الأمم . لتقوم بينهم رابطة المصالح والتسخير المتبادل ، التي على أساسها تتولد وشيجة التعايش البشري وحوافز التنافس في عمارة الأرض ، وتقوم بينهم الحاجة لإقامة نظام عالمي يضبط علاقات التعايش والتعاون ، في إطا ء والهدم ، والتقدم والتخلف ، والحرب والسلم ، والقناعة والجشع ، والمآثرة والاستئثار ، والتقتير والإسراف ، والأنا والأخر ، والفرد والجماعـة ، والتكامل والتضاد ، والصدق والكذب ، والأمانة والخيانة ، والوفاء والغدر ، والمسئولية واللامسئولية ، والجدية والهزلية ، والانضباطية والعبثية ، والآدمية والبهيمية ، والتعاون والتنافر ، والتعايش والتصارع ، والإخاء والاعتداء ، والمفيد والمضر .. ونحسب أن سبب هذا التباين الخطير بين هذه الثنائيات إنما هو من التناقضات القائمة في المناهج الثقافية ، وما تفرزه من تناقضات في القيم والمبادئ والقوانين التي تحكم سلوكيات الإنسان ومعاييره ، وهو يمارس مهمة إعمار الأرض واستثمار مكنوناتها وتسخير طاقتها المادية ، مما يضعف من إيجابيات التنوع الحضاري المادي ، ويتحول به إلى تضاد حضاري عن كونه تكامل حضاري إيجابي .. أما عن سبب التناقضات الثقافية ، فنحسب أنه يعود لغياب المرجعية في الأصول والثوابت الثقافية لمسيرة الإنسان في الأرض ، وهذه المرجعية بفهمنا واعتقادنا نحن المسلمين لا تكون إلا بالتعامل مع منهج الاستخلاف الرباني لعمارة الأرض ، وقيمه ومنطلقاته التي ذكرناها قبل قليل ، وكما مرت معنا متفرقة في ثنايا هذه ا من رزق ه وإليه النشور ) 108_ وقوله تعالي ( يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثي وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عنـد الله أتقاكم ) 109 _ وقوله تعالي ( ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) 110 _ وقوله تعالي ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل علي العالمين) 111 وبعد فأن نظرة متفحصة من جهة أخرى إلي المعادلة الحضارية التي ذكرت سابقاً والتي قوامها ( الإنسان ، الأرض ، المنهج )نخلص إلى أن هناك علاقة وثيقة قد أقيمت بين صيغة هوية الإنسان الفكرية والثقافية والعقدية ، وبين هوية منهجه في عمارة الأرض واستثمار مكنوناتها وتفعيل مسخراتها لصالح الإنسان ، وتبعاً لتعدد الصيغة الفكرية والثقافية كانت تعددية المنهج ، التي أفرزت بدورها تعددية حضارية مثل : حضارة الإسلام ، الحضارة العلمانية ، الحضارة الإلحادية وغيرها ، ( فحضارة أمة ما تعني مجموع ثقافتها ومدنيتها ، فإذا اعتمدنا هذا التعريف لكلمة حضارة ، تكون حضارة أمة في هذه الحالة هي مجموع ثقافتها ومدنيتها أي الجانب المادي فيها والجانب الآخر بآنٍ واحد ، وعلى هذا الأساس فكل أمة من الأمم يمكن أن تكون لها حضارة ، إذ أن لكل أمة في هذه الحالةل لتفعيل واس! تثمار مس خرات السموات والارض فهو جهد حضاري وثماره المادية ثمار حضارية ، لأن هذا الجهد وهذا الإنتاج ، هو تحقيق لأمر الله تعالى في الدعوة لاستثمار ما سخره سبحانه للناس جمعياً ( وسخر لكــم ما في السمــوات ومــا في الأرض جمعياً منه ) 115، ولكن هذا لا يمنع من أن نفرق بين الجهد البشري في الإنتاج المادي والإبداع التكنولوجي ، والذي ينبغي أن يبقى موضع تقدير وإشادة وتشجيع ، وبين المنهاج القيمي الذي يتم وفقه هذا الإنتاج ، وتتم على أساس من معاييره توظيف هذا الإنتاج ، لأن المنهاج القيمي .. هو الذي يقرر طبيعة هذا الإنتاج المادي وخصائصه الحضارية .. فنقول مثلاً حضارة إنسانية متوازنة آمنة ، أو حضارة مضطربة التوازن مضطربة الأمن ، أو حضارة منعدمة التوازن منعدمة الأمن.. وأن خاصية التوازنية وخاصية الأمان والنفع الإنساني لأي حضارة .. يقرره واقع الحال ومنهجية التعامل مع الإنسان ، وتحقيق مصالحه الحيوية والمعنوية من مأكل ومشرب وكساء ودواء ومسكن ، وعدل وأمن وحرية واستقرار ورفاه وسلام . ( إن غاية الحضارة الارتقاء بالحياة الإنسانية ، والحياة الإنسانية معقدة كثيرة الجوانب ، فإن فيها حياة فكرية عقلية ، وحياة مادية وعلمية معايشة ، وحياة نفسية خلقية رات الما دية ، على أنها ثمرة جهود الأجيال البشرية المتتالية عبر الزمان والمكان ، فهي إرث وملك الإنسانية جمعاء، ينبغي المحافظة عليها وتطويرها وترشيدها ، لتكون في خدمة الإنسان وإسعاده .. لا وبالاً عليه وحرباً على وجوده وأمنه ورفاهه . و الواقع التاريخي المعاصر قد قدم الشهادة الواضحة لخصائص كل حضارة ومقوماتها وأثر ذلك على حياة الإنسان ، إيجاباً وسلباً ، فقد وضح كيف أن الحضارة الإلحادية ( في الإتحاد السوفيتي سابقاً ) قد فشلت فشلاً ذريعاً ، في تلبية متطلبات فكرة الإنسان ، وعقمت عن الاستجابة لنداءات تكوينه الداخلي وطموحاته الحياتية في عالمه الخارجي ، بعد أن أقامت وجودها و ارتقاءها المادي على حساب وجوده وارتقائه الروحي والمعنوي ، وأشادت صروح صناعات الدمار الشامل ، على حساب صروح البناء والكفاية والرفاهية ، وأسرفت في اتخاذ أسباب حماية المنهج الظالم والنظام الطاغي ، على حساب حماية كرامة الإنسان وحقوقه في الحياة الإنسانية بحدها الأدنى ، المتمثلة في حريته وأمنه وغذائه وصحته وتعليمه ، وكبتت كل حوافز الإبداع والمنافسة ، وحولته إلى آلة تتحرك بإرادة النظام وأهواء النظام ومصلحة النظام ، بل حولته إلى نسخة بهائمية عليها أن تعمل كل ما يطل والطغيا ن أن يحمل الإنسان على إنفاذ وتحقيق وإقامة كل ما يتعارض ويتناقض مع مصالحة الحيوية والمعنوية والروحية ، وتمر عشرات العقود من السنين وتتعاقب الأجيال دون مراجعة أو تدارك لما يجري ، وفجأة تنهار عبثية الضلال والطغيان ، وتندثر إمبراطورية الوسائل المجردة من القيم ، لتجد الأجيال نفسها أمام رسوم وأطلال تحكي بكل الألم والحزن والندم مأساة الآباء والأجداد ، وتندب مسيرة العذاب الطويلة وقصة المعاناة المؤلمة والجهود المضنية ، بما انتهت إليه من إفلاس مخزي واندحار شنيع وتمزق وتبعثر ذليل ، يؤكد للناس الحقيقة الراســخة ( إن الله لا يصـلح عمل المفسدين ) 117 ، وليقدم الدليل القاطـع على أن التاريـخ والحضارة النافعـة تصنعها في النهاية القيم والمبـادئ والكلمات الطيبات ، لا العبثية والفساد والطلقات المعربدات 0 أجل هذا ما كان من شأن الحضارة الإلحادية المنهارة في الاتحاد السوفيتي سابقا ً، وها هي أصوات العقلاء والحكماء ترتفع في الغرب تحذراً وتخوفاً ، من أن يصيبهم ما أصاب نظراءهم في الاتحاد السوفيتي المنهار . وقد قرأنا ما جاء على لسان الزعيم الأمريكي المشهور ( نيكسون ) وقد تحدث عن تدهور الأسرة وانحدار مناهج التعليم في أمريكا ، واتساع جريم ة والأخل اقية ، لتكون في خدمة المرتكزات المادية ووسائلها ومهاراتها ولتقيم التوازنية الدقيقة معها ، مما يبعد أسباب الخطر عن الحضارة الغربية ، وأسباب الانتكاسة والإنهيار .. ويحفظ هذه الحضارة المادية العملاقة ، ويجعلها في المسار الصحيح والنهج الصحيح ، الذي يحول عطاءها باتجاه مصلحة الإنسان وخير الإنسان وأمن الإنسان ، ولتكون حضارة عدل لا حضارة ظلم وطغيان ، وحضارة سلم لا حضارة حرب وعدوان .. وحضارة تعايش لا حضارة تصادم ، وحضارة تكامل لا حضارة تضاد ، وحضارة استمرار للتاريخ لا حضارة نهاية التاريخ ، على حد مقولة – فوكوهاما – ومن هم على نهجه ونظرته وعنصريته وتعصبه وغروره .. ولتكون من بعد حضارة تعاون إنساني وتكامل إنساني وتنافس إنساني ، لا حضارة استعلاء وقهر وغلبة واستئثار .. ونحن إذ نعبر عن حرصنا في الترشيد والتناصح للحيلولة دون انهيار الحضارة الغربية والتحول بها إلى الخيرية والرشاد ، انطلاقاً من إيماننا بأن الحضارة بعامة إرث بشري ينبغي المحافظة عليها وتطويرها وترشيدها ، وذلك على أساس من معتقداتنا وقيمنا ومبادئنا الإسلامية ، التي تدعوا إلى ذلك وترغب منه ذلك كما في قوله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوب أمرهم . .. ! فهو منهج اللطيف الخبير .. اللطيف بعباده .. الخبير بأحوالهم وما يصلح لهم .. فهو منهج محايد بشرياً .. لا يحابي أحداً .. ولا يظلم أحداً .. ولا ينتصر لأحد على أحد إلا بالحق .. ومنهج محايد جغرافياً .. فهو ليس مع الشمال ضد الجنوب .. ولا ينحاز للجنوب في مواجهة الشمال .. وليس لغرب الأرض على حساب شرقها .. ولا لشرقها في معاداة غربها .. فهو منهج للناس في شمال الأرض وجنوبها ولمشارق الأرض ومغاربها .. وهو منهج محايد اقتصادياً .. لا ينتصر للأغنياء ضد الفقراء ولا يتعاطف مع الفقراء على حساب حقوق الأغنياء .. ولا يشجع الصناع ويبخس الزراع .. ولا يبارك الزراع ويمحق الصناع .. فهو للجميع تشجيعاً وتحفيزاً .. وللجميع عدلاً وإنصافاً .. وللجميع مآخاة وتكاملاً .. وهو منهج محايد سياسياً لا يمنح حق ( الفيتو ) للكبار في وجه مصالح الصغار .. ولا يدلل الصغار على حساب حقوق الكبار وإبداعاتهم ومهاراتهم بل هو للكبار والصغار .. وللأقوياء والضعفاء .. والقوي عنده ضعيف حتى يرده عن الظلم والطغيان .. والضعيف عنده قوي حتى يأخذ له الحق ممن ظلمه وطغى عليه .. وهو منهج محايد جنسياً .. لا يتزلف الرجال على حساب النساء .. ولا يتعاطف ويرق للنساء على حساب الرجال .. فهو عملاقة ل تطبيقات ميدانية مع هذه القيم و المبادئ جديرة بالاحترام والتقدير ، وجديرة بالتعامل معها والأخذ بفضائها والاستفادة من تجاربها العملية ، والاجتماعية والاقتصادية ، والسياسية والعسكرية والأمنية والصناعية والزراعية والتجارية وغيرها ، إلا أنهم في الغالب تخلفوا عن مواصلة السير الحضاري المادي إلا من رحم ربي ، لأسباب من داخلهم ولأسباب من خارجهم ، تكالبت عليهم فأحدثت خللاً كبيراً في مسيرتهم ، فهم يعانون من خلل في ميادين الماديات والوسائل والمهارات ، مثلما أن غيرهم يعاني خللاً في القيم والمبادئ والأخلاقيات ، فهناك خلل لدى الفريقين .. ونداؤنا للجميع أن يتداركوا الخلل ويصلحوا مناهج السير الحضاري لديهم لتكون في توازنية وتكامل .. توازنية القيم والماديات وتوازنية المبادئ والوسائل ، وتوازنية الأخلاق والمهارات وفق منهج الاستخلاف الرباني لعمارة الأرض .. ليستقيم من بعد السير الحضاري العالمي .. وتحقيق ثماره الطيبة المنشودة للناس جميعاً على السواء مصداقاً لقوله تعالى ( ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربه) 126 وختاماً وبعد هذا كله يبقي السؤال الكبير المطروح اليوم .. كيف لنا أن نحقق طموحات لمية وال عولمة ، ولينشئ العلاقة الموضوعية الوثيقة بينهما ، بعد أن قرر التحول بالنهج البشري من القومية إلى العالمية (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ) 127، والتوسع بمصالح الناس والنفع العام من الخصوصة إلى العولمة ، على أساس من التمايز والتعايش والتكامل ) الناس شركاء في ثلاثاء .. الماء والكلأ والنار ( 128، و يقول رسول الله صلى الله عليه وسـلم : ( خير الناس من ينفع الناس (129 ، وبعد أن قرر قاعدة التدافع والتعاون البشري من أجل صرف الفساد عن الأرض وإقامة الأمن فيها ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) 130، وبذلك يكون الإسلام قد أحدث تحولاً جذرياً في حياة الناس ، وهو يرتقي بهمومهم واهتماماتهم ومسؤولياتهم من المستوى القومي والإقليمي إلى المستوى الأممي والعالمي ، مقرراً وحدة الأسرة البشرية وتكامل مصالحا وأمنها ، وأن الأرض سكنهم المشترك ، ينبغي المحافظة على سلامتها وعدم إفسادها ، وأنها خزانة رزقهم ، عليهم أن يحسنوا استخدام مفاتيحها ، وأن يتقنوا فنون ومهارات تفعيل مخزوناتها ، وعليهم أن يلتزموا قيم العدل والإحسان في نظم ومعايير الانتفاع بمسخراتها بما يحقق كرامة الإنسان وأمنه و مكم عند الله أتقاكم ) 136 ، والإسلام يقرر كذلك أن الناس شركاء في الانتفاع العام بنتائج سيرهم وكدحهم لعمارة الأرض ، وبكلمة أخرى هم شركاء في الانتفاع بثمرات العطاء الحضاري التكنولوجي والصناعي والزراعي والحيواني ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ) 137، ولكن ذلك كله وفق قواعد ومعايير صيانة حق التملك ، والتزام ضوابط ومعايير نظم وآليات الانتفاع . وبعد أليس من الموضوعية والمشروعية أن يستوقفنا سائل ليسأل : ما هو الأمر الملح و المطلوب والملح من الناس على أساس مما ذكر آنفاً من أجل الوصول بالمجتمعات البشرية إلى عالمية راشدة وعولمة أمنه … ؟ والجواب باختصار ما يلي : أولاً : العمل معاً على تجديد القيم الروحية والأخلاقية وبعث روح المسؤولية بين الأجيال البشرية . ثانياً : إعادة التوازن بين حركة العلوم والتكنلوجيا من جهة وبين القيم الأخلاقية والدينية الربانية من جهة أخرى لضبط النتائج المعرفية ، لتكون في صالح كرامة الإنسان وسلامة البيئة والتعايش البشري الآمن . ثالثاً : اعتماد الحـوار الجـاد بين الحضــارات كأسـاس للتعارف من أجل : 1 ) أن يتعلم الناس كيف يتعامل كل منهم مع الأخر وكيف يجّل الجميع كرامة الإنسان . 2 ) أن تكتشف ضرورة ا لسير معاً بسلام ووئام على أساس من إرادة الله تعالى وطاعته لحماية المجتمعات البشرية من الكوارث والفقر والجهل . ووقف ظاهرة التدهور الأخلاقي والتفسخ الاسري ، ووضع حد لمروجي تجارة الحروب وتكنولوجيا أسحلة الدمار الشامل ، وإلا سيكون الناس عرضة لمزيد من الهلالك والدمار . أجل إن التجديد الديني للقيم الربانية ، والضبط التكنولوجي والمعرفي ، والحوار الثقافي والحضاري بين الناس ، هي من الضرورات الملحة من أجل الوصول إلى نظام عالمي رشاد وعولمة عادلة آمنة . ،،، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،،،