السلام في الإسلام
للأستاذ الدكتور: مصطفى الشريف
موضوع السلام هو المسألة الأساسية، وليس فقط بمسألة أساسية،
المسائل الأخرى كالعدالة والحرية تبنى وتصب في هذا الأساس.
من غير اللائق الاعتقاد بأنني سوف أقوم بمرافعة أو بتبرير دفاعي من أجل التأكيد على أن الإسلام هو أيضا سلام ومحبة وهذا تحصيل حاصل بالنسبة للمسلم المتبصر، مما يفضي إلى طرح المسألة بصفة مغايرة.
إذا أردنا فعلا التفكير في السلام، ينبغي أن تكون إعادة التفكير في المفاهيم الدينية والممارسات الاجتماعية، التربوية، السياسية، الثقافية، تحت شكل من أنواع التحفز أو التوتر في البحث عن حل من أجل العيش معا بسلام، ينبغي أن تكون المهمة الدائمة، لأننا جزء لا يتجزأ من الإنسانية والله مبتلينا في قضية الاختلاف واحترم الغير. باستسهال كبير، يعتقد البعض أن الديانات عموما، والإسلام، يشجع أو يفترض العنف عوض السلام، إن مسألة "العنف" من النوع الذي يكمن في صميم رهانات السلم، إن الفكرة التي مفادها أن أي شكل من أشكال استخدام العنف هي وحشية وضد السلام، تعد أسطورة العصور الحديثة، من أجل صنع الإلهاء والغموض.
وفي نفس الوقت، ثمة ممارسات عديدة تندفع وتزداد سوء، بما فهيا، وخصوصا، من طرف أولئك الذين يزعمون التنديد بها والدعوة إلى القضاء عليها.
إن الحضارة لم تكن لتتفتح وتزدهر وتبنى مدن العيش معا والتعايش في سلام، إلا على أساس من الادماج التام لفكرة الصراع والتنازع مع السعي لضبطها واحتوائها، دون العمل على ردها وكبتها، من أجل التفضيل الفعلي للسلام.
وبالنسبة للثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، أيضا، التي لا تمارس التمويه، يكمن الافتراض القائم في كون الكفاح القتال « Polémos »، الجهد، الجهاد « djihad »، التحكم في التوترات، وقبول الجدال والاختلاف، وهي منابع السلام، الرقي، التقدم، والحضارة، إن ما تضطلع به العصور الحديثة، فيما يخص التنازعات والخصومات، في الديمقراطيات المسماة بالليبرالية، لا تناسب هذه الرؤية الواقعية، والعالمية (الكونية)، إذا كان من الضروري، أن أي مجتمع يجب أن يسير قبل كل شيء، على أساس مبادئ السلام، الغفران ومحاسن الرحمة، فإننا لا نستطيع أن نؤسس حياة فردية وجماعية، بإبعاد وكبت ضرورة الجهد ومعنى المسؤوليات.
إن إنسان الأزمة الحديثة، الداعي إلى السلم، المجرد، الذي يمد خده للآخر، فإما انه، أسطوري، أو أنه لم يتخلص بعد من علاقاته التصارعية، وبنزعاته الداخلية، التي يكبتها مرضيا وباعتلال. الإنسان السعيد، المجتمع المتوازن، ليس بإنسان أو جماعة بلا توترات، بلاجهود، دون مقاومات، لكنهما يعيشان الصعوبات في خضم الحياة اليومية، متصلة بصعوبة الوجود، ومحنة الحياة.
إن الصور الخاطئة للنزعة السلمية وللسلام الأبدي، للإنسان الحديث الذي يراد فرضه، في الوقت الذي تهيج فيه الاعتداءات العنيفة في كل مكان، تهدم الدعاية التي تزعم بأن الإسلام مضاد للسلام، متخذة كذريعة، المجرمين الذين يتصرفون باسمه.
إن ما يرفضه الإسلام هو الاعتداء، العنف المجاني، وكل أشكال التجاوزات والتصرفات اللاإنسانية، إنه لا ينكر الحياة باعتبارها "كفاحا" والحق في الدفاع عن النفس، يدحض السلام الخاطئ العنف الأعمى، المجابهة المحضة، الحرب الدائمة والشاملة.
يعتقد البعض أن المسلمين تجنبوا ما يمكن اعتباره صعوبات الآية المحددة بصفة تعسفية بأنها تلك المتعلقة بالسيف:
" فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" "التوبة – الآية 05"، وكذلك الإدعاء أو الزعم أن الآية الأخرى التالية هي آية الحرب: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون بدين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: الآية 29) .
وعلى شاكلة غالبية المفكرين، إبن عربي، أبو حامد الغزالي، فخر الدين الرازي، فالمسلم يعرف أن الله تعالى لم يقم مسألة الإيمان على أساس استخدام القوة، ولا على العنف، وإنما على السلم والعدل، الإيثار، العطاء، الأسطورة: "تبين الرشد من الغي" وكذلك على: "لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس الآية: 99).
من غير المعقول أن فنرض الإيمان باستخدام القوة، فهذا يتعارض وقاعدة الإيمان، حرية وإخلاص النية، بالمقابل، فاستخدام القوة للحفاظ على الكرامة، هو نهج منطقي، أكثر سلمية من الخطابات المدعية، للنزعة السلمية، لا يمكن التخلص من العنف بهروبنا عن مسؤولياتنا، يتبنى موقف مجرد، غير واقعي، ومنقطع عن الرهانات.
في خضم مسار الحياة اليومية العادية، يدعونا القرآن الكريم إلى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وكلمة الجهاد مرتبطة بالمعنى العام للجهد، المتضمن للطاقة، وللتفسير اجتهاد، ولفعل العبادة: المجاهدة، الجهاد متصل أيضا بالثقة والتوكل والصبر: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين" (محمد الآية 31).
إن كلمة "الإسلام" في اللغة العربية مشتقة من نفس الجذر اللغوي لكلمة "السلام"، والسلام من أسماء الله الحسنى، يدعو الإسلام ونبيه، كل مؤمن، وعلى حدة، في مواجهة الشدائد، إلى الغفران، الصبر، والثبات على الرحمة، كدلائل على التقوى، إن القرآن الكريم يضرب مثلا في ذلك، وكقدوة أيضا بابني آدم (هابيل وقابيل): "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين" (المائدة الآية: 28).
ويقول القرآن أيضا: "من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا"، هذه هي قاعدة تعاليم اللاعنف، فبالنسبة للإسلام، فالقتال (الحرب) حالة استثنائية تفرضها الظروف والأعداء، ثمة أمر أساسي، يعترف به غالبية المؤرخين، والذي يقتضي التذكير به: إن اللجوء إلى القوة للدفاع، لم يكن مسموحا به خلال جل فترة الدعوة الإسلامية. لقد صبر المسلمون الأوائل ثلاث عشرة سنة (من ضمن 23 سنة)، منها عشر سنوات بمكة، دون مقاومة القمع وسوء المعاملة التي تعرضوا لها. إن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل صحابته، قد صبروا وتحملوا اعتداءات وضغوطات هائلة، دون رد فعل، الدفاع عن النفس، سمح به الوحي في وقت متأخر، سنتين بعد وصول الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة المنورة، وبشروط معينة، مقننة بشدة.
يحرم الإسلام أي شكل من الاعتداء بصفة مطلقة، اللجوء إلى القوة مرخص به في شروط محددة، في شكل الدفاع عن النفس فقط، وفي مقاومة الاعتداءات وأنواع العنف المختلفة، إنه اللاعنف ابتغاء السلم والسلام، الذي هو غير معطى مسبقا.